وائل قنديل: إذا أردت إحكام السيطرة على محمود عباس وتطويعه، أخرج له محمد دحلان

0

تقول التجربة المعملية: إذا أردت إحكام السيطرة على محمود عباس وتطويعه، أخرج له محمد دحلان من صندوق الألعاب الشريرة.
بهذا الميكانيزم يدار رئيس السلطة الفلسطينية من قبل الثورات المضادة العربية، لكن لم يكن يتوقع أحد أن يصل الانحدار بالرجل إلى الحد، الذي يخرج فيه عنوان الإسفاف والرداءة في إعلام الانقلاب في مصر على الناس معلناً أن رئيس السلطة الفلسطينية اتصل به ليشكره، ويبارك جهوده، ويؤيد دعوته إلى زيارة القدس، وهو ما أكدته وكالة الأنباء الفلسطينية “وفا” قائلة: “تقدم الرئيس الفلسطيني، محمود عباس (أبومازن)، بالشكر إلى الإعلامي المصري توفيق عكاشة، لدعوته العرب إلى زيارة القدس المحتلة”.
إذن كلما اشتعل الغضب الفلسطيني، وبدا أن انتفاضة توشك أن تنفجر في وجه الاحتلال، لتجمع كل الأطياف والطوائف، يهرع أبو مازن لإثارة معركة فلسطينية – فلسطينية، فالرجل، الذي لم يستطع بعد عشر سنوات من مقتل ياسر عرفات بالسمّ أن يشير بعقلة إصبع اتهام إلى إسرائيل وعملائها، يمتلك القدرة الكاملة على توجيه اتهامات صريحة لحركة “حماس” بتفجير منازل تابعة لحركة “فتح” في غزة.
وفي اللحظة، التي يتوهج فيها الكفاح الشعبي الفلسطيني، مستحضرا وجوه القسام وأحمد ياسين وعرفات (المقاوم لا المفاوض) وفتحي الشقاقي، ومستدعيا قصائد محمود درويش، يباغت محمود عباس الجميع بقفزة ركيكة إلى ما هو أبعد من القاع، ليستخرج وجها “عكاشيا” يمنحه شهادة نضال مزورة، إمعانا في احتقار مشروع المقاومة وإهانة التاريخ.
وكما قلت من قبل، فإن مفاتيح شخصية عباس يعرفها جنرالات الكيان الصهيوني وجنرالات الثورات المضادة، يحفظون نقاط ضعفه، ويدركون من أين ينفذون إليه، وكيف يحرّكونه، حيثما ووقتما وكيفما أرادوا، يفهمون أن شيئاً لا يهم الرجل، قدر احتفاظه بالسلطة، منها وبها يبتزّونه ويديرونه.
وقد بدأت عملية ملاعبة وترويض عباس بالبعبع الدحلاني مبكرا، وقبل العدوان الصهيوني الأخير على غزة، إذ احتل دحلان شاشات قنوات الانقلاب العسكري في مصر، والذي كان أحد المشرفين على تصنيعه، ففي مارس/آذار الماضي احتج عباس على استضافة دحلان، فانبرى له إعلام الانقلاب ورجال أعماله بهجوم مباغت، يبدأ من السخرية منه ولا ينتهي عند اتهامه بالكذب.
ومبكرا أيضا أدرك أبومازن أن احتفاظه بالسلطة يستوجب تقبيل عتبات إعلام الانقلاب المقدسة، فصار فقرة ثابتة في برامج “ما يطلبه الانقلابيون” يردد ترهات وسخافات باعتبارها معلومات موثقة، مثل تهجير الفلسطينيين إلى سيناء، وهي النكتة ثقيلة الدم، التي يكذبها واقع تهجير المصريين من سيناء والذهاب لفك ارتباطها التاريخي بقطاع غزة.. والآن جاءت لحظة الاحتضار التام بإدخال موضوع النضال الفلسطيني حظائر “العصر العكاشي”، الذي ترفع فيه الأحذية على الهواء مباشرة في وجه المقاومة الفلسطينية، ويعلن فيه صراحة أن إسرائيل هي الجار والصديق والحليف، بينما الفلسطيني المقاوم هو العدو.. ويقال فيه بملء الفم إن العرب والفلسطينيين ليس لهم في فلسطين إلا الأقصى والقيامة، وما عدا ذلك للصهاينة.
إن أحدا لا يصادر رغبة محمود عباس في أن يدافع عن مقعده الوثير، لكن المؤكد أنه ليس من حق أحد أن يشتري “السلطة” بإهانة تاريخ نضال الشعوب، وابتذال رموزها.
وكما لم يسكت محمود درويش على تنازلات “ملك الاحتضار”، أظن أنه من العار الصمت أمام انهيارات “ملك الانحدار”.
ولا بأس هنا من استعادة صيحة درويش الشهيرة في وجه ملك الاحتضار:
فماذا فعلت بقلعتنا قبل هذا النهار
لم تقاتل لأنك تخشى الشهادة، لكن..
عرشك نعشك
فاحمل النعش كي تحفظ العرش

وائل قنديل
العربي الجديد

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More