دق الناشط المناهض للفصل العنصري، اللورد «بيتر هين»، مسمارا عميقا جدا في نعش «عائلة غوبتا»، وهي عائلة هندية جنوب أفريقية ثرية، في مجلس اللوردات في المملكة المتحدة، الأربعاء. وفى خطابه، الذي بثه التليفزيون على الهواء مباشرة، قال هين إنه سلم «دليلا دامغا» إلى وزارة الخزانة في ، وهو عبارة عن وثائق تكشف تفاصيل الأموال التي غسلتها عائلة غوبتا من جنوب أفريقيا، عبر المملكة المتحدة إلى هونغ كونغ ودبي.

 

ويحتوي هذا الدليل أيضا على تفاصيل كاملة عن الحسابات المصرفية المستفيدة، وكيف تم إغراق المال لإخفاء مصدره. وقال «هين» أيضا أنه وفقا لمعلوماته، فإن هذه المعاملات قام عليها موظفون في البنك البريطاني الذي تم استخدامه لغسل الأموال القذرة. ومن إفصاحاته السابقة، كان من الواضح أنه يشير إلى بنك إتش إس بي سي. وقال «هين» إن موظفي البنك تعمدوا عدم الإبلاغ عن المعاملات، وهو الإجراء الذي يؤكد أنهم متواطئين جنائيا. ومن المرجح جدا، بعد إجراء تحقيقات واسعة، أن تسترد جنوب أفريقيا مليارات الراند (عملة جنوب أفريقيا) مرة أخرى، إضافة إلى وضع الفسدة الرأسماليين وشركائهم وراء القضبان لفترة طويلة.

 

واكتشف «هين» شبكة للجريمة المالية المنظمة العابرة للحدود، يسرتها عائلة «غوبتا»، بالتعاون مع أسرة الرئيس الجنوب أفريقي، وهي عائلة «زوما». واتهم التقصير في التنسيق بين المصارف ووكالات إنفاذ القانون المختلفة، وراء تسهيل عمل هذه الشبكة وعدم التصدي لها.

 

تورط

وسلم هين مطبوعات من معاملات البنك البريطاني المتورط.

 

وتظهر المعلومات تحويلات غير مشروعة للأموال، من جنوب أفريقيا، حولتها عائلة غوبتا على مدى الأعوام القليلة الماضية، من حساباتها في جنوب أفريقيا إلى حسابات في دبي وهونغ كونغ.

 

وتظهر السجلات جميع أرقام الحسابات المستخدمة. منها العديد من المعاملات المشروعة، والعديد من المعاملات غير المشروعة كذلك.

 

واعتبر «هين» هذا خرقا سافرا للممارسة المصرفية القانونية في المملكة المتحدة، وتحريض على غسل الأموال الذي حدث في هذه الحالة، ما تسبب في السطو الصارخ على المليارات من أموال دافعي الضرائب في جنوب أفريقيا.

 

وتبدأ كل معاملة ناشئة في البنوك الفرعية، في دبي وهونغ كونغ، بحساب مصرفي واحد، ثم ينقسم إلى عدد من الحسابات لإخفاء الأصل.

 

وكمثال على جرائم غسل الأموال التي تورطت فيها مصارف المملكة المتحدة والإمارات وهونغ كونغ، تحدث هين عن مشروع لبناء مزرعة للألبان بقيمة 18 مليون جنيه استرليني (23.4 مليون دولار) يستفيد منها 80 من الفقراء في منطقة فريد، بالولاية الحرة بجنوب أفريقيا.

 

لكن في جوهر المشروع، استخدمت هذه الشبكة الإجرامية هؤلاء الأشخاص الـ 80 وأسرهم كبيادق في دوامة من غسيل الأموال الدولي، والتي شملت بعض المؤسسات المالية البريطانية وغيرها. تمت عملية غسيل الأموال على هذا النحو:

 

الخطوة الأولى: في مايو/أيار عام 2013، بعد ثلاثة أشهر من إعلان حكومة الولاية الحرة عن مشروع مزرعة الألبان، قامت شركة تدعى إستينا، التي كانت ظاهريا ناشئة لصالح المستفيدين البالغ عددهم 80 مستفيدا، والتي كانت في الواقع مرتبطة بعائلة غوبتا، بتسليم مزرعة للبدء في إنتاج الألبان. وكان مدير إستينا متخصص في تكنولوجيا المعلومات، مع عدم وجود أي خبرة زراعية. ولم يتم طرح المشروع للمناقصة العامة.

 

الخطوة 2: نقلت الحكومة تقريبا تقريبا حوالي 6 ملايين جنيه استرليني (7.8 مليون دولار) إلى إستينا.

 

الخطوة الثالثة: بدلا من استثمارها في المزرعة، قامت إستينا بتحويل معظم هذه الأموال إلى شركة لغوبتا في الإمارات العربية المتحدة، وتسمى «شركة غيتواي المتحدة». وغيتواي مسجلة في إمارة رأس الخيمة، وهي واحدة من الإمارات السبع التي تتكون منها دولة الإمارات، وتعد ولاية قضائية جيدة لسرية معلومات الشركات. وفي ذلك الوقت، فتحت غيتواي حسابا مع بنك ستاندرد تشارترد البريطاني، والذي أغلقه البنك في وقت لاحق.

 

الخطوة 4: عندما كانت الأموال في دبي، شاركت عائلة غوبتا في دورة غسيل كلاسيكية، من خلال تحويل الأموال غير المشروعة إلى أصول مشروعة ظاهريا.

 

حيث نقلوا أكثر من 2 مليون جنيه استرليني (2.6 مليون دولار) من أموال مزرعة الألبان في إستينا، في شريحتين منفصلتين، ومن ثم توحيدها في نهاية المطاف في حساب ستاندرد تشارترد الخاص بها، لصالح إحدى شركاتها الإماراتية الأخرى، وتسمى أكيوريت للاستثمارات. (أغلق البنك هذا الحساب أيضا بعد ذلك).

 

الخطوة 5: ثم أحالوا هذه الأموال إلى كيان يسمى لينكواي للتجارة (له معاملات مصرفية مع بنك تابع للدولة في الهند)، وعادت الأموال مرة أخرى إلى جنوب أفريقيا.

 

الخطوة 6: عندما كانت الأموال في لينكواي، استخدمت عائلة غوبتا هذه الأموال لدفع ثمن حفل زفاف عائلي فخم لمدة أربعة أيام، حيث تم إنفاق أكثر من 1000 جنيه استرليني (1300 دولار) على الشوكولاتة، و تم إنفاق 120 ألف جنيه استرليني (156 ألف دولار) على الأوشحة الخاصة بالضيوف، و20 ألف جنيه استرليني (26 ألف دولار) على الألعاب النارية.

 

في نفس الوقت تقريبا الذي احتفلت فيه عائلة غوبتا في حفل الزفاف، تم استدعاء الأطباء البيطريين في بلدة فريد، في الولاية الحرة، لمزرعة الألبان، بسبب رائحة كريهة انبعثت بسبب نفوق الحيوانات. ووجدوا ما لا يقل عن 30 بقرة نافقة بسبب «حالة غير معروفة قد تكون ناجمة عن سوء التغذية»، وفقا لتقرير الأطباء.

 

وفي رسالة «هين» إلى المستشار في 25 سبتمبر/أيلول، التي طالب فيها بالتحقيق في كشف مصرف بريطاني لشبكة غوبتا – زوما الإجرامية، أدرج 27 من الكيانات والأفراد الذين شاركوا في مأساة مزارع الألبان في بلدة فريد الجنوب أفريقية. وهذا ليس بأي حال من الأحوال المثال الوحيد على الدمار الذي أحدثته شبكة غوبتا – زوما في جنوب أفريقيا.

 

كيانات كبرى متورطة

لكن الكارثة الإجرامية لجماعة الألبان في فريد، كما يقول «هين»، تثبت أن غسل الأموال قد تم عن طريق التثليث العابر للحدود، بين جنوب أفريقيا والإمارات العربية المتحدة والبنوك البريطانية وغيرها من البنوك العالمية.

 

وانتقد «هين» أن يتيح بنك محترم دوليا مثل ستاندرد تشارترد فتح حسابات مصرفية للكيانات المجهولة المسجلة في منطقة تجارة حرة مثل رأس الخيمة، التي تعتبر جاذبيتها الرئيسية كونها ولاية قضائية سرية للغاية، تسمح للشركات بعدم الكشف عن تفاصيل ملكيتها، مثل تلك التي استخدمتها عائلة غوبتا في مأساة مزرعة الألبان.

 

وعلى مدى الأشهر القليلة الماضية، سقطت عدة شركات متعددة الجنسيات أو تلوثت سمعتها على نطاق واسع نتيجة لتواطئها في فضيحة غوبتا، مثل بيل بوتينجر وماكينزي وكي بي إم جي وساب.

 

وتقوم وزارة العدل الأمريكية ولجنة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية حاليا بالتحقيق مع شركة ساب متعددة الجنسيات، بعد اعتذارها الأسبوع الماضي لشعب جنوب أفريقيا، لدفعها أكثر من 6 ملايين جنيه استرليني (7.8 مليون دولار) إلى شركات غوبتا، بعد اكتشاف أنها جزء من شبكة الفساد التي يرأسها الرئيس زوما وأسرته.

 

وتساءل «هين» في الأخير عن مدى تورط المؤسسات المالية في الدول المذكورة، مثل المملكة المتحدة والإمارات وغيرها، والمصارف الكبيرة في تلك الدول، في تسهيل عمل شبكات غسيل الأموال العابرة للحدود، وإذا ما كانت قد تعمدت عدم الامتثال لقوانين مكافحة غسل الأموال الدولية.