وطن-شهدت حركة الطيران في أوروبا موجة غير مسبوقة من التهديدات الكاذبة بوجود قنابل، طالت عشرات الطائرات التجارية خلال أيام قليلة، وأجبرت شركات طيران ومطارات على تفعيل إجراءات أمنية عاجلة، شملت تحويل مسارات رحلات وإخلاء ركاب والاستعانة بمقاتلات حربية لمرافقة بعض الطائرات.
وبحسب صحيفة «لا راثون» الإسبانية، اضطرت أكثر من 30 طائرة تجارية كانت تعمل على مسارات مختلفة داخل أوروبا إلى تعديل خطط رحلاتها بعد تلقي تهديدات بوجود متفجرات على متنها. وسجل يوم الخميس 5 نوفمبر وحده ما لا يقل عن 25 بلاغًا أثرت في حركة الملاحة الجوية بعدد من الدول الأوروبية.
وفي حصيلة أوسع، أفادت تقارير صحفية بأن ما لا يقل عن 35 طائرة تأثرت بالتهديدات منذ بداية الأسبوع، بينها 27 طائرة يوم الخميس، وفق الأرقام التي نقلتها صحيفة «إل باييس» عن وكالة رويترز. وشملت الحوادث مطارات في أكثر من 16 دولة أوروبية، سواء باعتبارها نقاط انطلاق أو وجهات أو محطات اضطرارية.
وأثارت هذه الموجة قلق شركات الطيران والسلطات الأمنية، ليس فقط بسبب عدد البلاغات، بل أيضًا بسبب تقارب توقيتها واتساع نطاقها الجغرافي، في وقت اضطر فيه مسافرون إلى انتظار نتائج عمليات التفتيش أو متابعة احتمال تغيير مواعيد رحلاتهم ووجهاتها.
تهديدات تطال «ويز إير» و«رايان إير» في إسبانيا وبلغاريا
من بين أولى الحوادث التي سُجلت هذا الأسبوع، تعرضت طائرة تابعة لشركة «ويز إير» كانت تنفذ رحلة بين لندن وصوفيا لتهديد بوجود قنبلة، ما دفع السلطات إلى تحويل مسارها نحو مطار بودابست في المجر، حيث هبطت بعد مرافقتها بمقاتلات حربية مجرية.
وفي إسبانيا، فعّلت شركة إدارة المطارات «أينا» بروتوكول الطوارئ في مطار مورسيا الدولي، عقب تلقي بلاغ بوجود قنبلة على متن طائرة تابعة لشركة «رايان إير» قادمة من مانشستر البريطانية. وخضعت الطائرة للفحص الأمني بعد هبوطها، قبل أن تتأكد السلطات من عدم وجود خطر.
وامتدت التهديدات إلى ثلاث رحلات أخرى تابعة لشركة «رايان إير» كانت متجهة إلى بلغاريا، قادمة من مدريد ولندن وكوبنهاغن. ورافقت مقاتلات عسكرية الطائرات خلال اقترابها من الأراضي البلغارية، فيما هبطت رحلتا مدريد وكوبنهاغن في مطار صوفيا، وحُوّلت الرحلة القادمة من لندن إلى مطار بلوفديف. وأُخلي الركاب في المناطق المخصصة لذلك، وخضعت الطائرات والأمتعة لعمليات تفتيش دقيقة، دون العثور على مواد متفجرة.
الخميس.. موجة جديدة تضرب مطارات أوروبية
بلغت التهديدات ذروتها يوم الخميس، عندما تلقت رحلات ومطارات في لندن وبرمنغهام وبروكسل وبوخارست ومدريد وميلانو وبراغ وروما وصوفيا ووارسو بلاغات بوجود قنابل.
وفي واحدة من أبرز الحوادث، اضطرت طائرة تابعة لشركة «إير لينغوس» كانت تنفذ رحلة بين دبلن وروما إلى تغيير مسارها بعد تلقي إنذار أثناء تحليقها فوق الأجواء الفرنسية. وهبطت الطائرة، التي كانت تقل 151 راكبًا و6 من أفراد الطاقم، في قاعدة إيفرو الجوية العسكرية الفرنسية، بعد مرافقتها بمقاتلات فرنسية.
وأكد مكتب رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو أن الطائرة هبطت دون حوادث، فيما تولت فرق متخصصة فحصها والتحقق من سلامتها.
وفي إيطاليا، رافقت مقاتلات تابعة للقوات الجوية طائرة فنلندية كانت متجهة من هلسنكي إلى روما، بعد تلقي تهديد بوجود قنبلة. وهبطت الطائرة، التي كانت تقل 144 راكبًا، بصورة طبيعية، قبل أن تنفذ السلطات عمليات تفتيش لم تسفر عن العثور على أي مواد مشبوهة.
كما تأثرت رحلة أخرى من هلسنكي إلى فيينا، كانت تشغلها شركة «جيت تايم» الدنماركية، إلى جانب طائرة تابعة لشركة «ويز إير» كانت متجهة من ميلانو إلى وارسو، واضطرت إلى الهبوط في فيينا بعد تلقي تهديد مماثل.
وفي بولندا، أغلق مطار شوبان في وارسو أحد مدارج الهبوط مؤقتًا، بعد تلقي بلاغ بشأن رحلة تابعة لشركة «لوت» كانت متجهة إلى باريس. ونُفذت عمليات تفتيش للطائرة والركاب والأمتعة، قبل أن تعلن السلطات عدم تأكيد التهديد واستئناف حركة المطار بصورة طبيعية.
أما في رومانيا، فقد تلقى مطار بوخارست إنذارًا بشأن طائرة تابعة لشركة «ويز إير» قادمة من ميلانو، وعلى متنها 182 راكبًا و7 من أفراد الطاقم. وأُخلي الركاب بعد الهبوط، فيما تولت فرق متخصصة فحص الطائرة.
لا نمط واضحًا في اختيار الرحلات المستهدفة
وبحسب صحيفة «لا راثون»، لا تظهر حتى الآن مؤشرات واضحة على وجود نمط محدد لاختيار الطائرات أو المطارات المستهدفة. فلم تتركز البلاغات على شركة طيران واحدة، كما لم يتكرر مسار جوي بعينه بصورة منهجية.
ومع ذلك، برزت إيطاليا ضمن أكثر الدول تأثرًا، بعدما طالت التهديدات رحلات قادمة إليها وأخرى مغادرة منها، فيما سجلت شركات طيران مختلفة حوادث متزامنة في عدة بلدان.
ورغم حجم الاضطراب، لم تعثر فرق التفتيش في الطائرات التي خضعت للفحص على متفجرات أو أجسام مشبوهة. وأكدت السلطات أن التهديدات التي جرى التحقق منها لم تكشف عن خطر فعلي، ما دفع إلى تصنيفها على أنها إنذارات كاذبة.
من يقف وراء تهديدات القنابل؟
يبقى تحديد الجهة المسؤولة عن هذه البلاغات السؤال الأبرز في التحقيقات الجارية. ففي ظل تصاعد المخاوف الأوروبية من عمليات التخريب والهجمات الهجينة المنسوبة إلى روسيا، أثار تزامن التهديدات وتوزعها الجغرافي تساؤلات بشأن احتمال وجود عملية منسقة. لكن السلطات الأوروبية لم تعلن حتى الآن عن أدلة تثبت مسؤولية موسكو أو طهران أو أي دولة أو تنظيم آخر عن هذه الحوادث، كما لم تعلن أي جهة تبنيها.
ونقلت صحيفة «لا راثون» عن صحيفة «الغارديان» البريطانية أن بعض التهديدات وصلت عبر البريد الإلكتروني، في حالات مرتبطة ببلغاريا وإيطاليا وبولندا وإسبانيا. إلا أن هوية مرسلي هذه الرسائل لم تتضح، كما لم يُحسم ما إذا كانت البلاغات جميعها جزءًا من عملية واحدة أم أنها حوادث منفصلة.
وفي السياق نفسه، طلبت المفوضية الأوروبية من الدول الأعضاء تعزيز تبادل المعلومات والتنسيق بين السلطات الأمنية ومشغلي المطارات وشركات الطيران، لمتابعة التطورات وتقييم التهديدات. وأوضحت المفوضية أن تحديد ما إذا كانت الحوادث مترابطة يحتاج إلى مزيد من التحقيقات.
وتشير تقديرات خبراء نقلتها وسائل إعلام أوروبية إلى أن كثافة البلاغات خلال فترة قصيرة وفي نطاق جغرافي متقارب تجعل احتمال التنسيق موضع بحث، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات وجود جهة واحدة تقف وراءها أو تحديد هويتها.
شركات الطيران أمام معادلة السلامة والفوضى التشغيلية
عند تلقي تهديد بوجود قنبلة، لا تملك شركات الطيران مجالًا واسعًا للتعامل معه باعتباره بلاغًا غير موثوق. فالإجراءات الأمنية تفرض تقييم كل إنذار بجدية، وقد تستدعي تغيير مسار الطائرة أو الهبوط في مطار بديل أو إخلاء الركاب، إلى جانب تفتيش الطائرة والأمتعة قبل السماح باستئناف الرحلة. وفي بعض الحالات، استدعت السلطات مقاتلات حربية لمرافقة الطائرات المتأثرة، كما حدث في فرنسا وبلغاريا والمجر وإيطاليا، في إجراء احترازي يهدف إلى ضمان هبوطها بأمان.
ولا يقتصر تأثير تحويل مسار طائرة على تأخير وصولها، بل يمتد إلى تكاليف إضافية لشركات الطيران، وإعادة تنظيم أطقم العمل، وتعطيل رحلات الربط، وتغيير جداول الإقلاع والهبوط. كما يمكن أن يؤدي تكرار البلاغات إلى ضغط متزايد على فرق الأمن والمراقبة الجوية وموارد المطارات.
وحذرت شركات وخبراء في قطاع الطيران من تأثير الدومينو، إذ إن استمرار الإنذارات، حتى إن ثبت كذبها، قد يؤدي إلى اضطرابات متلاحقة في حركة النقل الجوي، ويزيد من احتمالات التأخير والإلغاء والازدحام في المطارات الأوروبية.
هل تشكل التهديدات خطرًا مباشرًا على المسافرين؟
حتى الآن، لم تكشف عمليات التفتيش التي أُعلنت نتائجها عن وجود متفجرات أو مؤشرات على خطر مباشر داخل الطائرات المستهدفة. لكن عدم العثور على مواد خطرة لا يعني إمكان تجاهل البلاغات قبل التحقق منها، إذ تظل سلامة الركاب وأطقم الطائرات العامل الحاسم في التعامل مع كل إنذار. وبالنسبة إلى المسافرين، يتمثل التأثير الملموس حتى الآن في تأخر الرحلات وتحويل مساراتها، واحتمال إلغاء بعض الرحلات أو تغيير مواعيدها، إضافة إلى الانتظار خلال عمليات الإخلاء والتفتيش الأمني.
وتكشف هذه الموجة مدى تأثر قطاع الطيران بالبلاغات الأمنية، حتى عندما لا تثبت صحتها؛ إذ يمكن لرسالة إلكترونية مجهولة المصدر أن تطلق سلسلة من الإجراءات تمتد آثارها إلى مطارات وشركات طيران ومسافرين في دول عدة. وفي انتظار نتائج التحقيقات، تواصل السلطات الأوروبية التعامل بحذر مع الإنذارات، بينما يبقى السؤال مفتوحًا بشأن ما إذا كانت هذه الحوادث ستتوقف عند حدود موجة مؤقتة، أم أنها ستتكرر بوصفها نمطًا جديدًا من الاضطرابات التي تستهدف حركة الطيران المدني في القارة.
اقرأ أيضاً
تهديدات كاذبة بوجود قنابل تربك الطيران في أوروبا وتؤثر على 12 رحلة جوية..

