وطن-بدأت أصوات داخل الحزب الديمقراطي الأميركي تدعو إلى تبني إجراءات أكثر صرامة تجاه المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة، مستندة إلى الخطوات التي أعلنتها حكومة رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام في سبتمبر 2026، في تحول قد يفتح الباب أمام تنسيق أوسع بين مشرعين ديمقراطيين وحكومة حزب العمال بشأن الملف الفلسطيني.
وبحسب ما أورده موقع «ميدل إيست آي»، ترى شخصيات ديمقراطية أن العقوبات البريطانية الجديدة يمكن أن تشكل نموذجاً لتحرك أميركي، خصوصاً بعد المكاسب التي حققها الحزب في انتخابات التجديد النصفي، واستعادته السيطرة على الكونغرس. وتأتي هذه الدعوات في وقت تتصاعد فيه الانتقادات داخل الحزب لسياسات حكومة بنيامين نتنياهو، ولا سيما التوسع الاستيطاني والعنف الذي يتعرض له الفلسطينيون في الضفة الغربية.
ونقلت الصحيفة عن مصادر ديمقراطية أن اتصالات ومحادثات غير رسمية تجري مع شخصيات في الحكومة البريطانية، وسط حديث عن إمكانية إحياء التحالف التقليدي بين حزب العمال البريطاني والديمقراطيين الأميركيين، وربما بناء علاقة سياسية أكثر تقارباً بين قيادة ديمقراطية مستقبلية في واشنطن وحكومة بيرنهام. لكن هذا التقارب لا يزال في إطار الاتصالات والتوقعات السياسية، ولا يعني وجود اتفاق رسمي بين الطرفين على برنامج مشترك للعقوبات أو السياسة تجاه إسرائيل.
بريطانيا توسع العقوبات وتستهدف النشاط الاستيطاني
في سبتمبر 2026، أعلنت حكومة بيرنهام إجراءات جديدة تستهدف النشاط الاقتصادي المرتبط بالمستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة، شملت التوجه إلى حظر استيراد السلع المنتجة داخل المستوطنات، وفرض قيود على الخدمات والأنشطة التي تسهم في توسيعها، إلى جانب توسيع صلاحيات نظام العقوبات البريطاني لاستهداف أفراد وشركات تدعم الاستيطان أو تسهله أو تحقق أرباحاً منه.
وجاءت الخطوة بعد سلسلة من الإجراءات البريطانية السابقة، بينها فرض عقوبات على مستوطنين وكيانات متهمة بتمويل العنف ضد الفلسطينيين، وتوسيع التحذيرات الموجهة إلى الشركات البريطانية بشأن التعاملات الاقتصادية والمالية داخل المستوطنات.
وقال وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند إن الحكومة ترى ضرورة إحداث تغيير ملموس في طريقة التعامل مع التوسع الاستيطاني، فيما ربط بيرنهام الإجراءات الجديدة بمسؤولية بريطانيا عن دعم القانون الدولي والحفاظ على إمكانية إقامة دولة فلسطينية. وأعلنت بريطانيا تحركها بالتنسيق مع عدد من الدول، بينها فرنسا وكندا، فيما أبدت دول أوروبية أخرى استعدادها لاتخاذ قيود تجارية مماثلة أو دراسة هذه الخطوة.
مشرعون أميركيون يدعون إلى الاقتداء بلندن
لم تكن الدعوات الأميركية إلى فرض عقوبات على المستوطنات وليدة نتائج الانتخابات الأخيرة، إذ سبق أن طالب عدد من أعضاء الكونغرس إدارة ترامب باتخاذ خطوات مماثلة للإجراءات الأوروبية.
ووصف النائب الديمقراطي خواكين كاسترو التحرك البريطاني بأنه خطوة في الاتجاه الصحيح، داعياً الولايات المتحدة إلى استخدام أدواتها الاقتصادية والسياسية لمواجهة التوسع الاستيطاني. كما أشاد النائب رو خانا بالإجراءات البريطانية، واعتبرها خطوة مهمة في التعامل مع القضية.
وقال السيناتور الديمقراطي كريس فان هولين إن الكونغرس يستطيع، بل ينبغي له، التحرك في هذا الملف، فيما دعا النائب غريغ كاسار إلى فرض قيود على التجارة مع المستوطنات.
وتعكس هذه المواقف اتجاهاً داخل الجناح التقدمي للحزب الديمقراطي نحو ربط العلاقات الأميركية الإسرائيلية بملفات الاستيطان وحقوق الفلسطينيين، بدلاً من التعامل معها باعتبارها قضايا منفصلة عن المساعدات والتعاون السياسي والعسكري بين البلدين.
مشروعان في الكونغرس لاستهداف التوسع الاستيطاني
وتحولت بعض هذه الدعوات إلى مبادرات تشريعية فعلية خلال سبتمبر 2026. ففي 23 سبتمبر، قدم عدد من أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيين مشروع قانون يستهدف فرض عقوبات على أفراد وشركات وجهات أجنبية تسهم في تنفيذ مشروع الاستيطان الإسرائيلي في منطقة «إي 1» شرق القدس.
وشارك في تقديم المشروع السيناتورات كريس كونز وإليزابيث وارن ورون وايدن وروبن غاليغو، إلى جانب عدد من الأعضاء الداعمين. ويستهدف المقترح الجهات التي تشارك في بناء المستوطنات أو البنية التحتية المرتبطة بها، أو تتقدم بعطاءات لتنفيذ مشروعات في المنطقة، أو تمول نقل مستوطنين إليها.
وأُحيل المشروع إلى لجنة البنوك والإسكان والشؤون الحضرية في مجلس الشيوخ، ما يعني أنه لا يزال مقترحاً تشريعياً ولم يتحول إلى قانون نافذ.
وفي 30 سبتمبر، أعلن كاسترو وعدد من أعضاء مجلس النواب تقديم مشروع آخر يحمل اسم «قانون وقف المستوطنات»، ويهدف إلى فرض عقوبات على الأفراد والجهات التي تسهم في إنشاء المستوطنات أو توسيعها في الضفة الغربية وقطاع غزة، إلى جانب حظر استيراد السلع المنتجة فيها.
وقال كاسترو إن المشروع يمنح الولايات المتحدة أدوات للضغط على الشركات والجهات التي تشارك في الاستيطان، مضيفاً أن الكونغرس ينبغي أن يستخدم نفوذه لمنع مصادرة الأراضي الفلسطينية وتقويض فرص إقامة دولة فلسطينية.
وضمت قائمة مقدمي المشروع مادلين دين ودون باير وغريغ كاسار وسارة جاكوبس وفيرونيكا إسكوبار، فيما انضم إليه لاحقاً عشرات الأعضاء الديمقراطيين بوصفهم رعاة مشاركين. وبحسب إعلان كاسترو في 14 أكتوبر، ارتفع عدد المؤيدين المشاركين في رعاية المشروع إلى 53 عضواً.
مشروع «إي 1» في قلب المواجهة
تكتسب هذه المبادرات أهمية خاصة بسبب مشروع «إي 1» الاستيطاني، الذي يتضمن بناء أكثر من 3000 وحدة سكنية في منطقة تقع بين القدس ومستوطنة معاليه أدوميم شرقي المدينة.
وتحذر جهات فلسطينية ودولية من أن تنفيذ المشروع قد يؤدي إلى فصل القدس الشرقية عن بقية الضفة الغربية، وتقسيم الضفة إلى مناطق منفصلة جغرافياً، بما يضعف إمكانية إقامة دولة فلسطينية متصلة الأراضي.
ولهذا السبب، ركز مشروع مجلس الشيوخ الأميركي على الجهات التي تسهم في تنفيذ المشروع أو تمويله، بينما ذهب مقترح مجلس النواب إلى نطاق أوسع يشمل التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية وقطاع غزة.
وتستند هذه التحركات إلى موقف دولي يعتبر المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة مخالفة للقانون الدولي، في حين ترفض الحكومة الإسرائيلية هذا التوصيف وتتمسك بمواقفها بشأن المستوطنات والأراضي المتنازع عليها.
لندن ترحب بإمكانية التنسيق مع الديمقراطيين
في بريطانيا، رحبت شخصيات من حزب العمال بإمكانية تعاون أوسع مع المشرعين الديمقراطيين الأميركيين بشأن الاستيطان. وقالت إميلي ثورنبيري، رئيسة لجنة الشؤون الخارجية في مجلس العموم، إن وجود مشرعين مثل رو خانا وغريغ كاسار وخواكين كاسترو في مواقع مؤثرة داخل الكونغرس قد يفتح المجال أمام تطوير السياسة الأميركية تجاه إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة.
وأضافت، بحسب ما نقله «ميدل إيست آي»، أن التجربة البريطانية في التعامل مع المستوطنات يمكن أن تشكل نموذجاً للتعاون المستقبلي بين الطرفين. كما وصف النائب العمالي جون ماكدونيل التحول في السياسة البريطانية تجاه فلسطين بأنه تطور مهم للحملات المطالبة بتحرك دولي، معتبراً أن التنسيق بين واشنطن ولندن ودول أخرى قد يوسع نطاق الضغوط السياسية والاقتصادية على الحكومة الإسرائيلية.
ونقلت الصحيفة عن مسؤول سابق في وزارة الخارجية الأميركية، لم تكشف هويته، قوله إن هناك فرصة لظهور زخم داخل الكتلة الديمقراطية في الكونغرس لجعل ملف الاستيطان أولوية. وأشار إلى أن التنسيق بين الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا والاتحاد الأوروبي يمكن أن يعزز فاعلية العقوبات، مقارنة بتحرك كل دولة بصورة منفردة.
الديمقراطيون يسعون إلى إعادة صياغة موقفهم من إسرائيل
وتأتي هذه التحركات في سياق نقاش أوسع داخل الحزب الديمقراطي بشأن العلاقة مع إسرائيل، بعد الانتقادات التي واجهها الرئيس السابق جو بايدن بسبب دعمه للحكومة الإسرائيلية خلال حرب غزة.
وتقول أوساط تقدمية في الحزب إن جيلاً جديداً من المشرعين بات أكثر استعداداً لربط الدعم الأميركي لإسرائيل باحترام حقوق الفلسطينيين ووقف التوسع الاستيطاني، فيما أصبحت الدعوات إلى فرض قيود على المساعدات العسكرية والتجارة مع المستوطنات أكثر حضوراً في النقاش السياسي.
وتشير الصحيفة إلى أن فوز شخصيات ديمقراطية ذات مواقف ناقدة للحكومة الإسرائيلية، من بينها عبد السيد في ميشيغان، قد يعزز هذا الاتجاه، خصوصاً مع دخول أعضاء جدد إلى الكونغرس يحملون مواقف أكثر تشدداً بشأن القضية الفلسطينية.
لكن حجم التحول الفعلي سيظل مرتبطاً بقدرة هذه الشخصيات على تحويل مواقفها إلى تشريعات تحظى بالأغلبية اللازمة، وبمدى استعداد قيادة الحزب لتبني سياسة موحدة تجاه إسرائيل.
هل يتشكل تحالف جديد بين لندن وواشنطن؟
تستحضر هذه التحركات مراحل سابقة من التقارب السياسي بين حزب العمال البريطاني والحزب الديمقراطي الأميركي، أبرزها العلاقة التي جمعت الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون برئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير، وكذلك التعاون بين هارولد ويلسون وليندون جونسون في ستينيات القرن الماضي.
لكن الحديث عن تحالف جديد بين حكومة بيرنهام والديمقراطيين لا يزال سابقاً لأوانه، خصوصاً أن الانتخابات الرئاسية الأميركية المقبلة مقررة في 2028، وأن هوية المرشح الديمقراطي الذي قد يصل إلى البيت الأبيض لم تتحدد بعد. ومع ذلك، فإن تلاقي المواقف بشأن المستوطنات، ووجود مشاريع قوانين أميركية تستلهم بعض أدوات الضغط التي تستخدمها لندن، يشيران إلى اتساع مساحة التنسيق المحتمل بين الطرفين.
وفي حال تطورت هذه المبادرات إلى تشريعات نافذة أو إجراءات تنفيذية، فقد تمثل تحولاً في أدوات الضغط الغربية على إسرائيل، من بيانات الإدانة الدبلوماسية إلى قيود اقتصادية تستهدف الجهات المشاركة في الاستيطان. غير أن الطريق إلى ذلك لا يزال يمر عبر نقاشات الكونغرس والإجراءات التشريعية، ولا يمكن اعتبار المقترحات الحالية سياسة أميركية معتمدة.
قد يعجبك
بريطانيا ماضية في فرض عقوبات على المستوطنات الإسرائيلية.. حتى إذا رحل نتنياهو عن السلطة
نتنياهو يواجه عزلة دولية على منصة الأمم المتحدة ويستثمر خطابه في معركة الانتخابات بإسرائيل
عقوبات بريطانيا على المستوطنات الإسرائيلية.. ما الجهات والأنشطة التي تستهدفها؟
عرب بريطانيون يصعّدون الضغط على لندن: إجراءات ملزمة لوقف دعم المستوطنات الإسرائيلية

