وطن-أعادت افتتاحية نشرتها صحيفة «الجزيرة» السعودية فتح ملف الخلافات داخل البيت الخليجي، بعدما استحضر رئيس تحريرها خالد بن حمد المالك التدخل العسكري السعودي في البحرين عام 2011، موجها انتقادات إلى دول خليجية لم يسمّها، بسبب ما وصفه بالاعتقاد الخاطئ بأن الثروة المالية تمنح أصحابها قوة تمكنهم من الاستغناء عن شركائهم.
وجاءت الافتتاحية، التي حملت عنوان «أعيدوا الحسابات» ونُشرت في 2 نوفمبر 2026، في سياق حديث عن العلاقات الخليجية والتعاون الأمني، لكنها تضمنت عبارات اعتبرها متابعون رسائل غير مباشرة إلى الإمارات، خصوصا مع استحضار ملفات اليمن والسودان، التي تشكل أحد أبرز محاور التباين في المواقف الإقليمية بين الرياض وأبوظبي.
البحرين والكويت.. استعادة محطات التدخل السعودي
استهل المالك مقاله بالتنبيه إلى ما وصفه بخطأ بعض الدول في المبالغة بتقدير قدراتها، محذرا من أن امتلاك الأموال قد يغري باستحضار «وهم لقوة واهية»، ويقود بعض القادة إلى الاعتقاد بإمكانية الاستغناء عن التعاون مع الدول التي تملك قدرات أكبر على الحماية والمساندة. وفي أبرز فقرات الافتتاحية، دعا الكاتب إلى تذكر الدور الذي أدته القوات السعودية في البحرين عام 2011، عندما دخلت قوات من المملكة ضمن قوات درع الجزيرة، خلال الاحتجاجات التي شهدتها البلاد.
واعتبر المالك أن التدخل السعودي حال دون سقوط البحرين، مستخدما تعبيرات تتحدث عن اقتراب المملكة من السقوط في أيدي ما وصفه بالقوات الإيرانية وعملائها من الداخل. وهذه قراءة الكاتب للأحداث، وليست توصيفا محايدا متفقا عليه لجميع أطراف الأزمة البحرينية. كما استحضر الدور السعودي في حشد دول العالم واستضافة قوات التحالف الدولي في الرياض، خلال التحضيرات لتحرير الكويت من الغزو العراقي عام 1991، مقدما المحطتين باعتبارهما دليلين على أهمية الدور السعودي في حماية أمن المنطقة.
«الشقيق الكبير».. انتقاد دول خليجية من دون تسميتها
لم تقتصر الافتتاحية على استعادة أحداث تاريخية، بل تضمنت انتقادات واضحة لدول خليجية لم يحددها المالك بالاسم، محذرا من أن الثروة المالية قد تدفع بعض القادة إلى المبالغة في تقدير قوتهم، والاعتقاد بأن بإمكانهم اتخاذ مواقف مستقلة عن شركائهم الإقليميين من دون حساب العواقب.
وتوقف الكاتب عند ما وصفه بالحاجة إلى «الشقيق الكبير» عندما تتعرض الدول للتهديد، معتبرا أن بعض الأطراف لا تدرك أهمية التعاون إلا عندما تواجه الأزمات وتحتاج إلى الحماية والمساندة. كما رفض المالك، في مقاله، النظر إلى الرياض باعتبارها دولة تسعى إلى الهيمنة على جيرانها أو تهميشهم، داعيا إلى التعامل مع السعودية بوصفها مصدرا للقوة والحماية والتعضيد.
ورغم أن الإمارات لم ترد بالاسم في الافتتاحية، فإن حديث الكاتب عن وفرة المال، والاعتقاد بالقدرة على الاستغناء عن الآخرين، إلى جانب الإشارات إلى ملفات إقليمية خلافية، فتح الباب أمام قراءات ربطت هذه الانتقادات بأبوظبي.
اليمن والسودان والصومال.. ملفات الخلاف مع أبوظبي
تكتسب هذه الإشارات دلالتها من مواقف سابقة للمالك، وجّه فيها انتقادات مباشرة إلى السياسة الإماراتية في المنطقة. ففي مقال نشره في يناير 2026، اتهم الكاتب الإمارات بالتدخل في شؤون اليمن والسودان والصومال، معتبرا أن تحركاتها في هذه الدول أضرت بالأمن السعودي والمصالح الإقليمية.
وفي فبراير، عاد إلى تناول الخلاف السعودي الإماراتي، محمّلا أبوظبي جانبا رئيسيا من المسؤولية عنه، ومطالبا إياها بوقف دعم المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن، والقوى الانفصالية في الصومال، وقوات الدعم السريع في السودان.
وتظل هذه المواقف اتهامات وقراءات سياسية طرحها الكاتب، وليست حقائق مثبتة بمجرد ورودها في مقالات صحفية. كما تنفي الإمارات تقديم دعم عسكري لقوات الدعم السريع، وتقول إنها تدعو إلى وقف الحرب والتوصل إلى تسوية سياسية في السودان.
وفي المقابل، تحدثت افتتاحية نوفمبر عن الدور الذي تقول الرياض إنها تؤديه في منع انزلاق اليمن نحو التقسيم، ودعم إنهاء القتال في السودان والعودة إلى الحوار، في طرح يعكس رؤية الكاتب لموقع السعودية ودورها في إدارة أزمات المنطقة.
هل أصبحت الصحافة ساحة للخلاف السعودي الإماراتي؟
تأتي الافتتاحية في وقت تتزايد فيه القراءات بشأن التباينات السعودية الإماراتية في عدد من الملفات الإقليمية، ولا سيما اليمن والسودان والصومال، حيث تتقاطع المصالح أحيانا وتختلف المقاربات السياسية والأمنية في أحيان أخرى. ومن هنا، لا تبدو استعادة أحداث البحرين عام 2011 مجرد استذكار لمحطة تاريخية، بل تحمل في سياق المقال رسالة عن أهمية الدور السعودي في أمن الخليج، وعن رفض ما يراه الكاتب تقليلا من هذا الدور أو محاولة للاستغناء عنه.
لكن من الضروري التمييز بين مواقف الكاتب وما يمكن اعتباره موقفا رسميا للدولة السعودية؛ فالافتتاحية تعبر عن رأي رئيس تحرير صحيفة سعودية، ولا تشكل بحد ذاتها إعلانا رسميا عن توجه جديد في السياسة الخارجية للمملكة. وبين استحضار تدخل البحرين، والتذكير بتحرير الكويت، وانتقاد سياسات بعض الدول الخليجية، يطرح المقال تساؤلات بشأن طبيعة الرسائل التي أراد المالك إيصالها، والجهات التي قد تكون معنية بها.
فهل تعكس هذه اللغة تصعيدا إعلاميا في الخلاف السعودي الإماراتي، أم أنها محاولة لإعادة التأكيد على مركزية الدور السعودي في أمن الخليج؟ وهل تتحول الملفات الإقليمية، من اليمن إلى السودان والصومال، إلى ساحة أوسع للتعبير عن التباينات بين الرياض وأبوظبي؟
اقرأ المزيد
بعد خسارة الإمارات.. توتر ومشاجرات بين جماهير السعودية والإمارات في جدة
السعودية والإمارات تفتحان صفحة جديدة في الرياض.. هل يعود التنسيق ضد الحوثيين؟
هدنة بين المحمدين.. السعودية والإمارات تطفئان حرب المنصات بعبارة «خليجنا واحد»
رسائل متزامنة من الرياض وأبوظبي.. هل تنهي الخلافات بين السعودية والإمارات؟

