وطن-حقق الديمقراطي التقدمي من أصول مصرية عبد الرحمن السيد، المعروف باسم عبد السيد، فوزاً تاريخياً في انتخابات مجلس الشيوخ الأميركي عن ولاية ميشيغان، بعد تغلبه على منافسه الجمهوري مايك روجرز، ليصبح أول مسلم يُنتخب لعضوية الغرفة العليا في الكونغرس الأميركي.
وأعلنت وكالة «أسوشيتد برس» فوزه في الساعات الأولى من صباح الأربعاء 4 نوفمبر 2026، بعدما أظهرت النتائج الأولية، مع فرز نحو 87% من الأصوات، حصوله على 51.9% مقابل 46.1% لروجرز. وجاء إعلان الوكالة عند الساعة 2:27 فجراً بالتوقيت الشرقي للولايات المتحدة، أي 7:27 صباحاً بتوقيت غرينتش.
وخلال خطاب النصر أمام أنصاره في مدينة ديترويت، عبّر السيد عن فخره بالفوز، مؤكداً أنه يقف أمامهم بصفته «السيناتور المنتخب». كما وجّه رسائل إلى الأميركيين الذين تعرضوا، بحسب تعبيره، للاستهداف بسبب أسمائهم أو معتقداتهم الدينية، في إشارة إلى الهجمات التي واجهها خلال الحملة الانتخابية.
وقال في خطاب نقلت وسائل إعلام أميركية مقتطفات منه: «إلى كل الآباء الذين وجدوا صعوبة في شرح سبب سخرية الرئيس علناً من شخص بسبب اسمه أو طريقة صلاته، أخبروهم غداً أن الأشرار خسروا». وأضاف: «هم يريدون أميركا ضيقة لا تتسع لبعضنا. أما نحن فنعرف أن أميركا كبيرة بما يكفي لنا جميعاً».
رسائل ساخرة إلى ترامب وفانس
وخصّ عبد السيد الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونائبه جي دي فانس برسائل مباشرة، بعدما كانا من أبرز منتقديه خلال السباق الانتخابي. ووجّه حديثه إلى فانس قائلاً: «جي دي، يا حبيبي، المفارقة اللذيذة هنا أنك ستكون ملزماً دستورياً بأداء القسم لي في يناير».
أما رسالته إلى ترامب فجاءت بنبرة ساخرة، إذ قال: «دونالد، أعرف أنك تجد صعوبة في نطق اسمي، لذلك بعد أن يؤدي لي جي دي القسم في يناير، يمكنك ببساطة أن تناديني: سيناتور». وجاءت هذه التصريحات في سياق ردّه على الانتقادات التي استهدفت اسمه وهويته الدينية، بعدما استخدم ترامب ومسؤولون جمهوريون خطاباً أثار اتهامات بالتحريض على الإسلاموفوبيا خلال الحملة.
عبد السيد يهاجم تمويل إسرائيل
كان موقف عبد السيد من السياسة الأميركية تجاه إسرائيل من أبرز محاور حملته الانتخابية، إذ انتقد استمرار الدعم العسكري الأميركي لإسرائيل، ودعا إلى وقف استخدام أموال دافعي الضرائب في تمويل الحرب على غزة. وخلال خطاب النصر، قال إنه لا يريد أن تُستخدم أموال الأميركيين في تمويل ما وصفه بالفصل العنصري أو حرب الإبادة، مؤكداً أن الأولوية يجب أن تكون لتلبية احتياجات السكان داخل الولايات المتحدة.
كما وجّه انتقاداً إلى لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية «أيباك» وجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، التي شاركت في تمويل حملات إعلانية لمعارضة ترشحه خلال الانتخابات التمهيدية. وقال مخاطباً «أيباك»: «إلى أيباك التي أنفقت 42 مليون دولار ضدنا: شكراً لأنكم منحتموني فرصة هزيمتكم مرتين». وأضاف أن الدفاع عن حق الأطفال الفلسطينيين في الحياة على أرض أجدادهم، بعيداً عن القتل بأموال الضرائب الأميركية، لا يعني الكراهية، بل يرتبط بالمطالبة بالمساواة والحقوق والكرامة وتقرير المصير.
وتشير بيانات الإنفاق الانتخابي التي نقلتها وسائل إعلام إلى أن الذراع الانتخابية لـ«أيباك»، المعروفة باسم «مشروع الديمقراطية المتحدة»، أنفقت نحو 30.6 مليون دولار في الانتخابات التمهيدية لمعارضة عبد السيد ودعم منافسته الديمقراطية هايلي ستيفنز. أما مبلغ 42 مليون دولار، فهو الرقم الذي أورده السيد في خطابه، ولا ينبغي الخلط بينه وبين الإنفاق الموثق لهذه اللجنة وحدها.
معركة انتخابية هزّت الحزب الديمقراطي
بدأ صعود عبد السيد نحو مجلس الشيوخ يلفت الانتباه خلال الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في أغسطس 2026، عندما تمكن من هزيمة النائبة هايلي ستيفنز، التي حظيت بدعم شخصيات ومؤسسات بارزة في الحزب، إلى جانب جماعات ضغط مؤيدة لإسرائيل.
وشهدت تلك الانتخابات إنفاقاً ضخماً من مجموعات خارجية، إذ تجاوز إجمالي الإنفاق المستقل 60 مليون دولار وفق تقديرات وتقارير استندت إلى بيانات تمويل الحملات. وكان «مشروع الديمقراطية المتحدة»، المرتبط بـ«أيباك»، من أبرز الجهات التي أنفقت أموالاً لدعم ستيفنز ومواجهة السيد.
وحظي السيد بدعم شخصيات تقدمية بارزة، من بينها السيناتور بيرني ساندرز والنائبة ألكساندريا أوكاسيو كورتيز، كما شكلت حملته اختباراً لقدرة التيار التقدمي على الفوز في ولاية متأرجحة مثل ميشيغان. وفي المقابل، أثارت حملته نقاشاً داخل الحزب الديمقراطي بشأن العلاقة مع إسرائيل، وحدود تأثير جماعات الضغط والتمويل الخارجي في اختيار المرشحين، فضلاً عن قدرة المرشحين ذوي المواقف التقدمية على استقطاب شرائح انتخابية متنوعة.
من هو عبد السيد؟
يبلغ عبد الرحمن السيد 42 عاماً، وهو أميركي من أصول مصرية نشأ في ولاية ميشيغان. ودرس في جامعة ميشيغان، قبل أن يحصل على شهادة الطب من جامعة كولومبيا، ثم يتولى مناصب في مجال الصحة العامة، من بينها إدارة الصحة العامة في مدينة ديترويت ومقاطعة وين.
ولم تكن انتخابات مجلس الشيوخ أول تجربة سياسية له؛ ففي عام 2018 خاض سباقاً للحصول على ترشيح الحزب الديمقراطي لمنصب حاكم ميشيغان، لكنه لم ينجح في الوصول إلى الترشح النهائي.
وخلال السنوات التالية، بنى السيد حضوراً سياسياً حول قضايا الرعاية الصحية والعدالة الاقتصادية، ودافع عن توسيع التغطية الصحية العامة من خلال برنامج «الرعاية الصحية للجميع»، الذي يدعو إلى نظام صحي شامل تموله الحكومة.
كما جعل من الحد من نفوذ الشركات وجماعات الضغط في السياسة الأميركية أحد المحاور الأساسية لخطابه، متعهداً بالعمل على تقليص تأثير الأموال الكبيرة في الانتخابات والقرارات التشريعية.
حملة ترفع شعار مواجهة نفوذ المال السياسي
أكد عبد السيد خلال حملته أنه لا يقبل تبرعات من لجان العمل السياسي التابعة للشركات، وجعل من مكافحة نفوذ المال في الانتخابات جزءاً أساسياً من برنامجه. لكن حملته لم تجرِ في غياب التمويل الخارجي؛ إذ شاركت مجموعات سياسية مستقلة في الإنفاق لدعمه، كما أن مجموعات أخرى أنفقت مبالغ كبيرة لمعارضته. ويقتضي التمييز هنا بين التبرعات التي تتلقاها الحملة مباشرة والإنفاق المستقل الذي تقوم به لجان سياسية خارجها، إذ تخضع هذه المسارات لقواعد قانونية مختلفة.
وسعى السيد إلى توسيع دائرة مؤيديه عبر الظهور في البرامج التلفزيونية والبودكاست ومنصات التواصل الاجتماعي، مستهدفاً الناخبين الشباب وأصحاب الدخول المحدودة والشرائح التي تشعر بالاستياء من نفوذ الشركات وارتفاع تكاليف المعيشة.
هجمات جمهورية واتهامات بالإسلاموفوبيا
واجه عبد السيد خلال الحملة هجمات سياسية وإعلامية ركز بعضها على هويته الدينية وأصوله المصرية، إلى جانب مواقفه من إسرائيل والسياسة الخارجية الأميركية.
وكان ترامب قد هاجمه مراراً، مستخدماً أوصافاً سياسية ودينية مثيرة للجدل، كما شكك جمهوريون في ولائه للولايات المتحدة وأثاروا مزاعم عن صلات له بجماعة الإخوان المسلمين، من دون تقديم أدلة معروفة تثبت هذه الاتهامات.
ورفض السيد تلك الهجمات، معتبراً أن التركيز على اسمه ودينه يعكس عجز خصومه عن مناقشة القضايا التي تهم الناخبين، مثل ارتفاع الأسعار وتكاليف الرعاية الصحية والوقود. وقال في رد سابق على الانتقادات: «اسمي لا يرفع أسعار الوقود. اسمي لا يأخذنا إلى الحرب. اسمي ليس السبب في عجزكم عن شراء البقالة».
وأثارت هذه الهجمات نقاشاً حول استخدام الهوية الدينية في المنافسة السياسية الأميركية، خصوصاً أن فوز السيد يجعله أول مسلم يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ، بعد سنوات من حضور سياسيين مسلمين في مجلس النواب ومؤسسات محلية أخرى.
لا يقتصر البعد التاريخي لفوز عبد السيد على وصول أول مسلم إلى مجلس الشيوخ الأميركي، بل يمتد إلى طبيعة الحملة التي خاضها، والتي جمعت بين المطالبة بتوسيع الرعاية الصحية، ومواجهة نفوذ المال السياسي، وانتقاد الدعم العسكري الأميركي لإسرائيل. كما يمثل فوزه اختباراً جديداً للتيار التقدمي داخل الحزب الديمقراطي، في وقت تتواصل فيه الخلافات بشأن توجهات الحزب وعلاقته بالناخبين الشباب والمجتمعات المهاجرة والشرائح المتضررة من ارتفاع تكاليف المعيشة.
ومن المقرر أن يتولى السيد مقعده في يناير 2027، خلفاً للسيناتور الديمقراطي المنتهية ولايته غاري بيترز. ومع انتقاله إلى المؤسسة التشريعية الاتحادية، ستتجه الأنظار إلى مدى قدرته على تحويل وعود حملته إلى مواقف ومبادرات تشريعية داخل مجلس الشيوخ، خصوصاً في ملفات الرعاية الصحية والتمويل الانتخابي والسياسة الأميركية تجاه إسرائيل.
اقرأ المزيد
اختبار كشف الكذب يلاحق ترامب.. عبد الرحمن السيد يفتح ملف إبستين وانتخابات 2020
لماذا قد يرى ترامب في فوز عبد الرحمن السيد بميشيغان مكسباً سياسياً؟
عبد الرحمن السيد يهزم مرشحة “أيباك” رغم 30 مليون دولار.. هل بدأ نفوذ المال السياسي يتراجع في أمريكا؟

