وطن-في ليلة انتخابية ثقيلة على البيت الأبيض، تلقى الرئيس الأميركي دونالد ترامب واحدة من أقسى الضربات السياسية خلال ولايته، بعدما انتزع الديمقراطيون السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ في انتخابات التجديد النصفي لعام 2026، محققين انتصارات بارزة في ولايات ظلت لسنوات طويلة محسوبة على المعاقل الجمهورية.
ولم تقتصر دلالة النتائج على انتقال الأغلبية في الكونغرس إلى الحزب الديمقراطي، بل امتدت إلى سقوط عدد من المرشحين الذين حظوا بدعم مباشر من ترامب، في سباقات تحولت إلى اختبار لشعبيته ونفوذه داخل الحزب الجمهوري، خصوصاً في ولايات مثل تكساس وساوث كارولاينا وكانساس.
وبحسب ما أوردته صحيفة «إيه بي سي» الإسبانية، تابع ترامب تطورات فرز الأصوات من داخل البيت الأبيض حتى ساعات متأخرة من الليل، وسط أجواء اتسمت بالقلق مع توالي النتائج غير المواتية للجمهوريين. وأشارت الصحيفة إلى أن الرئيس لم يظهر أمام الصحفيين، ولم يلق خطاباً للتعليق على النتائج أو الاعتراف بحجم الخسارة.
سقوط مرشحين دعمهم ترامب شخصياً
كانت خسارة عدد من المرشحين المدعومين من ترامب من أبرز ملامح الليلة الانتخابية. ففي تكساس، فاز الديمقراطي جيمس تالاريكو على الجمهوري كين باكستون في سباق مجلس الشيوخ، في نتيجة حملت أهمية خاصة بالنظر إلى المكانة الجمهورية التقليدية للولاية. وفي أوهايو، خسر الجمهوري فيفيك راماسوامي سباق حاكم الولاية أمام الديمقراطية إيمي أكتون، بعدما تحولت حملته إلى محور جدل سياسي وإعلامي، خصوصاً بسبب إعلان انتخابي استخدم والدة أكتون المنفصلة عنها منذ سنوات لمهاجمتها والتشكيك في روايتها عن طفولتها.
وامتدت الاختراقات الديمقراطية إلى ساوث كارولاينا، حيث فازت آني أندروز بمقعد مجلس الشيوخ على حساب الجمهورية دارلين غراهام، في انتصار وصفته وسائل إعلام أميركية بالمفاجأة بالنظر إلى الثقل الجمهوري للولاية. كما فاز الديمقراطي روي كوبر بمقعد مجلس الشيوخ في نورث كارولاينا، وانتزع الحزب مقعداً في كانساس، في أول فوز ديمقراطي بمقعد في مجلس الشيوخ عن الولاية منذ عام 1932. وتعكس هذه النتائج اتساع نطاق الخسائر الجمهورية، إذ لم تقتصر على دوائر انتخابية متأرجحة، بل شملت ولايات كان الحزب يعدّها جزءاً من قاعدته الانتخابية التقليدية.
تكساس.. خسارة انتخابية ورسائل داخل الحزب الجمهوري
شكّل فوز جيمس تالاريكو على كين باكستون إحدى أبرز مفاجآت انتخابات مجلس الشيوخ. فقد تمكن الديمقراطيون من قلب المعادلة في ولاية ذات وزن انتخابي كبير، بعدما ظل الحزب الجمهوري مسيطراً على السباق الانتخابي فيها لسنوات طويلة.
وكان باكستون قد دخل المنافسة وسط جدل سياسي وقضائي وشخصي رافق مسيرته، فيما لم تنجح مساندة ترامب ونائبه جي دي فانس في تأمين فوزه. ولم تتوقف الخسائر الديمقراطية عند مقعد مجلس الشيوخ، إذ شهدت الولاية أيضاً فوز الديمقراطية جينا إينوهوسا بمنصب الحاكم، بعد تغلبها على الجمهوري غريغ أبوت.
وأعادت هذه النتائج فتح النقاش بشأن قدرة الجمهوريين على الحفاظ على نفوذهم في تكساس، كما طرحت تساؤلات حول مدى تأثير دعم ترامب للمرشحين في الولايات التي حقق فيها الجمهوريون انتصارات مريحة خلال الانتخابات الرئاسية لعام 2024.
أوهايو.. راماسوامي يخسر أمام أكتون بعد جدل انتخابي
في أوهايو، لم يتمكن فيفيك راماسوامي، أحد أبرز الشخصيات المرتبطة بترامب، من الفوز بمنصب حاكم الولاية، بعدما تغلبت عليه الديمقراطية إيمي أكتون. وشهدت الحملة جدلاً واسعاً بسبب إعلان انتخابي استخدم والدة أكتون، التي كانت بعيدة عنها منذ عقود، لمهاجمتها علناً واتهامها بالكذب، ودعوة الناخبين إلى عدم التصويت لها. وأثار الإعلان انتقادات حتى داخل أوساط جمهورية، وفق تقارير إعلامية أميركية، بسبب طبيعة الاتهامات والظروف العائلية التي استند إليها. وتمكنت أكتون من تجاوز الجدل والفوز بالسباق، لتصبح أول امرأة تتولى منصب حاكم ولاية أوهايو، في نتيجة أضافت إلى المكاسب الديمقراطية في الانتخابات المحلية وعلى مستوى الولايات.
ترامب ينأى بنفسه عن الهزيمة
رغم تدخله المباشر في دعم مرشحين جمهوريين وخوضه حملة انتخابية مكثفة لمساندتهم، لم يُظهر ترامب استعداداً لتحمل المسؤولية السياسية عن الخسارة. وبحسب صحيفة «إيه بي سي»، لجأ الرئيس إلى منصته «تروث سوشيال» للتعليق على النتائج، وكتب: «لم أكن أنا على بطاقة الاقتراع، ولو كنت موجوداً عليها لفزنا بأغلبية ساحقة. شكراً لاهتمامكم بهذا الأمر».
وبدا هذا التصريح متناقضاً مع الخطاب الذي تبناه ترامب خلال الحملة، حين دعا الأميركيين إلى التصويت كما لو أن اسمه موجود على بطاقات الاقتراع، محولاً انتخابات التجديد النصفي إلى اختبار مباشر لقيادته وبرنامجه السياسي. وتشير هذه المفارقة إلى محاولة الرئيس الفصل بين أدائه السياسي ونتائج المرشحين الذين دعمهم، رغم أن حضوره المكثف في الحملة جعل من الصعب التعامل مع الخسائر باعتبارها إخفاقات محلية منفصلة.
انتصارات الديمقراطيين تفتح باب الخلافات الجمهورية
لم تقتصر تداعيات النتائج على انتقال السيطرة على الكونغرس، بل امتدت إلى داخل الحزب الجمهوري، حيث بدأت الانتقادات تتصاعد بشأن أسباب الخسارة ومسؤولية القيادات السياسية عنها. وفي تكساس، وجّه ترامب انتقادات إلى الحاكم الجمهوري الخاسر غريغ أبوت عبر منصته الاجتماعية، قائلاً إنه «في الأشهر الستة الأخيرة من حياته السياسية تحول إلى جمهوري بالاسم فقط».
ويكشف هذا التصعيد عن احتمال انتقال الحزب إلى مرحلة من تبادل الاتهامات بشأن إدارة الحملة واختيار المرشحين، خصوصاً أن بعض الخاسرين كانوا يحظون بدعم واضح من الرئيس، الذي جعل من تأييدهم جزءاً أساسياً من تحركاته الانتخابية.
الكونغرس الديمقراطي يضع إدارة ترامب أمام مرحلة صعبة
تمنح السيطرة الديمقراطية على مجلس النواب الحزب أدوات رقابية وتشريعية مهمة، تشمل رئاسة اللجان البرلمانية، وطلب الوثائق، واستدعاء المسؤولين، وفتح تحقيقات بشأن أداء الإدارة الفيدرالية والملفات المرتبطة بالرئيس وعائلته. أما في مجلس الشيوخ، فتتيح الأغلبية الجديدة للديمقراطيين التأثير في مسار التشريعات والتعيينات، وتعطيل عدد من المبادرات التي تحتاج إلى موافقة المجلس، وإن كانت بعض القرارات والإجراءات تتطلب أغلبية معززة لا يضمنها الفوز الانتخابي وحده.
وفي مواجهة هذا الواقع، لوّح ترامب باستخدام حق النقض الرئاسي ضد مشاريع القوانين التي قد يمررها الكونغرس الجديد، في إشارة إلى أن المرحلة المقبلة مرشحة لمواجهات متكررة بين البيت الأبيض والسلطة التشريعية. ومن المنتظر أن يشكل ملف الرقابة على الإدارة الأميركية أحد أبرز ميادين الصراع السياسي خلال العامين المقبلين، مع استعداد الديمقراطيين لاستخدام صلاحياتهم البرلمانية في التحقيق ومساءلة المسؤولين.
الاقتصاد والحرب يضعفان خطاب «العصر الذهبي»
وأشارت صحيفة «إيه بي سي» إلى أن ترامب خاض حملة انتخابية مكثفة خلال الأسابيع الأخيرة، متنقلاً بين ولايات أميركية عدة، في محاولة لحشد الناخبين وإقناعهم بمواصلة دعم برنامجه السياسي. لكن الخطاب الذي ركز على ما وصفه الرئيس بـ«العصر الذهبي الجديد»، والاستثمارات الضخمة والازدهار الاقتصادي واستعادة النفوذ الأميركي، لم ينجح في إبعاد اهتمام الناخبين عن القضايا التي تمس حياتهم اليومية.
فقد ظلت أسعار الغذاء وتكاليف السكن والوقود وفواتير المنازل من أبرز الملفات التي شغلت قطاعات واسعة من الأميركيين، في وقت أثارت فيه الحرب مع إيران مخاوف إضافية بشأن الاقتصاد والاستقرار الإقليمي. وإلى جانب الضغوط المعيشية، تراكمت ملفات سياسية أثارت انقساماً واسعاً، من عمليات الترحيل والرسوم الجمركية والتوتر مع الحلفاء، إلى الأنشطة التجارية لعائلة الرئيس والجدل المحيط بوثائق جيفري إبستين، فضلاً عن تداعيات الحرب.
وبحسب الصحيفة الإسبانية، أظهرت النتائج أن القاعدة الانتخابية الأكثر ولاءً لترامب ظلت متماسكة إلى حد كبير، لكنها لم تكن كافية لضمان فوز المرشحين الجمهوريين في السباقات الحاسمة، أو لتوسيع دائرة التأييد بين الناخبين القلقين من الاقتصاد والسياسة الخارجية.
خطاب التصعيد لم يغيّر أولويات الناخبين
في الأيام الأخيرة من الحملة، صعّد ترامب هجماته على الديمقراطيين، واصفاً بعض مرشحيهم بأنهم من «أخطر المرشحين في تاريخ الولايات المتحدة»، كما استخدم اتهامات أيديولوجية حادة ضد خصومه، وخصّ عبد السيد بهجمات خلال تحركاته في ميشيغان. غير أن هذا الخطاب لم ينجح، وفق قراءة الصحيفة، في تحويل النقاش الانتخابي بعيداً عن القضايا الاقتصادية. فقد بقيت تكلفة المعيشة في صدارة اهتمامات الناخبين، متقدمة على المواجهة الأيديولوجية التي حاول الرئيس جعلها محور الحملة.
وتلفت «إيه بي سي» إلى أن ترامب شارك عشية الانتخابات في فعالية بواشنطن خُصصت لأعمال تجديد البركة العاكسة عند نصب لنكولن التذكاري، وتحدث عن التحسينات العمرانية والطلاء الأزرق الداكن الجديد، في مشهد أراد من خلاله إبراز ما يراه إنجازات ضمن إرثه الرئاسي.
لكن نتائج الاقتراع جاءت لتكشف فجوة بين الرسائل التي حاول البيت الأبيض الترويج لها وبين أولويات قطاعات من الناخبين، الذين ركزوا على أوضاعهم المعيشية وتكاليف الحياة اليومية.
روبرت غارسيا يلوّح بتحقيقات في أعمال عائلة ترامب
في المقابل، بدأ الديمقراطيون التحضير لاستثمار فوزهم داخل الكونغرس. وأعلن النائب روبرت غارسيا، المتوقع أن يتولى رئاسة لجنة الرقابة في مجلس النواب، أن اللجنة ستعمل على فتح تحقيقات تتعلق بأعمال عائلة ترامب، والفساد المحتمل داخل الشركات، وتصرفات وزارة الأمن الداخلي وجهاز الهجرة والجمارك.
كما أشار إلى ملفات مرتبطة بوثائق جيفري إبستين، وما وصفه باحتمال وجود تستر بشأنها، في إشارة إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد توسيع نطاق الرقابة البرلمانية على الإدارة. وختم غارسيا رسالته بعبارة حادة وجّهها إلى خصومه: «ابحث عن محامٍ»، في تعبير عن استعداد الديمقراطيين لفتح ملفات قد تضع البيت الأبيض أمام ضغوط سياسية وقانونية متواصلة.
البيت الأبيض يتجنب الظهور العلني بعد الهزيمة
وعكس جدول أعمال ترامب الرسمي في اليوم التالي للانتخابات، الأربعاء 4 نوفمبر، غياب أي نشاط إعلامي مفتوح، وفق ما أوردته الصحيفة الإسبانية. فقد تضمن البرنامج جلسة عمل خاصة في الثامنة صباحاً، تلتها اجتماعات مغلقة بشأن سياسات الحكومة خلال ساعات اليوم، من دون إدراج مؤتمر صحفي أو إطلالة عامة للرئيس.
وهكذا، دخل ترامب انتخابات التجديد النصفي وهو يدعو الأميركيين إلى التصويت كما لو أنه المرشح نفسه، ويعدهم بمرحلة من الازدهار والقوة. لكنه خرج منها أمام واقع سياسي مختلف: أغلبية ديمقراطية في مجلسي الكونغرس، وخسائر في ولايات جمهورية بارزة، واحتمال عامين من التحقيقات والمواجهات التشريعية التي قد تعرقل أجندته داخل واشنطن.
اقرأ المزيد
ترامب يقرّ بتأثير حرب إيران على خسائر الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي
الرئيس الأسبق في قلب حملة 2026.. أوباما يراهن على الشباب والناخبين السود لمواجهة ترامب
انتخابات التجديد النصفي الأمريكية 2026.. ترامب أمام استفتاء سياسي قد يقلب موازين الكونغرس
ديمقراطي بارز يتوعد بفتح ملفات عائلة ترامب.. استثمارات إماراتية وصفقات عملات مشفرة تحت المجهر

