وطن-تتجه الولايات المتحدة، الثلاثاء 3 نوفمبر 2026، إلى انتخابات التجديد النصفي في أجواء سياسية مشحونة، تحولت معها هذه الاستحقاقات إلى اختبار مباشر لشعبية الرئيس دونالد ترامب وسياساته، رغم أن اسمه لن يظهر على بطاقات الاقتراع. ويصوّت الأميركيون لاختيار جميع أعضاء مجلس النواب، و35 عضواً من أصل 100 في مجلس الشيوخ، إلى جانب عدد كبير من المناصب على مستوى الولايات، من بينها 36 منصباً لحاكم ولاية.
وقالت صحيفة «إل إندبندينتي» الإسبانية إن ترامب خاض الحملة الانتخابية كما لو كان المرشح الرئيسي، إدراكاً منه أن نتائجها ستحدد هامش تحركه خلال ما تبقى من ولايته، خصوصاً مع تراجع مستويات الرضا عن أدائه واحتدام المنافسة على السيطرة على مجلس النواب، واحتمال تغير موازين القوى في مجلس الشيوخ أيضاً.
وبحسب الصحيفة، تمنح استطلاعات الرأي الديمقراطيين فرصة لاستعادة الأغلبية في مجلس النواب، بينما تبدو معركة مجلس الشيوخ أكثر تعقيداً. ويأتي ذلك وسط استياء شعبي من إدارة ترامب للاقتصاد وارتفاع تكاليف المعيشة، ولا سيما أسعار الوقود.
ترامب يخوض الحملة كأن اسمه على ورقة الاقتراع
لم يكتفِ ترامب بدعم المرشحين الجمهوريين، بل شارك مباشرة في الحملة الانتخابية، متنقلاً بين ولايات ومدن لا تحظى عادة باهتمام وطني واسع. وظهر في واسّيلا بولاية ألاسكا، وبولهيد سيتي في أريزونا، وكاليسبيل في مونتانا، قبل أن يختتم جولاته في آيوا وكانساس، حيث تدور منافسات مهمة على مقاعد مجلس الشيوخ.
وذكرت «إل إندبندينتي» أن ترامب كرر خلال تجمعاته الانتخابية عبارة: «تصرفوا كما لو أن اسمي موجود على بطاقات الاقتراع»، في محاولة لحشد قاعدته الانتخابية ودفع أنصاره إلى المشاركة بكثافة. لكن هذا الحضور المكثف أثار قلق بعض الجمهوريين، الذين يخشون أن يتحول ارتباط المرشحين بترامب إلى عبء انتخابي، خصوصاً في الولايات التي يواجه فيها الحزب منافسة متزايدة.
وامتدت صعوبة المنافسة إلى ولايات محافظة تقليدياً. ففي كانساس، التي لم تنتخب سيناتوراً ديمقراطياً منذ عام 1932، وتكساس التي لم تفعل ذلك منذ عام 1988، يخوض الجمهوريون سباقات أكثر تعقيداً من المعتاد.
ونقلت الصحيفة عن كين باكستون، المدعي العام في تكساس والموالي لترامب، قوله: «من يفوز بتكساس يفوز بالولايات المتحدة»، في إشارة إلى أهمية المواجهة مع المرشح الديمقراطي جيمس تالاريكو، وهو رجل دين مشيخي سابق.
أسعار الوقود تتحول إلى اختبار لشعبية ترامب
يمثل الاقتصاد اليومي للأميركيين إحدى أبرز نقاط الضعف التي تواجه ترامب في هذه الانتخابات. وبحسب ما أوردته الصحيفة، تظهر استطلاعات الرأي أن نحو 70% من الأميركيين يعتقدون أن الرئيس لا يهتم بمشكلاتهم الحقيقية، في وقت ينشغل فيه بمشروعات رمزية مرتبطة بإرثه السياسي، إلى جانب حديثه المتكرر عن رغبته في الفوز بجائزة نوبل للسلام.
ويرى خوان لويس مانفريدي، أستاذ الصحافة والدراسات الدولية في جامعة كاستيا لا مانتشا، والأستاذ السابق لكرسي أمير أستورياس في جامعة جورجتاون بين عامي 2021 و2024، أن الانتخابات تحولت إلى تصويت على ترامب نفسه.
وقال للصحيفة إن الأميركيين باتوا أمام فرصة للتعبير عن موقفهم من سياساته، مضيفاً أن الرئيس ينفذ ما تعهد به، لكن قراراته تترك آثاراً مباشرة على حياة المواطنين، بدءاً من أسعار النفط وصولاً إلى التوترات الاجتماعية.
ويبرز ملف البنزين باعتباره أحد العوامل المؤثرة في خيارات الناخبين. وأوضح مانفريدي أن «الناس سيصوتون عند مضخة الوقود»، مشيراً إلى وصول سعر الغالون إلى 4.5 دولارات، وهو مستوى وصفه بأنه مرتفع بصورة غير متناسبة، خصوصاً أنه يقترب من ضعف مستواه قبل أربع سنوات.
وأضاف أن القدرة على تحمل تكاليف المعيشة أصبحت القضية المحورية في الخطاب الديمقراطي، لأن الأميركيين يعتمدون بدرجة كبيرة على السيارات في تنقلاتهم اليومية، ما يجعل أي زيادة في أسعار الوقود محسوسة بصورة مباشرة.
وفي السياق نفسه، اشتكى توم تيفاني، المرشح الجمهوري لمنصب حاكم ولاية ويسكونسن والمؤيد لترامب، من تركيز خصومه على الرئيس وحركة «ماغا»، قائلاً: «منافسوي لا يتوقفون عن الحديث عن ترامب، وعن ماغا، وعن كل ذلك».
أوباما يدخل الحملة بخطاب هجومي
في المقابل، صعّد الديمقراطيون خطابهم الانتخابي، مع دخول الرئيس الأسبق باراك أوباما على خط الحملة بتصريحات حادة ضد إدارة ترامب. وقال أوباما في أحد التجمعات الانتخابية: «بعد عامين من الفوضى والقسوة والفساد وعدم الكفاءة على نطاق غير مسبوق في التاريخ المعاصر، لديكم فرصة لتقولوا: كفى».
وذكرت «إل إندبندينتي» أن قرار ترامب قصف إيران في وقت سابق من العام ساهم في تغيير المزاج السياسي لدى قطاعات من الناخبين، بمن فيهم بعض الجمهوريين. ونقلت الصحيفة عن جمهوري تحدث إلى موقع «بوليتيكو» قوله: «كانت هناك لحظة في بداية العام اعتقدت فيها أننا نستطيع تحدي التاريخ. ثم قصف ترامب إيران».
ورغم محاولات الرئيس الأميركي نفي وجود صلة بين تدخله العسكري في إيران وارتفاع أسعار البنزين، ترى الصحيفة أن اضطرابات الشرق الأوسط وأسواق الطاقة أصبحت حاضرة في حسابات الناخبين، حتى في المناطق الريفية.
انتخابات التجديد النصفي.. تقليد تاريخي يضغط على حزب الرئيس
تاريخياً، تشكل انتخابات التجديد النصفي اختباراً صعباً للحزب الذي يسيطر على البيت الأبيض. فمنذ عام 1945، صوّت الناخبون في 16 من أصل 20 انتخابات تجديد نصفي ضد حزب الرئيس، بدرجات متفاوتة من الخسارة السياسية.
وقال خوسيه أنطونيو غوربيغي، مدير معهد فرانكلين في جامعة ألكالا، لصحيفة «إل إندبندينتي» إن انتقال السيطرة على إحدى غرفتي الكونغرس أو كلتيهما ليس أمراً استثنائياً في السياسة الأميركية، مشيراً إلى أن رؤساء سابقين، من بينهم أوباما وكلينتون وبوش، واجهوا تغيرات مماثلة في موازين القوى التشريعية. لكنه رأى أن الحالة السياسية في عهد ترامب تحمل أبعاداً مختلفة، بسبب طبيعة العلاقة المتوترة بين الرئيس وخصومه، وصعوبة التوصل إلى تفاهمات داخل الكونغرس.
وأوضح غوربيغي أن هذه المعادلة قد تؤثر مباشرة على قدرة ترامب على تنفيذ سياساته، لأن الكونغرس يملك صلاحيات أساسية في إقرار الموازنة وتحديد الإنفاق، بما في ذلك الأموال المخصصة للسياسات الخارجية والعمليات العسكرية.
مجلس النواب.. الديمقراطيون يحتاجون إلى ثلاثة مقاعد
في مجلس النواب، تبدو المنافسة على الأغلبية من أبرز معارك الانتخابات. وبحسب تقرير «كوك بوليتيكال ريبورت» غير الحزبي، الذي نقلته صحيفة «واشنطن بوست»، اتسعت خلال الأسبوع الأخير خريطة الدوائر الانتخابية المتنافس عليها، مع تحرك عدد منها باتجاه الديمقراطيين.
ويحتاج الديمقراطيون إلى تحقيق مكسب صافٍ لا يقل عن 3 مقاعد للسيطرة على المجلس. ووفق الأرقام الواردة في التقرير، يمتلك الجمهوريون 219 مقعداً، بينها مقعد يشغله مستقل يصوت معهم، مقابل 214 مقعداً للديمقراطيين، مع وجود مقعدين شاغرين.
وأضافت «إل إندبندينتي» أن الجمهوريين باتوا مضطرين للدفاع عن دوائر كانت تعد آمنة للحزب، في ولايات مثل إنديانا ونيفادا وتكساس، وهو ما يعكس اتساع نطاق المنافسة الانتخابية.
مجلس الشيوخ.. سباقات متقاربة في ولايات حاسمة
أما مجلس الشيوخ، فتبدو معركته أكثر تعقيداً. ويملك الديمقراطيون 45 مقعداً، إضافة إلى عضوين مستقلين يصوتان معهم عادة، فيما يحتاجون إلى الاحتفاظ بمقاعدهم وانتزاع 4 مقاعد على الأقل من الجمهوريين للوصول إلى الأغلبية.
وبحسب استطلاعات «نيويورك تايمز» بالتعاون مع جامعة سيينا قبل الانتخابات، يتقدم المرشحون الديمقراطيون في عدد من الولايات الرئيسية التي يشغل الجمهوريون مقاعدها حالياً، وهي كانساس ومين وأوهايو وتكساس وألاسكا، بينما تبدو المنافسة في آيوا متقاربة للغاية.
ولم تشمل هذه السلسلة من الاستطلاعات ولاية كارولاينا الشمالية، حيث يتقدم المرشح الديمقراطي، وفق ما أوردته الصحيفة، في وقت خفّض فيه الجمهوريون إنفاقهم الانتخابي هناك.
وفي ميشيغان، التي تعد من الولايات الحاسمة في سباق مجلس الشيوخ، أظهر استطلاع «نيويورك تايمز/سيينا» تقدم المرشح الديمقراطي عبد السيد بفارق كبير. لكن السباق شهد تطوراً سياسياً بعدما أعلنت الديمقراطية هايلي ستيفنز، التي خسرت الانتخابات التمهيدية أمامه، دعمها للمرشح الجمهوري مايك روجرز.
وبررت ستيفنز موقفها بأن عبد السيد بدا، بحسب رأيها، وكأنه يربط التضخم بسياسات إسرائيل. ورأت «إل إندبندينتي» أن هذا الخلاف يعكس صراعاً داخل الحزب الديمقراطي بين الجناح التقدمي والتيار الأكثر اعتدالاً.
وأظهرت استطلاعات الولايات السبع الرئيسية أن نسبة الرضا عن أداء ترامب لم تتجاوز 38% بين الناخبين المحتملين، وفق الأرقام التي أوردتها الصحيفة، في مؤشر على حجم التحديات التي تواجه الجمهوريين في هذه الانتخابات.
ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الكونغرس
تضع انتخابات التجديد النصفي ثلاثة سيناريوهات رئيسية أمام المشهد السياسي الأميركي: استعادة الديمقراطيين الأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ، أو سيطرتهم على مجلس النواب وحده، أو احتفاظ الجمهوريين بالغرفتين.
ويرى خوان لويس مانفريدي أن سيطرة الديمقراطيين على المجلسين قد تدفع ترامب إلى الاعتماد بصورة أكبر على الأوامر التنفيذية، في ظل صعوبة تمرير أجندته التشريعية.
وقال إن ذلك قد يشكل تحدياً كبيراً للرئيس، لأنه سيحد من قدرته على تنفيذ مشروعاته عبر الكونغرس، ويقلص هامش المناورة الذي يتمتع به حالياً.
وبحسب ما أوردته وكالة «رويترز»، يستعد ترامب لاحتمال مواجهة كونغرس تسيطر عليه المعارضة، بعدما تحدث عن استخدام حق النقض ضد مشروعات القوانين التي قد يقرها المجلسان.
وقال ترامب في مقابلة مع صحيفة «نيويورك بوست» خلال عطلة نهاية الأسبوع: «لمدة شهر أو شهرين سأستخدم الفيتو ضد كل شيء»، قبل أن يضيف: «وبعد ذلك، على الأرجح، سأبدأ التفاوض».
أما السيناريو الذي يتوقعه مانفريدي فهو استعادة الديمقراطيين مجلس النواب دون مجلس الشيوخ. وفي هذه الحالة، سيحصلون على نفوذ مهم في ملفات الموازنة والإنفاق والدين العام، بينما يحتفظ الجمهوريون بتأثير واسع داخل مجلس الشيوخ.
وفي حال تعادل الأصوات داخل المجلس، يكون لنائب الرئيس جي دي فانس صوت مرجح، وفقاً للقواعد الدستورية المنظمة لعمل مجلس الشيوخ.
أما احتفاظ الجمهوريين بالسيطرة على الغرفتين، فسيمنح ترامب دعماً سياسياً لمواصلة تنفيذ أجندته، ويعزز موقفه داخل الحزب.
انتخابات 2026 ترسم ملامح سباق الرئاسة في 2028
لا تقتصر تداعيات الانتخابات على مستقبل الكونغرس، بل تمتد إلى التنافس داخل الحزب الجمهوري استعداداً للانتخابات الرئاسية المقررة عام 2028.
فنتائج إيجابية للجمهوريين قد تعزز موقع نائب الرئيس جي دي فانس داخل الحزب، بينما قد تفتح النتائج السلبية الباب أمام صعود أسماء أخرى، من بينها وزير الخارجية ماركو روبيو، في النقاشات المتعلقة بالمرشح الجمهوري المقبل.
وتشير الصحيفة الإسبانية إلى أن نتائج الانتخابات ستؤثر في موازين القوى داخل الحزب، بين التيار الترامبي الأكثر تشدداً والأصوات التي قد تدفع باتجاه تقديم شخصية أكثر قبولاً لدى الناخبين المستقلين والمعتدلين.
هل يقبل ترامب بنتائج الانتخابات إذا خسر؟
يبقى احتمال رد فعل ترامب على خسارة الجمهوريين أحد الملفات التي تحظى بمتابعة واسعة. فالتجارب السابقة، ولا سيما أحداث اقتحام مبنى الكونغرس في 6 يناير 2021، جعلت مسألة احترام النتائج الانتخابية موضع اهتمام سياسي وأمني.
ولا يمنح الدستور الأميركي الرئيس دوراً مباشراً في التصديق على نتائج الانتخابات، لكن المخاوف تتعلق بإمكانية التشكيك في عمليات الفرز أو التحريض على احتجاجات سياسية في حال جاءت النتائج غير مواتية لحزبه.
ومع ذلك، استبعد مانفريدي تكرار أحداث 6 يناير بالحجم نفسه، قائلاً إن ترامب يختبر حدود النظام السياسي، لكنه لم يتمكن حتى الآن من كسره.
وأضاف أن الرئيس قد يتحدث عن مخالفات في بعض الولايات أو عن مشكلات في عمليات الفرز، لكنه لا يتوقع رد فعل عنيفاً واسع النطاق، معتبراً أن الظروف السياسية والاجتماعية الحالية لا تعني بالضرورة تكرار سيناريو عام 2021.
وفي المحصلة، تتجاوز انتخابات التجديد النصفي الأميركية لعام 2026 مجرد التنافس على مقاعد الكونغرس، لتصبح اختباراً لشعبية ترامب، ولقدرة الجمهوريين على تحمل كلفة سياساته الاقتصادية والخارجية، ولرهان الديمقراطيين على قضايا المعيشة والتضخم وأسعار الوقود.
وبين احتمالات تغير الأغلبية في مجلس النواب، والمنافسة الأكثر تعقيداً في مجلس الشيوخ، قد ترسم نتائج هذه الانتخابات حدود النفوذ السياسي لترامب خلال العامين المقبلين، وتؤثر في التوازنات داخل الحزبين قبل السباق الرئاسي لعام 2028.
اقرأ المزيد
ترامب وإيران يرسلان إشارات تهدئة قبل انتخابات التجديد النصفي وسط تحذيرات من تصعيد نووي
تقرير أمريكي يحذر من ترهيب الناخبين المسلمين قبل انتخابات التجديد النصفي.. وميشيغان في دائرة القلق
كريس ميرفي يحذر من خطة أمريكية «جنونية» لاستئناف الحرب على إيران بعد انتخابات التجديد النصفي

