وطن-دخل قرار حظر حركة «Palestine Action» في بريطانيا مرحلة قضائية حاسمة، مع بدء المحكمة العليا النظر في الطعن الذي تقدمت به هدى العموري، الشريكة المؤسسة للحركة، ضد تصنيفها منظمة إرهابية بموجب قانون مكافحة الإرهاب لعام 2000، في قضية تفتح نقاشاً واسعاً حول حدود الاحتجاج السياسي وحرية التعبير والتجمع.
وخلال جلسات الاستماع التي تستمر يومين، في 4 و5 نوفمبر 2026، استند محامو العموري إلى تاريخ حركات الاحتجاج المدني في بريطانيا، وفي مقدمتها حركة المطالبة بحق المرأة في التصويت «السافرجيت»، للدفاع عن أساليب التحرك المباشر التي استخدمتها «Palestine Action»، معتبرين أن التعامل معها بوصفها منظمة إرهابية يفرض قيوداً غير متناسبة على الحقوق والحريات.
المحامون: أقل من 1% من أنشطة الحركة يندرج ضمن تعريف الإرهاب
وفي اليوم الأول من المرافعات، قال المحامي رضا حسين، ممثل هدى العموري، إن 3 فقط من أصل 385 تحركاً نفذته الحركة خلال خمس سنوات يمكن أن تنطبق عليها، وفق تقديره، معايير تعريف الإرهاب في القانون البريطاني، أي أقل من 1% من إجمالي أنشطتها. وشدد حسين على أن الحركة لم تدعُ إلى ممارسة العنف ضد الأفراد أو منازلهم، وأن تقييم طبيعة أنشطتها ينبغي أن يستند إلى الوقائع والأفعال المحددة، لا إلى توصيف سياسي أو أمني شامل.
واستشهد فريق الدفاع بحركات السافرجيت، إلى جانب ناشطي مناهضة الحرب والبيئة وحقوق الحيوان، قائلاً إن هذه المجموعات استخدمت في مراحل مختلفة أساليب احتجاجية تضمنت اقتحامات وإلحاق أضرار بالممتلكات وأعمالاً أكثر حدة، من دون أن يؤدي ذلك إلى تصنيفها جماعات إرهابية أو حظرها بموجب قوانين مكافحة الإرهاب. كما تعود حركة السافرجيت إلى الحملات التي خاضتها نساء في بريطانيا للمطالبة بحق التصويت، واستخدمت بعض مجموعاتها أساليب تصعيدية، من بينها إشعال الحرائق والتفجيرات، وهو ما استند إليه الدفاع لتأكيد أن تاريخ الاحتجاج البريطاني لا يقتصر على المظاهرات السلمية وحدها.
الدفاع يحذر من «الأثر المخيف» على حرية التعبير
وركزت المرافعات كذلك على تداعيات حظر الحركة على حرية التعبير والتجمع والتضامن السياسي، إذ يرى فريق العموري أن إدراج «Palestine Action» ضمن قائمة المنظمات المحظورة قد يخلق أثراً رادعاً يتجاوز أعضاء الحركة أنفسهم، ليطال ناشطين ومواطنين يرغبون في التعبير عن مواقفهم بشأن القضية الفلسطينية.
ويقول الدفاع إن الحظر لا يقتصر تأثيره على منع أنشطة الحركة، بل قد يضع الأفراد أمام مخاطر قانونية بسبب إظهار الدعم لها، بما ينعكس على النقاش العام والحملات الاحتجاجية المرتبطة بفلسطين. كما أشار حسين إلى أن التعامل الأمني مع ناشطي الحركة، ولا سيما بعد واقعة فيلتون، مثّل نقطة تحول في طريقة تعامل السلطات معهم، بعدما أصبحوا يواجهون إجراءات مرتبطة بتصنيف الإرهاب بدلاً من التعامل معهم بوصفهم محتجين في قضايا سياسية.
الحكومة تتمسك بمبررات الحظر
في المقابل، تدافع الحكومة البريطانية عن قرار التصنيف، معتبرة أن أنشطة الحركة تجاوزت حدود الاحتجاج المباشر، وأن استهداف منشآت وشركات مرتبطة بقطاع الصناعات العسكرية، وما رافقه من أضرار مادية جسيمة، يبرر اللجوء إلى صلاحيات مكافحة الإرهاب. وتشير الحكومة إلى اقتحام منشأة تابعة لشركة «إلبيت سيستمز» قرب بريستول عام 2024، وما نتج عنه من أضرار قُدرت بنحو مليون جنيه إسترليني، فضلاً عن وقائع أخرى تقول إنها تضمنت أعمال عنف ومخاطر على أشخاص.
وكانت محكمة الاستئناف قد أيدت قرار الحظر في يونيو 2026، بعدما نقضت حكماً سابقاً للمحكمة العليا في فبراير من العام نفسه قضى بعدم قانونية القرار. واعتبرت محكمة الاستئناف أن وزيرة الداخلية طبقت سياستها بصورة صحيحة، وأن الحظر يشكل تدخلاً متناسباً في حقوق التعبير والتجمع. وسبق أن رفضت محكمة الاستئناف تشبيه الحركة بالسافرجيت، معتبرة أن هناك اختلافات جوهرية بين طبيعة المجموعتين وأنشطتهما. ومن ثم، تعود هذه الحجة إلى الواجهة أمام المحكمة العليا ضمن النقاش القانوني بشأن مدى تناسب قرار الحظر مع الحقوق التي تحميها الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان.
ما الذي ستفصل فيه المحكمة العليا؟
تستند القضية إلى طعن هدى العموري في قرار وزيرة الداخلية البريطانية حظر الحركة، الذي أُعلن في 23 يونيو 2025 ودخل حيز التنفيذ في 5 يوليو من العام نفسه، بعد موافقة مجلسي البرلمان. وكانت المحكمة الابتدائية قد أبطلت القرار في فبراير 2026، استناداً إلى ملاحظات تتعلق بتطبيق سياسة الحظر ومدى توافقه مع حقوق حرية التعبير والتجمع. لكن محكمة الاستئناف ألغت ذلك الحكم في يونيو، وأعادت تأكيد قانونية التصنيف.
ومنحت المحكمة العليا العموري الإذن بالطعن في مسألة واحدة تتعلق بمدى توافق الحظر مع المادتين 10 و11 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، اللتين تحميان حرية التعبير وحرية التجمع. أما الطعن المتعلق بتفسير سياسة وزيرة الداخلية وتطبيقها، فلم يُمنح الإذن بنظره. وتضم قائمة المتدخلين في القضية جهات من بينها منظمة العفو الدولية في بريطانيا، ومجلس الحريات المدنية، ومنظمات معنية بحرية الصحافة، إلى جانب جهات يهودية بريطانية، ما يعكس اتساع نطاق الجدل القانوني والحقوقي المحيط بالقضية.
25 اعتقالاً خارج المحكمة خلال اليوم الأول
وبالتزامن مع جلسات الاستماع، تجمع عشرات الناشطين أمام مبنى المحكمة العليا في لندن للتعبير عن رفضهم الحظر وإظهار التضامن مع الحركة. وقالت شرطة العاصمة البريطانية إنها أوقفت 25 شخصاً للاشتباه في إظهارهم الدعم لمنظمة محظورة، في إطار تطبيق قانون مكافحة الإرهاب. ومن بين الموقوفين الممثل ألفي إينوك، المعروف بمشاركته في سلسلة أفلام «هاري بوتر»، والموسيقي روبرت ديل ناجا، عضو فرقة «ماسيف أتاك»، وفق تقارير إعلامية.
ورفع بعض المحتجين لافتات استلهمت عبارة نشرتها الصحفية السابقة سارة هيلم، زوجة مستشار الأمن القومي البريطاني جوناثان باول، وانتقدت فيها حظر الحركة، قائلة: «ليساعدنا الله نحن الكتّاب الذين ندعم فلسطين وPalestine Action». وعدّل المحتجون العبارة لتشمل توصيفات مختلفة لهوياتهم ومهنهم، من بينها «يهودي» و«أخصائيو علاج طبيعي» و«ابن ناجٍ من الهولوكوست» و«بستانيون»، في محاولة لإظهار أن الاعتراض على الحظر لا يقتصر على فئة سياسية أو اجتماعية واحدة.
وتأتي هذه التحركات في وقت أثار فيه سحب كتب الكاتبة الأيرلندية سالي روني من البيع في بريطانيا، على خلفية دعمها للحركة، جدلاً إضافياً حول حدود التعبير والتضامن مع منظمة محظورة. وتتجاوز أهمية القضية مصير «Palestine Action» وحدها، إذ ستختبر المحكمة العليا مدى قدرة الحكومة على استخدام قوانين مكافحة الإرهاب في مواجهة حركات الاحتجاج المباشر، ومدى التوازن المطلوب بين حماية الأمن العام وصون حرية التعبير والتجمع. ومن المنتظر أن تشكل نتيجة الطعن محطة مهمة في تحديد حدود صلاحيات الحظر الحكومي في بريطانيا.
قد يعجبك
محكمة بريطانية: مصنع «إلبيت» المستهدف من «فلسطين أكشن» كان يجهز شحنة فورية من المسيّرات إلى إسرائيل
بريطانيا تمنع كاتباً سويدياً بارزاً من دخولها قبل فعالية عن فلسطين وتواجه اتهامات بـ«الضعف والجبن»
محامية يهودية تبلغ 94 عاماً تُعتقل في بريطانيا بسبب لافتة داعمة لـ«فلسطين أكشن»
ترامب يصنف “فلسطين أكشن” منظمة إرهابية بعد الحظر البريطاني

