وطن-قد يبدو الخبز المحمص خياراً سريعاً وبسيطاً على مائدة الإفطار، لكن الفارق بين شريحة ذهبية خفيفة وأخرى داكنة تميل إلى السواد لا يتعلق بالمذاق والشكل فقط. فكلما تعرض الخبز لحرارة مرتفعة مدة أطول، زادت احتمالات تكوّن مادة كيميائية تُعرف باسم الأكريلاميد، وهي مادة تثير اهتمام السلطات الصحية بسبب مخاوف من آثارها المحتملة عند التعرض لها بكميات مرتفعة ومتكررة.
وقالت صحيفة “لا فيدا لوثيدا” الإسبانية إن تناول شريحة توست محروقة من حين إلى آخر لا يعني بالضرورة الإصابة بمرض، ولا توجد أدلة تثبت أن تناول الخبز المحروق مرة واحدة يسبب السرطان. ومع ذلك، فإن تجنب احتراق الخبز يظل إجراءً بسيطاً لتقليل التعرض للأكريلاميد، خصوصاً لدى الأشخاص الذين يتناولون الخبز المحمص يومياً.
ما مادة الأكريلاميد التي تتكون في الخبز المحروق؟
تتكون مادة الأكريلاميد بشكل طبيعي أثناء طهي بعض الأطعمة الغنية بالنشويات في درجات حرارة مرتفعة، عندما تتفاعل السكريات مع حمض أميني يُسمى الأسباراجين. ويحدث ذلك خلال عمليات الطهي التي تشمل الخبز في الفرن والتحميص والقلي. ولا تقتصر هذه المادة على الخبز المحروق، إذ يمكن أن توجد أيضاً في البطاطس المقلية والبسكويت وحبوب الإفطار وبعض المنتجات المصنوعة من الحبوب، عندما تتعرض لدرجات حرارة مرتفعة مدة كافية.
ويُعد لون الطعام مؤشراً عملياً على مدى تعرضه للحرارة؛ فكلما ازداد تحميره ومال لونه إلى البني الداكن أو الأسود، ارتفعت احتمالات تكوّن كميات أكبر من الأكريلاميد. لذلك توصي هيئات سلامة الغذاء بتحميص الخبز حتى يصبح ذهبياً فاتحاً، وتجنب تركه يتحول إلى اللون البني الداكن أو الأسود.
هل يسبب التوست المحروق السرطان؟
تتركز المخاوف الصحية المرتبطة بالأكريلاميد حول احتمال علاقته بالسرطان. فقد أظهرت دراسات مخبرية أُجريت على الحيوانات أن التعرض لكميات مرتفعة من هذه المادة قد يزيد خطر الإصابة بأنواع معينة من الأورام. كما يستطيع الجسم تحويل الأكريلاميد إلى مركب آخر يُعرف باسم الغليسيداميد، وهو مركب يمكن أن يلحق أضراراً بالحمض النووي.
لكن نتائج الدراسات التي أُجريت على الحيوانات لا تعني بالضرورة أن التأثير نفسه يحدث لدى البشر. وحتى الآن، لم تقدم الدراسات الوبائية على الإنسان أدلة ثابتة وقاطعة تثبت أن الأكريلاميد الموجود في الطعام يزيد خطر الإصابة بنوع محدد من السرطان.
وبالتالي، لا يمكن القول إن تناول شريحة توست محروقة يسبب السرطان بصورة مباشرة. فالنصيحة بتجنب التحميص الزائد تستند إلى مبدأ الوقاية وتقليل التعرض غير الضروري لمادة يمكن الحد من تكوّنها بتغيير بسيط في طريقة إعداد الطعام.
ماذا يحدث إذا كنت تتناول الخبز المحروق كثيراً؟
لا تكمن المشكلة الأساسية في تناول شريحة واحدة محترقة، بل في التعرض المتكرر للأكريلاميد عبر مصادر غذائية متعددة. فإذا اعتاد الشخص تحميص الخبز حتى تظهر عليه بقع سوداء أو مناطق متفحمة، فقد يزيد ذلك من كمية المادة التي يتعرض لها مع مرور الوقت. ولا يعتمد إجمالي التعرض للأكريلاميد على الخبز وحده، بل يتأثر أيضاً بالأطعمة الأخرى في النظام الغذائي، مثل البطاطس المقلية والبسكويت وبعض منتجات الحبوب التي تُطهى أو تُحمّص في درجات حرارة مرتفعة.
وفي المقابل، لا ينبغي اختزال جودة التغذية في مادة واحدة؛ فالنظام الغذائي الصحي يتأثر بعوامل متعددة، من بينها تنوع الأطعمة، وكمية الألياف، وتناول الفواكه والخضراوات، والحد من المنتجات الغنية بالملح والسكريات المضافة والدهون غير الصحية. لذلك، لا يحتاج الشخص إلى حذف الخبز المحمص من وجبة الإفطار، بل يكفي تعديل طريقة تحضيره بحيث يبقى لونه ذهبياً فاتحاً، من دون الوصول إلى مرحلة الاحتراق أو التفحم.
لون الخبز مؤشر مهم داخل المطبخ
لا يحتاج الأمر إلى فحوص مخبرية في المنزل لمعرفة ما إذا كان الخبز قد تعرض لتحميص مفرط. فاللون يوفر مؤشراً عملياً، وإن كان لا يحدد بدقة كمية الأكريلاميد الموجودة في كل شريحة. ويُعد اللون الذهبي الفاتح الخيار المفضل لتقليل تكوّن هذه المادة، بينما قد يشير اللون البني الداكن إلى ارتفاع محتمل في كميتها، بحسب نوع الخبز ودرجة الحرارة ومدة التحميص. أما المناطق السوداء والمتفحمة، فمن الأفضل تجنب تناولها.
وإذا احترقت شريحة التوست، فإن الخيار الأكثر احترازاً هو استبدالها بأخرى. ويمكن أن يساعد إزالة الأجزاء الداكنة في تقليل الكمية المستهلكة، لكنه لا يضمن التخلص من الأكريلاميد بالكامل داخل الشريحة.
كيف تحمص الخبز بطريقة تقلل الأكريلاميد؟
يمكن لبعض التغييرات البسيطة في المطبخ أن تساعد على خفض التعرض للأكريلاميد، من دون التخلي عن الخبز أو وجبة الإفطار المعتادة. أولى هذه الخطوات اختيار التحميص الخفيف وضبط جهاز التحميص بحيث يصبح لون الخبز ذهبياً فقط، من دون الوصول إلى البني الداكن. كما أن مراقبة وقت التحميص مهمة، لأن استمرار التسخين بعد وصول الخبز إلى اللون الذهبي يزيد فرص تكوّن الأكريلاميد.
وتختلف المدة المناسبة للتحميص بحسب سمك الشريحة ونوع الخبز وقوة الجهاز المستخدم. لذلك يُنصح بمراقبة الخبز أثناء تحضيره وعدم تركه في الجهاز مدة أطول من اللازم. ومن الأفضل أيضاً عدم تناول الأجزاء المتفحمة أو السوداء. وإذا كانت الشريحة محترقة على نطاق واسع، فمن الأنسب استبدالها بدلاً من محاولة إنقاذها.
كما يمكن تنويع طرق إعداد الطعام، إذ ليس من الضروري الاعتماد دائماً على التحميص والقلي والطهي في درجات حرارة مرتفعة. ويساعد اللجوء أحياناً إلى السلق أو الطهي بالبخار أو استخدام درجات حرارة أكثر اعتدالاً على الحد من تكوّن بعض المركبات الناتجة عن الحرارة العالية. وتظل القاعدة الأهم هي اتباع نظام غذائي متنوع يشمل الخضراوات والفواكه والبقوليات والحبوب الكاملة، وتقليل الاعتماد على الأطعمة شديدة التحميص أو القلي.
هل الخبز الأسمر أو الكامل يكوّن الأكريلاميد أيضاً؟
نعم، يمكن للخبز المصنوع من الحبوب الكاملة أو الخبز الأسمر أن يُكوّن الأكريلاميد عند تحميصه، لأنه يحتوي أيضاً على النشويات ومكونات أخرى تدخل في التفاعلات الكيميائية الناتجة عن الحرارة. لكن ذلك لا يعني أن الخبز الأبيض أفضل بالضرورة. فالخبز الكامل قد يوفر كمية أكبر من الألياف ويدعم جودة النظام الغذائي، وتبقى التوصية الأساسية هي الاستفادة من قيمته الغذائية مع تجنب حرقه أثناء التحضير.
كذلك، لا يعني كون الخبز عضوياً أو منزلياً أو مصنوعاً من مكونات طبيعية أنه خالٍ من الأكريلاميد. فتكوّن هذه المادة يعتمد على تركيبة المنتج وطريقة الطهي ودرجة الحرارة ومدة التعرض لها، وليس فقط على جودة المكونات أو مصدرها.
هل يجب القلق إذا أكلت توستاً محروقاً من قبل؟
لا يوجد سبب للذعر إذا تناولت شريحة خبز محروقة في وقت سابق. فالأدلة المتاحة لا تسمح بالقول إن التعرض العابر أو المحدود للأكريلاميد من خلال شريحة واحدة يؤدي إلى الإصابة بالسرطان أو بمرض معين. وتكمن أهمية النصيحة في تحويلها إلى عادة وقائية بسيطة، تتمثل في تقليل التحميص الزائد كلما أمكن، خصوصاً لدى الأشخاص الذين يتناولون التوست بصورة يومية.
والخلاصة أن الحل ليس التوقف عن تناول الخبز، بل تجنب احتراقه. فالشريحة الذهبية يمكن أن تكون جزءاً من إفطار متوازن، بينما لا تضيف الأجزاء السوداء والمتفحمة فائدة غذائية، وقد تزيد التعرض لمركبات غير مرغوب فيها. لذلك، في المرة المقبلة التي تضع فيها الخبز في جهاز التحميص، راقب لونه جيداً: الذهبي الفاتح هو الخيار المفضل، أما المحروق فمن الأفضل استبداله.
قد يعجبك
السردين المعلب.. لماذا يوصي خبراء التغذية بتناوله 3 مرات أسبوعياً خصوصاً بعد الخمسين؟
7 وجبات سريعة غنية بالملح والدهون.. كيف تؤثر في القلب والكلى؟
ارتفاع اليوريا في الدم.. هل يكفي شرب الماء وتقليل البروتين للمحافطة على الكلى؟
دراسة تكشف تلوث أكثر من 60% من الفواكه والخضراوات بالمبيدات.. وربعها يتجاوز الحدود المسموح بها

