وطن-لم تعد الحرب في محافظة تعز اليمنية مجرد أصوات انفجارات أو خطوط تماس عسكرية تتغير من يوم إلى آخر، بل تحولت إلى خوف يلازم الأطفال داخل منازلهم، ويؤثر في نومهم وسلوكهم وقدرتهم على التعلم واللعب. ومع تجدد المواجهات منذ مطلع أكتوبر 2026، ظهرت على كثير من الصغار أعراض نفسية قاسية، من بينها الكوابيس الليلية والتبول اللاإرادي ونوبات الهلع والعصبية وفقدان الرغبة في الدراسة، في وقت لا تزال فيه المدارس مغلقة وخدمات الدعم النفسي محدودة.
وقالت صحيفة «ميدل إيست آي» البريطانية إن القتال المتجدد حول مدينة تعز خلّف آثاراً نفسية عميقة على الأطفال، خصوصاً في المناطق القريبة من المواجهات، حيث يجد الأهالي أنفسهم عاجزين عن النزوح أو حماية أبنائهم من أصوات القصف والانفجارات المتلاحقة.
أيام من الرعب غيّرت حياة أسرة يمنية
في أكتوبر، ومع وصول الاشتباكات إلى منطقة تسكنها تغريد عبدالإله، على بعد نحو 30 كيلومتراً من مدينة تعز، وجدت الأم، التي ترعى ثلاثة أطفال تتراوح أعمارهم بين 4 و7 و10 سنوات، نفسها محاصرة داخل منزلها.
لم يكن بمقدورها الفرار بعدما اندلعت المواجهات في قريتها، فلم تجد سوى جمع أطفالها في ممر المنزل، بعيداً قدر الإمكان عن النوافذ، خوفاً من الشظايا والانفجارات.
ونقلت الصحيفة عن تغريد قولها إن زوجها لم يكن موجوداً في المنزل وقتها، مضيفة: «كنت وحدي مع الأطفال. كانت الاشتباكات في الخارج، ثم وقع انفجار قريب جداً من منزلنا، فانهار الأطفال من الرعب وبكوا لساعات طويلة». وتابعت أنها لم تستطع تهدئتهم، بل كانت تنهار أحياناً وتبكي معهم من شدة الخوف.
كان الأطفال يهدؤون قليلاً عندما تخفت وتيرة المعارك، ويساعد بعض الجيران في محاولة رفع معنوياتهم، لكن كل جولة جديدة من القصف كانت تعيد البكاء والخوف. واستمر الوضع أربعة أيام، قبل أن تبتعد المواجهات العنيفة عن المنطقة.
غير أن آثار تلك الأيام لم تنتهِ بانحسار القتال. فبحسب رواية تغريد، تغير سلوك أطفالها بصورة واضحة، وأصبحوا أكثر غضباً وخوفاً، فيما بدأ الطفلان الأصغر يعانيان التبول اللاإرادي، بينما لم يعد الأكبر يتحدث إلا عن الموت، بعدما أصبح يعتقد أنه قد يُقتل في أي لحظة.
وتقول الأم إن أطفالها لم يعودوا يجرؤون على النوم وحدهم، فباتت الأسرة تجتمع في غرفة واحدة، وينام الصغيران في حضنها. كما تطاردهم الكوابيس ليلاً، ويرفضون الخروج من المنزل نهاراً خوفاً من التعرض للقتل أو الإصابة.
إغلاق المدارس يعمّق عزلة الأطفال في تعز
منذ 4 أكتوبر، أُغلقت المدارس الحكومية في محافظة تعز، داخل المدينة وفي المناطق الريفية، بسبب تدهور الوضع الأمني وتعذر وصول الأطفال إليها بأمان. كما أصبح اللعب خارج المنازل محفوفاً بالمخاطر، في ظل القصف والغارات التي طالت مناطق مختلفة من المحافظة.
وأشارت «ميدل إيست آي» إلى أن الأطفال فقدوا جانباً أساسياً من حياتهم اليومية، بعدما انقطعوا عن الدراسة واللعب والتواصل مع أقرانهم.
وتقول تغريد إنها تدرك خطورة خروج أطفالها في ظل استمرار المواجهات، لكنها تتمنى أن يتمكنوا من العودة إلى حياة طبيعية تساعدهم على تجاوز الصدمة.
وأضافت: «إنها المرة الأولى في حياتي التي أرى فيها أطفالي بهذا الضياع. لا يريدون اللعب، ولا يريدون الدراسة، ولا يتحدثون إلا عن الحرب. أخشى أن يرافقهم هذا الأثر طوال حياتهم حتى لو عادت الحياة إلى طبيعتها».
وبحسب الصحيفة، تقدمت قوات الحوثيين في 4 أكتوبر داخل مناطق واسعة من محافظة تعز، وسيطرت على مناطق وطرق مؤدية إلى المدينة، فيما استمرت المواجهات حولها وفي المناطق الريفية. كما تحدث التقرير عن محاولات للتقدم باتجاه محافظة لحج وفرض السيطرة الكاملة على مدينة تعز.
وفي المقابل، استهدفت غارات التحالف الذي تقوده السعودية مواقع لقوات الحوثيين في ريف تعز ومحيط المدينة، ما زاد من المخاطر التي يتعرض لها المدنيون، ولا سيما الأطفال المقيمون قرب مناطق القتال.
ووفقاً للأرقام التي أوردها التقرير نقلاً عن منظمة الصحة العالمية، قُتل 1677 شخصاً وأُصيب أكثر من 7395 آخرين في مختلف أنحاء اليمن بين أغسطس وأواخر أكتوبر 2026، في ظل تجدد المواجهات بين القوات الحكومية والحوثيين.
كما نقلت الصحيفة عن مازن عقلان، المدير التنفيذي لمركز تعز لحقوق الإنسان، قوله إن 19 طفلاً قُتلوا وأُصيب 49 آخرون في محافظة تعز خلال أكتوبر وحده، في مؤشر على حجم المخاطر التي تواجه الأطفال في مناطق النزاع.
الخوف يسرق من الأطفال طفولتهم
في مدينة تعز، تغيرت حياة عدي، البالغ من العمر 13 عاماً، بصورة كبيرة. فبعدما كان يقضي صباحه في المدرسة وبعد الظهر في اللعب مع أصدقائه، أصبح منذ 4 أكتوبر يمضي معظم وقته داخل المنزل أو أمام هاتفه المحمول، ولا يخرج إلا لفترات قصيرة للجلوس مع أصدقاء ورجال تحت شجرة قريبة.
ولا تقتصر المشكلة، بحسب «ميدل إيست آي»، على بقاء الأطفال في المنازل، بل تمتد إلى ما يشاهدونه عبر الهواتف من صور ومقاطع للقتلى والجرحى، وما يسمعونه من قصص عن معارك عام 2015، عندما وصلت المواجهات إلى أحياء داخل المدينة وسقط مدنيون، بينهم أطفال، قتلى وجرحى.
وقال عدي للصحيفة: «الحياة ليست سهلة، والموت قريب من الجميع. كنا منشغلين بدراستنا، ولم نكن نعرف أن الإنسان قد يفقد حياته في دقيقة واحدة. هذا ما حدث لكثيرين اليوم، وحدث أيضاً في الحرب السابقة».
ورغم أنه لا يزال في الصف السابع، فإن حديثه بات مشغولاً بالموت أكثر من الدراسة. وعندما سُئل عن أهمية التعليم، أجاب: «الدراسة مهمة، لكن لا يوجد ضمان أننا سنبقى أحياء حتى تفتح المدارس. الموت أقرب إلينا من العودة إلى التعليم».
والتقت الصحيفة والد عدي، الذي فضل عدم الكشف عن اسمه، وأكد أن ابنه لم يكن يتحدث بهذه الطريقة قبل التصعيد الأخير، لكنه تغير بعدما سمع قصة طفل قُتل في المدينة وشاهد صوراً ومقاطع مرتبطة بالحادثة.
وقال الأب إن الأسرة تحاول إبعاد أطفالها عن مناطق القتال، وتمنعهم من الخروج، خصوصاً إلى المناطق البعيدة، لكن الحفاظ على استقرارهم النفسي أصبح أمراً بالغ الصعوبة.
وأضاف أن الهواتف المحمولة والقصص التي يتبادلها الأطفال تترك آثاراً قاسية في نفوسهم، خصوصاً عندما يشاهدون صور أطفال قتلوا في المواجهات. وأشار إلى أن هذه المشاهد تؤثر حتى في البالغين، وليس الأطفال وحدهم.
وشدد الأب على ضرورة تدخل السلطات المحلية والمنظمات الإنسانية لتقديم دعم نفسي عاجل للأطفال والأسر، قائلاً إن الاهتمام خلال الحرب ينصب غالباً على سلامة الأطفال الجسدية، بينما لا تحظى صحتهم النفسية بالاهتمام نفسه، رغم أن آثار الصدمات قد تستمر سنوات طويلة.
أكثر من 100 ألف طفل بحاجة إلى دعم نفسي
قال مازن عقلان، المدير التنفيذي لمركز تعز لحقوق الإنسان، لـ«ميدل إيست آي» إن أكثر من 100 ألف طفل في محافظة تعز شهدوا أهوال الحرب وتأثروا نفسياً بالقذائف والانفجارات والمآسي المتواصلة، مؤكداً حاجتهم العاجلة إلى رعاية نفسية متخصصة.
وأوضح أن الأطفال الأكثر احتياجاً إلى الدعم هم الذين فقدوا أحد أفراد أسرهم، أو تعرضت منازلهم للقصف، أو أُجبروا على النزوح، أو عايشوا بصورة مباشرة تبعات المواجهات. فآثار هذه التجارب لا تنتهي بالضرورة مع توقف القصف، بل قد تستمر في سلوك الأطفال وذاكرتهم وشعورهم بالأمان.
وفي سياق أزمة النزوح، نشرت وكالة الصحافة الفرنسية صورة لنساء وأطفال داخل مأوى مؤقت للنازحين في مدرسة الشوكاني شمال عدن، يوم 15 سبتمبر 2026، في مشهد يعكس جانباً من تداعيات الحرب على الأسر اليمنية.
وبحسب ما أوردته «ميدل إيست آي»، أفادت منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف» في منتصف سبتمبر، أي قبل التصعيد الأخير حول تعز، بأن أكثر من 57 ألف طفل نزحوا خلال أسبوعين فقط.
كما أعلنت الأمم المتحدة في وقت سابق من العام، قبل التصعيد العسكري الأخير، أن 12.2 مليون طفل في مختلف أنحاء اليمن يحتاجون إلى مساعدات إنسانية.
وفي المقابل، أعلن مكتب الشؤون الاجتماعية والعمل في محافظة تعز، يوم الأحد، أن المنظمات الإنسانية غير الحكومية العاملة في المحافظة قدمت خدمات دعم نفسي اجتماعي إلى 719 طفلاً، فيما تلقى 219 طفلاً وطفلة جلسات إسعاف نفسي أولي.
ورغم أهمية هذه التدخلات، تبدو الأرقام محدودة مقارنة بحجم الاحتياجات التي تحدث عنها مركز تعز لحقوق الإنسان، ما يكشف اتساع الفجوة بين أعداد الأطفال المتضررين والخدمات المتاحة لهم.
أعراض نفسية تهدد مستقبل جيل كامل
تؤكد الأخصائية النفسية سبأ الصبري، التي تعمل مع مؤسسات تقدم خدمات الدعم النفسي في تعز، أن الشهر الماضي شهد تغيرات سلوكية واضحة لدى الأطفال، شملت الخوف المستمر والعصبية والحزن على الفقد ورفض الآخرين والتبول اللاإرادي والتعلق الشديد بالوالدين، حتى أثناء النوم.
وأضافت أن بعض الأطفال فقدوا الدافعية نحو التعلم، بسبب اعتقادهم أنهم قد يموتون أو يتعرضون لإعاقة في أي لحظة.
وترى الصبري أن هذه الأعراض لا تؤثر في حياة الأطفال الحالية فحسب، بل قد تهدد مستقبلهم، لأن استمرار الخوف يحرمهم الشعور بالأمان ويؤثر في علاقتهم بالمدرسة والأسرة والمجتمع.
وأوضحت أن جلسات الإرشاد النفسي التي تقدمها المبادرات والمنظمات الإنسانية لا تزال محدودة مقارنة بحجم الاحتياج، خصوصاً أن آثار الحرب المستمرة منذ أكثر من 11 عاماً لم تختفِ، فيما أضاف التصعيد الأخير أعداداً جديدة من الأطفال إلى قائمة المحتاجين للدعم.
وحذرت الأخصائية من أن بعض الآباء والأمهات لا يدركون حجم الصدمة التي يتعرض لها أبناؤهم، بسبب انشغالهم بتأمين الاحتياجات الأساسية والنجاة من القصف. لكنها شددت على أهمية الاستماع إلى الأطفال والحديث معهم وعدم تجاهل مشاعرهم، لأن غياب الاحتواء قد يزيد من معاناتهم النفسية.
كما لفتت إلى أن بقاء الأطفال داخل المنازل لفترات طويلة، وحرمانهم من الحركة واللعب في الخارج، يزيد التوتر والعصبية، ويؤثر في مزاجهم وسلوكهم ونمو شخصياتهم. أما تغريد عبدالإله، فتؤكد إدراكها لأهمية العلاج النفسي لأطفالها، لكنها تقول إن الوصول إلى هذه الخدمات ليس سهلاً في ظل ظروف الحرب.
وأضافت: «لو كان العلاج النفسي متوفراً، لما ترددت في أخذ أطفالي إليه. لكننا في زمن حرب، ومن الصعب الوصول إلى هذه الخدمات، لأنها غالباً لا تتوفر إلا في المدينة».
وهكذا، يجد أطفال تعز أنفسهم عالقين بين خطر القصف في الخارج والخوف الذي يلاحقهم داخل المنازل. ومع استمرار إغلاق المدارس ومحدودية خدمات الدعم النفسي، تتجاوز تداعيات الحرب الخسائر المباشرة لتطال الصحة النفسية والتعليم ومستقبل جيل كامل.
اقرأ أيضاً
مجندات اليمن في الصفوف الأولى.. يواجهن الحرب والمخاطر وتحديات مجتمع يتغيّر
تصاعد الحرب بين السعودية والحوثيين يشرّد 130 ألف يمني ويعمّق أزمة الجوع في اليمن
كيف عززت سنوات الحرب نفوذ الحوثيين في اليمن وغيرت موازين القوة؟

