وطن-لا تقتصر اضطرابات الصورة الذاتية على شكل الجسم أو المظهر الخارجي، بل قد تمتد إلى الطريقة التي ينظر بها الإنسان إلى وضعه المالي. ففي الوقت الذي يعاني فيه بعض الأشخاص من تشوه صورة الجسم، يتحدث خبراء الصحة النفسية والرفاه المالي عن ظاهرة تُعرف باسم التشوه المالي أو الديسمورفيا المالية، تجعل الفرد يدرك وضعه المادي بصورة غير دقيقة، وقد يشعر بالخوف من الفقر حتى عندما تكون ظروفه الاقتصادية مستقرة نسبياً.
وقالت مجلة «بسيكولوجي» الفرنسية إن هذه الظاهرة تشبه إلى حد كبير اضطراب تشوه صورة الجسم؛ إذ ينشغل الشخص بعيب جسدي يراه كبيراً ومزعجاً، رغم أنه قد لا يكون واضحاً للآخرين. وبالمثل، قد يعيش المصاب بالتشوه المالي شعوراً دائماً بنقص المال أو الخوف من فقدانه، حتى عندما لا تعكس حساباته المصرفية أو دخوله الشهرية وجود خطر حقيقي.
وأظهر استطلاع أجرته منصة «كريديت كارما» في الولايات المتحدة أن نحو ثلث الأميركيين يشعرون بدرجة من التشوه المالي، وترتفع النسبة إلى 43% بين أبناء الجيل زد، و41% بين جيل الألفية، وفق الأرقام التي أوردتها المجلة الفرنسية.
ما التشوه المالي؟
قد يبدو الشعور بالذنب بعد شراء غرض بسيط، أو مراجعة الحساب المصرفي مرات متكررة، أو الخوف المستمر من نفاد المال، مجرد مظاهر للحرص والاقتصاد في الإنفاق. لكن عندما تتحول هذه التصرفات إلى مصدر قلق دائم، فقد تكون مؤشراً إلى علاقة غير متوازنة مع المال.
ونقلت مجلة «بسيكولوجي» عن جويس مارتر، المعالجة المتخصصة في الشؤون المالية النفسية، قولها لموقع «توداي» إن التشوه المالي حالة لا يستطيع فيها الشخص إدراك وضعه المالي بدقة، بسبب الفجوة بين الصورة التي يحملها عن إمكاناته الاقتصادية والواقع الفعلي.
ولا تعني هذه الظاهرة بالضرورة أن الشخص يعاني الفقر أو تراكم الديون؛ فقد يمتلك دخلاً جيداً ومدخرات كافية، لكنه يشعر رغم ذلك بأنه مهدد مالياً أو على وشك الانهيار الاقتصادي. وقد يدفعه هذا الإحساس إلى مراقبة كل مصروف مهما كان صغيراً، أو الامتناع عن شراء احتياجات ضرورية، أو الشعور بالتوتر كلما اضطر إلى اتخاذ قرار يتعلق بالإنفاق.
من جهتها، أوضحت داشا كينيدي، المتخصصة في الرفاه المالي، في حديثها لموقع «توداي»، أن التشوه المالي يجعل الإنسان ينظر إلى علاقته بالمال من خلال تصور مشوش، فيبالغ في تقدير المخاطر المالية، الأمر الذي قد يؤدي إلى القلق والتوتر وعدم الرضا، حتى عندما يكون وضعه الاقتصادي آمناً نسبياً.
وسائل التواصل الاجتماعي تعزز المقارنة المالية
لا يمكن فصل هذه الظاهرة عن البيئة الرقمية التي يعيش فيها الناس، حيث أصبحت المقارنة بين أنماط الحياة أكثر سهولة وانتشاراً. فمن صور المطاعم الفاخرة على «إنستغرام»، إلى رحلات السفر على «تيك توك»، مروراً بالسيارات الجديدة والمنازل والاحتفالات العائلية على «فيسبوك»، يتعرض المستخدم يومياً لمظاهر الرفاهية التي قد تجعله يشعر بأن الآخرين يعيشون حياة أكثر نجاحاً وراحة.
وبحسب ما نقلته المجلة الفرنسية عن المعالجة المالية ليندسي براين-بودفين، في حديثها لمنصة «فيريويل مايند»، فإن وسائل التواصل الاجتماعي قد تعزز الإحساس بالتأخر المالي، لأن المستخدم يرى غالباً الجانب المشرق من حياة الآخرين، من دون أن يعرف ما يختبئ خلف الصور من ديون أو ضغوط مالية أو تضحيات.
وقد تؤدي هذه المقارنات إلى شعور الشخص بأنه أقل نجاحاً أو قدرة، حتى عندما تكون ظروفه المادية مستقرة. ويظهر تأثير ذلك في سلوكين متناقضين؛ فقد يبالغ البعض في التوفير والامتناع عن الإنفاق خوفاً من المستقبل، بينما يحاول آخرون تقليد أنماط حياة لا تتناسب مع إمكاناتهم المالية، من خلال شراء منتجات باهظة أو تحمل نفقات إضافية سعياً إلى الشعور بالقبول ومجاراة الآخرين.
علامات تكشف أن القلق المالي تجاوز حدوده
من الطبيعي أن يشعر الإنسان بالقلق بشأن المال، خصوصاً مع ارتفاع تكاليف المعيشة والتغيرات الاقتصادية. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا القلق إلى هاجس يومي يؤثر في القرارات ويمنع الشخص من الشعور بالأمان أو الاستمتاع بما يملكه. ونقلت منصة «فيريويل مايند» عن الأخصائية النفسية سمريتي جوشي أن التشوه المالي قد يؤدي إلى توتر غير ضروري بشأن المال، وقد يساهم في بعض الحالات في اتخاذ قرارات إنفاق مفرطة وغير محسوبة، بما يهدد الاستقرار المالي.
ومن أبرز العلامات التي قد ترتبط بهذه الظاهرة:
-
الخوف المستمر من عدم امتلاك ما يكفي من المال، رغم وجود دخل ومدخرات مستقرة.
-
الانشغال المفرط بالمصروفات الصغيرة ومراجعة الحسابات بصورة متكررة.
-
التردد الشديد أو العجز عن اتخاذ قرارات مالية بسيطة.
-
تجنب الإنفاق حتى على الاحتياجات الضرورية.
-
مقارنة الوضع المالي باستمرار بما يملكه الآخرون.
-
الشعور بالذنب أو الخجل بعد شراء أشياء ضرورية.
-
تجنب الحديث عن المال بسبب القلق أو الإحراج.
-
الرغبة المستمرة في زيادة الدخل رغم تحقيق قدر كافٍ من الاستقرار المالي.
-
شراء منتجات باهظة لا تتناسب مع الميزانية بهدف الشعور بالنجاح أو مواكبة الآخرين.
ولا يعني ظهور إحدى هذه العلامات وحدها أن الشخص يعاني التشوه المالي، لكن اجتماع عدد منها واستمرار تأثيرها في الحياة اليومية قد يستدعي الانتباه إلى طبيعة العلاقة مع المال.
بين الحرص المالي والخوف المفرط
يكمن الفرق بين الإدارة المالية السليمة والتشوه المالي في مدى قدرة الشخص على التحكم في قراراته بعيداً عن الخوف والمبالغة. فالشخص الذي يدير أمواله بصورة متوازنة يضع ميزانية، ويحدد أولوياته، ويدخر للمستقبل، لكنه يستطيع في الوقت نفسه الإنفاق على احتياجاته من دون الشعور الدائم بالتهديد.
أما من يعاني علاقة مضطربة مع المال، فقد يمتلك خطة مالية واضحة ومدخرات جيدة، لكنه يظل مقتنعاً بأنه مقصر أو معرض لفقدان كل ما يملك، وهو ما يجعله عاجزاً عن الاستمتاع باستقراره. وتشير مجلة «بسيكولوجي» إلى أن بعض العوامل النفسية، مثل السعي المفرط إلى الكمال والقلق والاكتئاب وانخفاض تقدير الذات، قد تزيد من احتمالات ظهور هذه الأنماط السلوكية.
ويزداد الضغط عندما يربط الإنسان قيمته الشخصية بحجم دخله أو قدرته على امتلاك الأشياء التي يراها لدى الآخرين، فيتحول المال من وسيلة لتلبية الاحتياجات وتنظيم الحياة إلى مصدر دائم للقلق والمقارنة.
كيف يمكن بناء علاقة أكثر توازناً مع المال؟
لا يعني التعامل مع التشوه المالي التخلي عن الادخار أو تجاهل التخطيط للمستقبل، بل يبدأ بفهم الوضع الاقتصادي الفعلي، والتمييز بين المخاطر المالية الحقيقية والمخاوف التي تضخمها المقارنة أو التجارب السابقة.
ويمكن أن يساعد وضع ميزانية واقعية ومراجعة الدخل والنفقات والديون والمدخرات على تكوين صورة أكثر وضوحاً عن الإمكانات المالية. كما أن تقليل التعرض للمحتوى الذي يثير المقارنات المستمرة قد يخفف الضغط المرتبط بمظاهر الرفاهية على منصات التواصل الاجتماعي. وعندما يصبح القلق المالي مستمراً ويؤثر في النوم أو العلاقات أو القرارات اليومية، فقد يكون من المفيد طلب مساعدة مختص نفسي أو مستشار مالي مؤهل، بحسب طبيعة المشكلة.
في النهاية، لا تعني الإدارة المالية الناجحة الخوف الدائم من الإنفاق، كما لا تعني مجاراة الآخرين أو الاستسلام للمظاهر. بل تقوم على رؤية واقعية للدخل والاحتياجات والالتزامات، واتخاذ قرارات متوازنة تسمح للإنسان بالحفاظ على استقراره المالي من دون أن يتحول المال إلى مصدر دائم للخوف.
اقرأ المزيد
المراهقون وحلم «الحياة السهلة».. لماذا ينجذب جيل زد إلى الثراء السريع والعمل الأقل؟
جيف بيزوس يدافع عن المليارديرات: الثراء ليس جريمة.. وهنا يكمن خلل الاقتصاد الأميركي!!
طفرة الثروات في أمريكا: معدلات نمو أعداد المليونيرات تتجاوز 1000 شخص يومياً..
لم يعد الجهد كافياً! معايير جديدة صارمة لتقييم الموظفين في كبرى شركات العالم

