وطن-لم يعد الخطر في قطاع غزة مرتبطاً بالقصف وحده، إذ بات إطلاق النار الإسرائيلي يهدد الأطفال وهم يلعبون، والنساء داخل الخيام، والعائلات أثناء انتظارها الحصول على الماء والطعام. وفي ظل استمرار إطلاق النار قرب مناطق النزوح وما يُعرف بـ«الخط الأصفر»، تحولت تفاصيل الحياة اليومية إلى اختبار متواصل للبقاء، وسط خوف لا يفارق السكان وغياب أماكن آمنة يلجأون إليها.
وسلّطت صحيفة ميدل إيست آي الضوء على مأساة الطفلة الفلسطينية فاطمة البيوك، البالغة من العمر 8 سنوات، التي خرجت بعد إنجاز واجباتها المدرسية للعب مع أبناء عمومتها قرب منزل جدتها في دير البلح وسط القطاع، قبل أن تصيبها رصاصة إسرائيلية في رقبتها.
عادت فاطمة إلى المنزل مرتجفة، وقميصها ملطخ بالدماء، وهي تصرخ بأن ابنة عمها أُصيبت، من دون أن تدرك أن الرصاصة استقرت في جسدها هي أيضاً. وبعد نقلها إلى المستشفى، تبيّن أن الرصاصة وصلت إلى رئتها، لتفارق الحياة بعد أسبوع من العلاج. وبحسب الصحيفة، لم تكن فاطمة مجرد حفيدة بالنسبة إلى جدتها صفية أبو عمرة، بل كانت رفيقتها الأقرب ومركز حياتها، خصوصاً أنها الناجية الوحيدة من أسرتها المباشرة بعد مقتل أفراد عائلتها في غارة إسرائيلية سابقة استهدفت منزلهم في خان يونس.
وقالت صفية أبو عمرة للصحيفة: «فاطمة كانت صديقتي المفضلة. كنا نفعل كل شيء معاً، نطبخ، ونخرج للمشي، وحتى ننام على الفراش نفسه. لدي سبعة أبناء وست بنات، لكن فاطمة كانت أغلى عليّ منهم جميعاً».
ورغم الفقدان الذي عاشته الطفلة في سن مبكرة، أعادت فاطمة شيئاً من الفرح إلى منزل جدتها. ووصفها عمها أحمد أبو عمرة بأنها كانت ذكية ومرحة، وأن ابتسامتها قادرة على تغيير مزاج كل من حولها، مضيفاً: «أجمل ما في فاطمة كان ابتسامتها التي تجلب الفرح للجميع. كانت ذكية ومسؤولة، وتحب المناسبات السعيدة مثل الأعراس والتجمعات العائلية».
طفلة نجت من مجزرة عائلتها ولم تنجُ من الرصاص
تعكس مأساة فاطمة، وفق ما أوردته الصحيفة البريطانية، خطراً يتجاوز حالتها الفردية، في ظل تكرار إطلاق النار الإسرائيلي في مناطق مختلفة من قطاع غزة، ولا سيما المناطق التي تقيم فيها العائلات النازحة بالقرب مما يُعرف بـ«الخط الأصفر». فمنذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في أكتوبر 2025، أدى إطلاق النار من مواقع عسكرية إسرائيلية ودبابات وطائرات مسيّرة رباعية المراوح، بحسب الصحيفة، إلى مقتل وإصابة مدنيين، كما قيّد حركة السكان وأعاق وصولهم إلى احتياجاتهم الأساسية من الغذاء والماء.
وكانت مأساة فاطمة امتداداً لسلسلة من الخسائر التي تعرضت لها عائلتها. ففي 13 ديسمبر 2023، استهدفت غارة إسرائيلية منزل أسرتها في خان يونس جنوب القطاع، ما أدى إلى مقتل أفراد عائلتها، بينما نجت هي وحدها وانتقلت للعيش مع جدتها في دير البلح. وقالت صفية أبو عمرة إن العائلة حاولت تعويض الطفلة عما فقدته، وإحاطتها بالرعاية والمحبة وسط الدمار الذي خلفته الحرب. وأضافت: «فعلنا كل ما نستطيع لنوفّر لفاطمة ما تحتاجه، ونشعرها بأنها محاطة بأناس يحبونها. كنت أريد أن أعوّضها فقدان أسرتها، لكنها بروحها الجميلة كانت هي من تساعدني على تجاوز حزني على ابنتي وأحفادي».
وكان التعليم جزءاً أساسياً من حياة فاطمة. فقد خشيت جدتها إرسالها إلى مدرسة تابعة للأمم المتحدة، بعد سماعها أن الرصاص الإسرائيلي يصل كثيراً إلى محيط المنطقة، لذلك دفعت رسوماً شهرية لإلحاقها بمدرسة محلية أقرب، اعتقدت أنها أكثر أماناً.
وتروي الجدة: «كنت أوصل فاطمة إلى المدرسة كل يوم. كانت ذكية جداً، وكانت تنهي واجباتها قبل أن تخرج للعب». لكن الرصاصة التي أصابتها بعد انتهاء واجباتها المدرسية أعادت إلى الجدة جراحها القديمة، وجعلت خسارتها الجديدة أكثر إيلاماً.
وقالت صفية للصحيفة: «صُدمت ولم أستطع الكلام أو الحركة. موتها كان مؤلماً مرتين، لأنه ذكّرني بابنتي وأحفادي الذين قُتلوا في بداية الحرب. حياتي كانت مرتبطة بفاطمة، وأتمنى لو أنني مت بعدها». وبحسب رواية العائلة، تركت فاطمة أثراً عميقاً في كل من عرفها. فقد كانت تحب ارتداء الملابس الجميلة، خصوصاً في المناسبات العائلية. وقال عمها رضا أبو عمرة إن العائلة اشترت لها مؤخراً ملابس شتوية جديدة، لكنها قُتلت قبل أن تتمكن من ارتدائها. وأضاف: «كانت تحب دائماً أن تكون أنيقة. اشترينا لها ملابس جديدة للشتاء، لكنها قُتلت قبل أن تتمكن من لبسها».
ولم تكن فاطمة أول فرد من عائلتها يُصاب برصاص إسرائيلي. فقبل 6 أشهر من وفاتها، أُصيب عمها مسعود أبو عمرة، المولود بإعاقة ذهنية، برصاصة في رقبته أثناء زيارته شقيقته في خان يونس. وقال عمها أحمد إن مسعود كان الأقرب إلى قلب فاطمة، وإنها حزنت كثيراً عند وداعه.
الخيام وطوابير المساعدات تحت نيران الرصاص
لا تقتصر آثار إطلاق النار الإسرائيلي على سقوط الضحايا، بل تمتد إلى مختلف تفاصيل الحياة اليومية للنازحين في غزة. فالخيام التي تحولت إلى مساكن مؤقتة، والطرق المؤدية إلى مصادر المياه والطعام، والطوابير أمام شاحنات المساعدات، أصبحت جميعها أماكن يخشى السكان التعرض فيها لإطلاق النار. ونقلت «ميدل إيست آي» عن زيد الكفارنة، البالغ من العمر 19 عاماً، قوله إن عائلته المكونة من 10 أفراد نزحت من شمال القطاع إلى منطقة أم ظهير جنوب دير البلح، قبل أيام من دخول وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025 حيز التنفيذ.
وأوضح زيد أن إطلاق النار الإسرائيلي كان في البداية متقطعاً وبعيداً نسبياً عن خيام العائلة، لكنه أصبح أكثر تكراراً مع مرور الوقت، واقترب من المخيم. وخلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، تحول، بحسب روايته، إلى خطر يومي يتسبب في سقوط قتلى وجرحى وأضرار مادية. وقال للصحيفة: «نجوت بأعجوبة من الرصاص الطائش مرات عدة. صديقي وجاري محمد عقل قُتل قبل أسابيع برصاصة طائشة بينما كان يستعد للعودة إلى شمال غزة».
أما والدته شيرين الكفارنة، فأصيبت مؤخراً برصاصة إسرائيلية أثناء وجودها داخل خيمتها. وروت كيف تتوقف الحياة في المخيم بمجرد بدء إطلاق النار، قائلة: «عندما يبدأ الرصاص، تتوقف الحياة في مخيمنا. يحذّر الجيران بعضهم بعضاً، نترك كل شيء ونحتضن الأطفال ثم نستلقي على الأرض حتى لا تصيبنا الرصاصات التي تتطاير حولنا. الجميع مرعوب، وخصوصاً الأطفال». ويؤدي إطلاق النار، وفق الصحيفة، إلى تعطيل محاولات السكان تأمين احتياجاتهم الأساسية، إذ تتعرض طوابير انتظار الطعام والمياه أحياناً لإطلاق النار من الدبابات الإسرائيلية والطائرات المسيّرة.
وقال زيد الكفارنة: «أحياناً بينما ننتظر في طوابير الماء والطعام، تبدأ الدبابات الإسرائيلية والطائرات الرباعية بإطلاق النار مباشرة باتجاهنا. يصاب الجميع بالذعر، ونستلقي على الأرض على جانب الطريق، ونشاهد شاحنات المساعدات التي تحمل طعامنا وماءنا تغادر هرباً من الرصاص. في تلك الأيام لا نجد ما نأكله أو نشربه».
«الخط الأصفر» ومخاوف من دفع السكان إلى النزوح
وتشير الصحيفة إلى أن تكرار إطلاق النار قرب «الخط الأصفر»، بالتزامن مع توسيع إسرائيل لما تصفه بالمنطقة العازلة داخل قطاع غزة، أثار تساؤلات بين العائلات الفلسطينية بشأن طبيعة هذه الهجمات، وما إذا كانت حوادث إطلاق نار عشوائية أم جزءاً من سياسة تهدف إلى دفع السكان لمغادرة أماكن وجودهم.
ويعتقد عدد من السكان، بحسب ما نقلته الصحيفة، أن تكرار إطلاق النار قد يكون وسيلة للضغط على العائلات وإجبارها على ترك منازلها وخيامها، بما يسمح بتوسيع نطاق السيطرة الإسرائيلية على مزيد من الأراضي داخل القطاع. ووفقاً لما أوردته «ميدل إيست آي»، ارتفعت نسبة السيطرة الإسرائيلية على غزة خلال العام الذي أعقب وقف إطلاق النار من 53% إلى 70%، في تطور يثير مخاوف الفلسطينيين الذين يعيشون بالقرب من مناطق التماس.
وتقول عائلات تقيم قرب «الخط الأصفر» إن خطر الرصاص دفع عدداً من الأسر إلى مغادرة مخيماتها، لكن الرحيل لا يمثل خياراً متاحاً للجميع، بسبب غياب أماكن بديلة أو ارتفاع تكاليف النقل. وقالت شيرين الكفارنة للصحيفة: «مشاهدة العائلات وهي تغادر مخيمنا كل يوم تجعلنا أكثر خوفاً. نتمنى أن نبتعد عن الرصاص، لكن لا مكان نذهب إليه. وحتى لو وجدنا مكاناً، لا نستطيع تحمل تكاليف النقل المرتفعة جداً».
حفر وخنادق بدائية لحماية الأطفال
وفي ظل انعدام الخيارات، لجأت بعض العائلات إلى وسائل بدائية لحماية نفسها من الرصاص، فأقام بعض السكان سواتر رملية صغيرة حول الخيام، بينما حفر آخرون خنادق أو حفرًا داخل الخيام أو بالقرب منها للاختباء عند بدء إطلاق النار. ومن بين هؤلاء شادي صيام، الذي حفر خندقاً صغيراً بجوار خيمته ليحتمي فيه مع أسرته المكونة من 5 أفراد. وقال للصحيفة: «أخاف على حياة أطفالي كلما سمعت الرصاص الإسرائيلي الطائش يمر قريباً من الأرض».
وأضاف أن أطفاله يستيقظون مذعورين، فيحملهم إلى الحفرة للاختباء معاً، أحياناً لمدة تتراوح بين ساعتين و5 ساعات، إلى أن يتوقف إطلاق النار. لكنه يخشى ألا يتمكن من مواصلة استخدام هذا المأوى البدائي مع حلول الشتاء، حين تجعله الأمطار والبرد غير صالح للاختباء. في غزة، باتت الحياة اليومية معلقة بين خيمة لا توفر الحماية، وطريق قد يتحول إلى مصيدة، وطابور مساعدات لا يضمن الوصول إلى الطعام والماء. وبينما تعيش العائلات تحت وطأة الخوف من الرصاص، تكشف الشهادات التي نقلتها «ميدل إيست آي» عن واقع تتقلص فيه مساحة الحركة الآمنة، وتصبح فيه أبسط الأنشطة اليومية محفوفة بخطر الإصابة أو الموت.
اقرأ أيضاً
«نازا» يكشف شهادات عن تقدير الضحايا المدنيين في غزة.. والجيش الإسرائيلي يرفض الاتهامات
منظمة محاربين قدامى: الجيش الإسرائيلي يطلق النار أولاً ثم يختلق الذرائع لتبرير القتل الجماعي
صورة أمام مدرسة مدمرة في غزة تقود إلى كشف هوية جندي بريطاني في الجيش الإسرائيلي
مقتل 4 فلسطينيين في هجوم للمستوطنين والجيش الإسرائيلي على بلدة تل قرب نابلس وتصاعد دعوات الانتقام

