وطن-أثار إعلان انتخابي باللغة الماندرينية، استهدف السيناتورة الجمهورية الأميركية سيندي هايد سميث في ولاية ميسيسيبي، جدلاً واسعاً بشأن حدود الخطاب السياسي في الولايات المتحدة، وفتح نقاشاً حول احتمال تبني الحزب الديمقراطي مواقف أكثر تشدداً تجاه الصين، في محاولة لمنافسة الجمهوريين على أصوات الناخبين.
وبحسب صحيفة أميركية، بثت مجموعة التمويل السياسي الديمقراطية «حكومة تعمل» (Government That Works PAC) الإعلان قبل أسبوع واحد من موعد الانتخابات، مصحوباً بترجمة باللغتين الإنجليزية والصينية. وتضمن مقطعاً صوتياً يشكر هايد سميث باللغة الماندرينية على السماح لما وصفه بـ«دولة شيوعية» بشراء مساحات واسعة من الأراضي الزراعية في ميسيسيبي، مستغلة موقعها في لجنة الزراعة بمجلس الشيوخ.
واختُتم الإعلان بعبارة حادة تقول: «الصين أولاً.. ميسيسيبي أخيراً»، في اتهام مباشر للسيناتورة الجمهورية بتقديم مصالح الصين على مصالح الولاية الأميركية، وهي رسالة تعكس توظيف ملف النفوذ الصيني في الحملات الانتخابية المحلية.
اتهامات بالعنصرية واستغلال المخاوف من الصين
لم يمر الإعلان من دون انتقادات؛ إذ اعتبر بعض المعلقين التقدميين أن لغته تحمل طابعاً عنصرياً ومعادياً للأجانب، بسبب توظيف المخاوف من الصين في معركة انتخابية داخلية.لكن الجدل لم يتوقف عند طبيعة الإعلان، بل امتد إلى تساؤلات بشأن مستقبل موقف الديمقراطيين من بكين: هل يتجه الحزب إلى تبني خطاب أكثر تشدداً؟ وهل سيعارض مرشحوه أي خطوات لإبطاء فك الارتباط الاقتصادي بين الولايات المتحدة والصين؟ وهل سينضمون إلى الجمهوريين في دعم قيود على الهجرة والاستثمارات الصينية تحت مبررات الأمن القومي؟
وترى الصحيفة أن الإعلان، الذي لا تتجاوز مدته 15 ثانية، يكشف أيضاً عن محدودية فهم بعض القائمين عليه للتعقيدات السياسية والثقافية المرتبطة بالصين. فقد استخدم الترجمة حروفاً صينية تقليدية، في حين تعتمد الصين القارية الحروف المبسطة في الاستخدام الرسمي. ولا تبدو هذه المسألة مجرد تفصيل لغوي؛ فالحروف التقليدية ترتبط في السنوات الأخيرة بنقاشات الهوية والثقافة والسياسة في مناطق مثل هونغ كونغ وتايوان، حيث تتداخل الاختلافات اللغوية مع المواقف من بكين.
الأراضي الزراعية الصينية في قلب المنافسة الانتخابية
ركز الإعلان على قضية شراء مستثمرين صينيين أراضي زراعية أميركية، وهي مسألة أصبحت محوراً بارزاً في الخطاب الجمهوري المتشدد تجاه الصين، رغم أن خبراء في السياسة الخارجية يرون أن المخاوف المتعلقة بها لا تستند دائماً إلى حجم اقتصادي يبرر تصويرها تهديداً للأمن الغذائي الأميركي.
ونقلت الصحيفة عن جيمي لوتز وكايتلين ويلش، من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، قولهما إن هذه المشتريات «لا تمثل حصة كبيرة بما يكفي من إنتاج الغذاء في الولايات المتحدة حتى تهدد الأمن الغذائي الوطني».
ومع ذلك، لم يمنع هذا التقييم بعض الديمقراطيين من الانضمام إلى موجة القلق بشأن شراء مستثمرين صينيين الأراضي الزراعية الأميركية. فقد حظي مشروع قانون حديث يفرض قيوداً على هذه المشتريات بدعم عدد من النواب الديمقراطيين، معظمهم من ولاية كاليفورنيا.
لكن توظيف القضية في الحملات الانتخابية يأخذ أحياناً منحى مختلفاً؛ إذ يستخدمها ديمقراطيون في ولايات محافظة لمهاجمة مرشحين جمهوريين، في محاولة لمخاطبة ناخبين يميلون إلى تبني مواقف متشددة تجاه الصين.
سوابق ديمقراطية في مهاجمة الجمهوريين عبر ملف الصين
لا يمثل إعلان ميسيسيبي سابقة منفردة. ففي عام 2022، استخدم ديمقراطيون في ولاية أوكلاهوما رسالة مشابهة ضد الحاكم الجمهوري كيفن ستيت، متهمين إياه بالسماح لمستثمرين صينيين بشراء أراضٍ زراعية داخل الولاية. وفي عام 2025، لجأ المرشح الديمقراطي للكونغرس جوش وايل إلى توظيف صورة الصين في إعلان انتخابي خلال حملته غير الناجحة ضد راندي فاين، في الانتخابات الخاصة بالدائرة السادسة في فلوريدا. وظهر وجه فاين في الإعلان مغطى بصورة العلم الصيني، رغم أن الحملة ركزت أساساً على مواقفه من الضمان الاجتماعي وبرنامج «ميديكيد»، من دون أن تتناول الصين في سياق آخر.
وتعكس هذه الأمثلة اتجاهاً لدى بعض الديمقراطيين في الولايات ذات الميول الجمهورية إلى استخدام رسائل قريبة من الخطاب المحافظ بشأن الصين، انطلاقاً من اعتقاد بأن تجاهل مخاوف الناخبين من النفوذ الصيني قد يضر بفرصهم الانتخابية. غير أن هذه المقاربة تعرضت لانتقادات من الكاتب كاميرون كامينز سميث، الذي وصفها بأنها مشاركة من الحزبين في الترويج لمزاعم تحظى بقبول شعبي واسع بهدف تحقيق مكاسب انتخابية.
وبهذا المعنى، لا تقتصر المسألة على محاولة الفوز بسباق محلي؛ فكلما توسع استخدام الصين بوصفها أداة في الحملات الانتخابية، زاد تأثير هذه الرسائل في تشكيل نظرة الأميركيين إلى بكين، وفي تحديد الدور الذي سيلعبه الديمقراطيون في النقاش الوطني بشأنها.
خطاب معادٍ للصين أم منافسة للجمهوريين؟
ليس توظيف الصين في الدعاية السياسية أمراً جديداً في الولايات المتحدة. فقد ظل صعود بكين وتراجع الموقع الأميركي النسبي موضوعين حاضرين في النقاش السياسي، وظهرا في حملات سابقة، من بينها إعلان منظمة «مواطنون ضد هدر الحكومة» (Citizens Against Government Waste)، المعروف باسم «الأستاذ الصيني»، والذي تخيل مؤرخاً صينياً في عام 2030 يتحدث عن عقدين من التراجع الأميركي.
وتشير الصحيفة إلى أن الديمقراطيين اعتادوا مهاجمة الجمهوريين بسبب علاقاتهم برجال الأعمال الأثرياء ومصادر التمويل الضخمة. ومن هذا المنطلق، قد يكون الانتقال إلى انتقاد علاقات بعض المرشحين بأثرياء أجانب أو حكومات أجنبية تطوراً في أدوات المنافسة السياسية، لا سيما بعد سنوات من تركيز الحزب على التدخل الروسي خلال الولاية الأولى للرئيس دونالد ترامب.
لكن تبني خطاب أكثر حدة تجاه الصين قد يفرض كلفة داخلية على الحزب الديمقراطي، الذي يضم تيارات وقواعد انتخابية متعددة، وقد يؤدي إلى توترات داخل ائتلافه السياسي، خصوصاً إذا تجاوز انتقاد الحكومة الصينية إلى استخدام تعميمات وصور نمطية تستهدف الآسيويين الأميركيين.
وسبق لمنظمات أميركية آسيوية، من بينها «أوقفوا الكراهية ضد الأميركيين الآسيويين وسكان جزر المحيط الهادئ» (Stop AAPI Hate)، أن أعربت عن قلقها من تصاعد الخطاب المعادي للآسيويين في الحملات السياسية لدى الحزبين. وقد يؤدي توسيع الرسائل المناهضة للصين إلى زيادة هذه المخاوف، إذا لم يجر الفصل بوضوح بين انتقاد سياسات الحكومة الصينية واستهداف الأميركيين من أصول آسيوية.
سباق ميسيسيبي يكشف حسابات الديمقراطيين
على المستوى الانتخابي، لا يبدو أن المرشح الديمقراطي سكوت كولوم يقترب من انتزاع مقعد مجلس الشيوخ في ميسيسيبي، إذ تشير استطلاعات الرأي، وفق الصحيفة، إلى احتفاظ سيندي هايد سميث بتقدم مريح نسبياً، رغم الصعوبات التي يواجهها الجمهوريون على المستوى الوطني. لكن أهمية الإعلان قد تتجاوز نتيجة هذا السباق. فهو يكشف كيف يمكن لقضية الصين أن تتحول إلى أداة انتخابية يستخدمها الديمقراطيون والجمهوريون على حد سواء، حتى في الولايات التي لا تحتل فيها السياسة الخارجية موقعاً رئيسياً في اهتمامات الناخبين.
ويبقى السؤال الأوسع متعلقاً بمستقبل الخطاب الديمقراطي تجاه بكين: هل ينافس الحزب الجمهوري في التشدد، أم يحاول تقديم مقاربة مختلفة توازن بين متطلبات الأمن القومي، والمصالح الاقتصادية، ورفض التمييز ضد الأميركيين من أصول آسيوية؟ الإجابة لا تزال مفتوحة، لكن الجدل الذي أثاره إعلان ميسيسيبي يشير إلى أن الصين قد تصبح أكثر حضوراً في معارك الحزبين الانتخابية، وأن المنافسة بشأنها لن تظل حكراً على الجمهوريين.
اقرأ المزيد
الحزب الشيوعي الصيني يمهّد لولاية رابعة لشي جين بينغ وسط غياب الخليفة واتساع حملة التطهير

