وطن-شفت محاكمة جنائية واسعة في العاصمة البلجيكية بروكسل عن تفاصيل شبكة دولية يُشتبه في تورطها بتهريب أطنان من الكوكايين من أميركا اللاتينية إلى أوروبا، وسط اتهامات بوجود تحالف بين منظمة إجرامية بلجيكية وعناصر مرتبطة بعصابات المخدرات البرازيلية.
وتسلط القضية، المعروفة إعلامياً باسم «بريسرز-كارفاليو»، الضوء على تطور أساليب الجريمة المنظمة العابرة للحدود، بعدما أظهرت التحقيقات، وفق ما أوردته صحيفة «إل دياريو» الإسبانية، تشابكاً بين شبكات التهريب وشركات الواجهة والعقارات والعملات المشفرة، في عمليات يُعتقد أنها سمحت بنقل ما يصل إلى 45 طناً من الكوكايين إلى الأسواق الأوروبية.
وتُعد المحاكمة من أبرز القضايا الجنائية التي شهدتها بلجيكا خلال السنوات الأخيرة، ليس فقط بسبب عدد المتهمين وحجم الاتهامات، بل أيضاً لما كشفته من امتدادات محتملة لشبكات الجريمة المنظمة بين أوروبا وأميركا اللاتينية.
مجمع محصن يحتضن محاكمة كبرى
في السابع من سبتمبر، تحركت قافلة من عناصر الشرطة المدججين بالسلاح عبر شوارع بروكسل باتجاه مجمع شديد التحصين يقع في شارع دو بورجيه، في حي هارين شمال شرقي العاصمة البلجيكية.
ويضم المجمع، الذي كان مقراً سابقاً لحلف شمال الأطلسي، قاعة محاكمات «جوستيتيا»، المخصصة للنظر في القضايا الفيدرالية الكبرى. وقد استضافت القاعة عام 2022 محاكمة المتورطين والمتواطئين في هجمات باريس عام 2015 وبروكسل عام 2016.
وشهدت المحاكمة إجراءات أمنية مشددة، إذ تولى عناصر مسلحون تأمين ممرات المبنى وحماية المتهمين، بينما جلس القضاة والمحامون والصحفيون والجمهور خلف حاجز زجاجي مدرع، في مواجهة 31 متهماً أحاطت بهم عناصر أمنية ملثمة، وسط مخاوف من تعرض بعضهم لعمليات انتقام.
«الأستاذ» و«إسكوبار البرازيلي» في قفص الاتهام
برز اسمان رئيسيان في القضية، أولهما البلجيكي فلور بريسرز، البالغ من العمر 40 عاماً، والمنحدر من مدينة لومل في مقاطعة ليمبورغ. كما درس بريسرز علم الجريمة في الجامعة الحرة ببروكسل، وعُرف بين معارفه بلقبي «الأستاذ» و«الأكاديمي»، بينما التصق به لقب أكثر إثارة للجدل هو «قاطع الأصابع»، على خلفية اتهامات ارتبطت بحوادث عنف سابقة.
وأوقف بريسرز عام 2022 خلال مشاركته مع زوجته في جلسة لتذوق النبيذ داخل جناح فاخر بفندق «رينيسانس زيورخ تاور» في سويسرا. ويواجه اتهامات تشمل الخطف والاحتجاز غير القانوني والابتزاز باستخدام الأسلحة النارية وقيادة منظمة إجرامية.
أما المتهم الثاني، فهو البرازيلي سيرجيو روبرتو دي كارفاليو، البالغ من العمر 68 عاماً، والذي تشتبه السلطات في اضطلاعه بدور محوري في شبكة التهريب. واعتُقل كارفاليو في 21 يونيو 2022 داخل فندق فاخر يطل على نهر الدانوب في العاصمة المجرية بودابست، خلال عملية مشتركة شاركت فيها الإنتربول ويوروبول والشرطة الفيدرالية البرازيلية ووكالة مكافحة المخدرات الأمريكية.
وينحدر كارفاليو من ولاية ماتو غروسو دو سول البرازيلية، القريبة من المثلث الحدودي بين البرازيل والأرجنتين وباراغواي. وكان معروفاً في بلاده بلقب «الرائد»، في إشارة إلى رتبته السابقة في الشرطة العسكرية، بينما اشتهر في أوروبا بلقب «إسكوبار البرازيلي». وتضع الاتهامات الرجلين في قلب شبكة يُعتقد أنها كانت قادرة على نقل ما يصل إلى 45 طناً من الكوكايين إلى أوروبا، عبر مسارات برية وبحرية معقدة تبدأ من مناطق الإنتاج في أميركا اللاتينية وتنتهي في الموانئ والأسواق الأوروبية.
شركات واجهة وعقارات وعملات مشفرة لغسل الأموال
بحسب النيابة العامة البلجيكية، استخدمت الشبكة شركات واجهة لتحريك مئات الملايين من الدولارات الناتجة عن عمليات التهريب. ومن بين الشركات التي ورد اسمها في القضية «كريفا روشم»، المتخصصة في معالجة المياه بمدينة أنتويرب، والتي ارتبط اسمها بإحدى التسميات المتداولة للقضية.
وتشير الاتهامات إلى أن الأموال جرى غسلها عبر العملات المشفرة والأسواق المالية والاستثمارات العقارية، بما أتاح تمويل عمليات النقل واللوجستيات المرتبطة بشحن الكوكايين المنتج في بوليفيا وبيرو.
وكانت الشحنات، وفق الرواية التي عرضتها الصحيفة، تمر عبر طرق برية داخل البرازيل قبل نقلها إلى المحيط الأطلسي، ثم شحنها إلى دول أوروبية مختلفة. وكان اسم بريسرز مدرجاً منذ عام 2021 على قائمة أكثر المطلوبين لدى يوروبول، بسبب اتهامات تتعلق بالخطف والحرمان من الحرية والابتزاز باستخدام سلاح ناري والانتماء إلى منظمة إجرامية.
وسبق أن ارتبط اسمه بقضية تعود إلى عام 2010، اتُّهم فيها بإصدار أمر بتصفية حسابات انتهت بقطع أحد أصابع الضحية باستخدام مقص تقليم. غير أن القضية انتهت عام 2015 بتبرئته لعدم كفاية الأدلة. وفي عام 2020، أُدين بريسرز في واقعة أخرى تتعلق بخطف تاجر مخدرات هولندي والاعتداء عليه وتهديده بالقتل وجرحه بشفرة حلاقة، بعد تحميله مسؤولية اختفاء شحنة كوكايين. وبعد صدور الحكم، اختفى عن الأنظار لمدة عامين.
كما ورد اسمه في ملف عنف آخر في غيانا، يتعلق بمقتل تاجر جملة بعد اكتشاف كوكايين داخل شحنة أرز مستوردة. وتعتقد السلطات أن الجريمة ربما كانت تهدف إلى منعه من كشف معلومات عن الشبكة، لكن القضية لم تصل إلى المحاكمة.
عشر هويات مزيفة وملاحقة دولية لكارفاليو
تكشف الوثائق القضائية البرازيلية أن كارفاليو كان يقود مجموعة تشتري كميات كبيرة من الكوكايين المنتج في بيرو وبوليفيا، ثم تنقله عبر وسط وغرب البرازيل باتجاه موانئ باراناغوا وناتال، قبل شحنه إلى أوروبا. وُلد كارفاليو عام 1958 في مدينة إيبيبوران بولاية بارانا، ونشأ في ماتو غروسو دو سول. وتشير الصحيفة إلى أن تورطه في الأنشطة الإجرامية بدأ خلال عمله في الشرطة العسكرية بالولاية.
ورغم إدانته عام 1998 بالسجن 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات، لم يُطرد من جهاز الشرطة إلا عام 2010. وبعد ذلك، انتقل إلى أوروبا، حيث اختبأ في البرتغال قبل أن يستقر في إسبانيا. ووفقاً للشرطة الإسبانية، أقام في قصر بمدينة ماربيا تبلغ قيمته نحو مليوني يورو، مستخدماً هوية مزيفة باسم «بول ووتر»، وهو رجل ثري من سورينام.
وتقول النيابة البلجيكية إن كارفاليو أدار، بين عامي 2017 و2020، شبكة إجرامية متخصصة في تهريب المخدرات انطلاقاً من قاعدته في إسبانيا، وامتدت أنشطتها عبر شبه الجزيرة الإيبيرية وموانئ أوروبية رئيسية.
وشملت المسارات التي وردت في التحقيقات موانئ سيتوبال وليشويس في البرتغال، ومطار لشبونة، إلى جانب ميناءي روتردام الهولندي وأنتويرب البلجيكي. كما اشتبهت الشرطة البرتغالية في وجود صلات بين كارفاليو ومنظمة «برايميرو كوماندو دا كابيتال»، التي تُعد من أبرز التنظيمات الإجرامية في البرازيل.
وفي نوفمبر 2020، نفذت السلطات عملية أمنية واسعة شارك فيها أكثر من ألف شرطي من يوروبول والبرتغال وإسبانيا وبلجيكا وهولندا ورومانيا والإمارات، لكنها لم تتمكن من اعتقاله. وأسفرت العملية عن توقيف 45 شخصاً، ومصادرة 70 سيارة فارهة و37 طائرة و136 عقاراً، إضافة إلى أكثر من 13 مليون يورو نقداً.
وتشير المعلومات التي عُرضت أمام المحكمة إلى أن كارفاليو زوّر وفاته في العام نفسه باستخدام شهادة وفاة باسم «بول ووتر»، زعمت أنه توفي نتيجة مضاعفات مرتبطة بفيروس كورونا. وبعد ذلك، انتقل إلى بودابست، حيث اعتُقل عام 2022 مستخدماً جواز سفر مكسيكياً باسم «غييرمو دياز فلوريس». وتشتبه السلطات في أنه استخدم ما لا يقل عن 10 هويات مزيفة قبل توقيفه في المجر. وسُلّم كارفاليو إلى بلجيكا في يونيو 2023، وأودع سجناً شديد الحراسة لمواجهة الاتهامات الموجهة إليه.
المتهمان ينفيان الاتهامات والحكم في ديسمبر
خلال جلسات المحاكمة، نفى بريسرز جميع الاتهامات الموجهة إليه، واعتبر نفسه ضحية حملة ملاحقة إعلامية وأمنية. وقال أمام المحكمة إنه مقتنع بأن السلطات دبرت القضية ضده. وطعن فريق دفاعه في الأدلة المقدمة، مطالباً بإسقاط القضية، كما اتهم وسائل الإعلام برسم صورة بالغة السوء عن موكله.
أما كارفاليو، فلم يحضر جميع الجلسات بسبب مشكلات صحية، وتمسك ببراءته، مدعياً أنه ضحية ملاحقة من السلطات الفيدرالية البرازيلية. وقال خلال إحدى الجلسات إنه محتجز منذ خمس سنوات، وإن الجرائم ارتكبها شخص آخر يحمل الاسم نفسه.
وبحسب الصحيفة الإسبانية، حاولت صحيفة «الغارديان» التواصل مع محامي المتهمين، لكنها لم تتلق رداً من محامي كارفاليو، فيما امتنع محامي بريسرز عن التعليق. كما رفض المدعي الفيدرالي البلجيكي المسؤول عن القضية الإدلاء بتصريحات.
واختُتمت جلسات المحاكمة في 9 أكتوبر، على أن يصدر الحكم في 15 ديسمبر. وقد يواجه بريسرز عقوبة تصل إلى 20 عاماً في السجن، بينما قد تصل عقوبة كارفاليو إلى 15 عاماً، في حال إدانتهما بالتهم الموجهة إليهما.
شبكات الجريمة المنظمة توسع حضورها في أوروبا
تتجاوز أهمية القضية حدود بلجيكا، إذ تكشف، وفق التقرير، عن اتساع الروابط بين شبكات الجريمة المنظمة في أميركا اللاتينية ونظيراتها الأوروبية. وأشار التقرير إلى أن يوروبول وأجهزة الشرطة والاستخبارات في دول أوروبية عدة، بينها البرتغال وإسبانيا وفرنسا وبلجيكا وهولندا وألمانيا وإيطاليا، رصدت خلال العقد الأخير خلايا مرتبطة بشبكات تهريب المخدرات القادمة من أميركا اللاتينية، مع امتدادات تصل إلى شمال أفريقيا والبلقان وأوروبا الشرقية.
وقال آندي كراغ، رئيس مركز الجريمة المنظمة في يوروبول، إن هذه الشبكات عززت حضورها في أوروبا عبر ما وصفه بـ«الوسطاء»، وهم عناصر يقدمون خدمات متخصصة مرتبطة بإنتاج الكوكايين ومعالجته داخل القارة، بما في ذلك استخراجه من المواد المستخدمة في التهريب أو معالجة عجينة الكوكا.
وأضاف أن نشاط المجرمين القادمين من أميركا اللاتينية في أوروبا يتزايد، وأن حضورهم أصبح أكثر استقراراً، مقارنة بمرحلة سابقة كان فيها مجرمون أوروبيون ينتقلون للإقامة في أميركا اللاتينية. ووفق مصادر أوروبية وأميركية لاتينية نقلت عنها الصحيفة، لم تعد هذه الجماعات تعتمد على التهريب وحده، بل توسعت داخل قطاعات الاقتصاد التقليدي والرقمي، مستفيدة من العملات المشفرة وشركات المقامرة والاستثمارات العقارية والمالية.
ارتفاع الطلب الأوروبي يعزز نفوذ شبكات الكوكايين
يربط خوان غابرييل توكاتليان، الخبير في الجريمة المنظمة بأميركا اللاتينية وأستاذ العلاقات الدولية في جامعة توركواتو دي تيلا في بوينس آيرس، توسع هذه الشبكات بالتغيرات التي شهدتها تجارة المخدرات الدولية. ويرى توكاتليان أن الحرب على المخدرات في كولومبيا دفعت الكارتلات إلى تطوير أساليب أكثر مرونة وقدرة على التكيف، ما ساعدها على توسيع أنشطتها خارج حدود المنطقة.
وقال إن استهلاك المخدرات في أوروبا شهد ارتفاعاً خلال السنوات الأخيرة، وإن القارة أصبحت سوقاً مهمة للكوكايين، بعدما كان وزنها في هذه التجارة أقل بكثير خلال ثمانينيات القرن الماضي. وأضاف أن تزايد الطلب الأوروبي، إلى جانب تقلب سياسات مكافحة المخدرات بين التشدد الأمني والتعايش مع الظاهرة، أسهم في تهيئة ظروف عززت نفوذ الجريمة المنظمة.
وتضم التنظيمات التي تلاحقها السلطات الأوروبية في هذا السياق «برايميرو كوماندو دا كابيتال» و«ترين دي أراغوا» وكارتل سينالوا و«كلان ديل غولفو» و«لوس لوبوس»، إلى جانب شبكات يُشتبه في ارتباط بعضها بمافيا «ندرانغيتا» الإيطالية ومنظمات إجرامية في منطقة البلقان.
وتشمل أنشطة هذه الجماعات، وفق التقرير، تهريب الكوكايين إلى أوروبا، ونقل الأسلحة والمخدرات الاصطناعية إلى أميركا اللاتينية، فضلاً عن إقامة تحالفات مع مجموعات إجرامية محلية.
«منصنة» الجريمة المنظمة وتحول طرق التهريب
من جانبه، يرى غابرييل فيلتران، عالم الاجتماع في معهد الدراسات السياسية بباريس ومدير الأبحاث في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، أن جماعات إجرامية كبرى مثل «برايميرو كوماندو دا كابيتال» وكارتل سينالوا باتت تنشئ ما يشبه المشاريع المشتركة مع منظمات أوروبية، بينها شبكات ألبانية ومافيا «ندرانغيتا».
وبحسب تحليله، تقوم هذه التحالفات على شراء الكوكايين مباشرة من المنتجين في أميركا اللاتينية، ثم تولي توزيعه حتى وصوله إلى المستهلك النهائي، بما يقلل الاعتماد على سلسلة طويلة من الوسطاء. ويصف فيلتران هذا التحول بأنه «منصنة الجريمة المنظمة»، في تشبيه بطريقة عمل المنصات الرقمية الكبرى، حيث تسعى الشبكات إلى التحكم في مراحل سلسلة التهريب بأكملها، من الإنتاج في أميركا اللاتينية إلى التوزيع في الشوارع الأوروبية.
ويعني هذا النموذج، وفق التقرير، تركيز السيطرة على الاتصالات والمدفوعات والمواد الكيميائية الأولية والمختبرات والخدمات اللوجستية، بينما يجري الاستعانة بناقلين ومشغلين محليين لتقديم خدمات محددة مقابل أجر، وقد لا يكون بعضهم على علم بطبيعة المواد التي ينقلها.
وتكشف قضية بريسرز وكارفاليو، في نهاية المطاف، عن تحولات في بنية الجريمة المنظمة العابرة للقارات، لم تعد فيها أوروبا مجرد سوق نهائية للكوكايين القادم من أميركا اللاتينية، بل أصبحت جزءاً من شبكة متداخلة من المصالح والعمليات، تتقاطع فيها الموانئ والشركات الوهمية والأموال الرقمية والاستثمارات العقارية مع أنشطة التهريب والعنف، ما يضع أجهزة إنفاذ القانون الأوروبية أمام تحديات أمنية متزايدة.
اقرأ المزيد
الأميرة مهرة آل نهيان أمام القضاء البريطاني بعد واقعة الكوكايين وإهمال طفل في لندن
مادورو وزوجته أمام القضاء الأمريكي.. اتهامات جديدة وتأجيل المحاكمة إلى 2027

