وطن-تكشف الجذور البولندية لعدد من أبرز قادة إسرائيل عن امتداد تاريخي طويل يربط بين اليهود وبولندا، التي تحولت على مدى قرون إلى واحدة من أهم مراكز الحياة اليهودية في أوروبا، قبل أن تدمر المحرقة النازية جانبًا كبيرًا من هذا الوجود خلال الحرب العالمية الثانية. ورغم الكارثة، بقيت آثار ذلك التاريخ حاضرة في السير الشخصية والسياسية لشخصيات تولت قيادة إسرائيل وأسهمت في تشكيل توجهاتها.
وفي متحف «بولين» بالعاصمة وارسو، تُروى حكاية تمتد لألف عام من تاريخ اليهود البولنديين، وهي خلفية تساعد على فهم المسارات التي قادت شخصيات مثل ديفيد بن غوريون، ومناحيم بيغن، وإسحاق رابين، وشمعون بيريز، وصولًا إلى بنيامين نتنياهو، إلى مواقع مؤثرة في السياسة الإسرائيلية.
وبحسب تقرير لصحيفة إسبانية، لم تكن بولندا مجرد محطة في تاريخ عائلات هؤلاء القادة، بل كانت أيضًا البيئة التي تشكلت فيها أفكار قومية وصهيونية تركت بصمتها على مسار الحركة الصهيونية وقيام إسرائيل.
## بْوُنسك.. المدينة التي انطلقت منها رحلة بن غوريون
وُلد ديفيد غرون، الذي عُرف لاحقًا باسم ديفيد بن غوريون، عام 1886 في مدينة بْوُنسك، الواقعة على بعد نحو 70 كيلومترًا شمال وارسو. ونشأ في بيئة يهودية كان والده أفيغدور غرون من الشخصيات التي ساهمت في تعريفه بالأفكار الصهيونية والدعوة إلى إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.
وفي مذكراته، أشار بن غوريون إلى أنه تعلم كلماته الأولى باللغة العبرية على يد جده تسفي آريه غرون، عندما كان في الثالثة من عمره. وكان جده يتحدث أيضًا البولندية والألمانية، ويقدم المشورة القانونية للأشخاص الذين يواجهون مشكلات مع الإدارة القيصرية.
وكان اليهود يشكلون نسبة كبيرة من سكان بْوُنسك؛ إذ بلغ عددهم، وفق التقرير، نحو خمسة آلاف من أصل ثمانية آلاف نسمة. واليوم، لا تزال المدينة تحتفظ ببعض الإشارات التذكارية إلى ابنها الذي أصبح لاحقًا أول رئيس حكومة لإسرائيل، من بينها ساحة تحمل اسمه ونصب تذكاري وشجرة للذاكرة.
وفي عام 1900، أسس بن غوريون منظمة صهيونية محلية باسم «عزرا»، هدفت إلى دراسة اللغة العبرية والتراث اليهودي. وكان أعضاؤها يتحدثون العبرية فيما بينهم، في مؤشر إلى تنامي الوعي القومي بين بعض الشباب اليهود في بولندا آنذاك.
وانخرط أعضاء المنظمة لاحقًا في تأسيس حزب «بوعالي تسيون»، وهو تيار صهيوني عمالي نشط في بولندا، وكان بن غوريون من مؤسسي فرعه في بْوُنسك.
وعندما بلغ العشرين من عمره، غادر بن غوريون إلى فلسطين، التي كانت خاضعة للحكم العثماني، برفقة راحيل نلكين، التي يصفها بعض كتاب سيرته بأنها حبيبته الأولى. ويروي الكاتب مايكل بار زوهار مشهد وداعهما في منزل عائلة غرون، وسط الأصدقاء الذين اجتمعوا لتوديعهما.
وتشير الرواية إلى أن بن غوريون لم يكن يملك المال الكافي لدفع أجرة العربة التي ستقله إلى محطة القطار، فوافق أحد سائقي العربات على نقله مجانًا. وبعد سنوات، عندما أصبح رئيسًا للحكومة الإسرائيلية، أرسل قطعة نقدية إلى المدينة، في لفتة رمزية لتسديد الدين الذي بقي عالقًا في ذاكرته.
## مناحيم بيغن.. من جامعة وارسو إلى قيادة الحكومة الإسرائيلية
وُلد مناحيم بيغن في 16 أغسطس 1913 في بريست-ليتوفسك، المدينة التي كانت تضم آنذاك جالية يهودية كبيرة. وعلى الرغم من تداول روايات تقول إن اسمه الأصلي كان ميتشيسواف بيغون، فإن سيرته الجامعية في وارسو لا تؤكد هذه المعلومة، إذ تسجله باسم مناحيم بيغن.
نشأ بيغن في عائلة ذات توجهات صهيونية، وتأثر بالمناخ القومي السائد في بولندا خلال سنوات شبابه. وينقل كاتب سيرته عوفر غروسبارد أن التعليم البولندي ركز على تاريخ البلاد وصراعها مع الغزوات والاحتلال الأجنبي، وعلى نضال البولنديين من أجل الاستقلال. ويرى غروسبارد أن هذه الأجواء انسجمت مع الأفكار التي تلقاها بيغن داخل أسرته بشأن إقامة دولة يهودية في فلسطين.
وفي عام 1931، انتقل بيغن إلى وارسو، حيث أقام في شارع سيراكوسكا بحي براغا. ولا يزال المبنى يحمل لوحة تذكارية تشير إلى إقامته فيه قبل أن يصبح رئيسًا لحكومة إسرائيل بين عامي 1977 و1982.
وفي عام 1935، تخرج بيغن في كلية الحقوق بجامعة وارسو، ثم واصل نشاطه في الحركة الصهيونية، قبل أن يتولى عام 1938 قيادة الفرع البولندي لحركة الشباب «بيتار»، التي تبنت مشروع إقامة دولة يهودية على ضفتي نهر الأردن.
وعقب الغزو الألماني لبولندا عام 1939، فر بيغن إلى فيلنيوس، بينما قُتل والداه وأحد أشقائه خلال المحرقة النازية. وفي عام 1940، رحّلته السلطات السوفيتية إلى سيبيريا، قبل الإفراج عنه في العام التالي. ثم التحق بالجيش البولندي في المنفى وانتقل معه إلى فلسطين عام 1942.
هناك، تولى قيادة منظمة «إرغون» الصهيونية المسلحة، التي ارتبط اسمها بعمليات عنف، من بينها تفجير فندق الملك داود عام 1946 ومذبحة دير ياسين عام 1948. وبعد قيام إسرائيل، انتهى نشاط المنظمة، وأسّس بيغن حزب «حيروت»، الذي أصبح لاحقًا أحد المكونات الرئيسية لحزب الليكود.
وبعد عقود، قاد بيغن الحكومة الإسرائيلية وشارك في مفاوضات كامب ديفيد مع الرئيس المصري أنور السادات، وهي المفاوضات التي مهدت لاتفاق السلام بين مصر وإسرائيل، وحصل على جائزة نوبل للسلام عام 1978. ويذكر التقرير أنه كان يتحدث باللغة البولندية مع زبيغنيو بريجنسكي، مستشار الرئيس الأمريكي جيمي كارتر، خلال محادثات كامب ديفيد.
## بن تسيون نتنياهو.. خلفية تاريخية أثرت في رؤية ابنه
تعود الجذور البولندية لبنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي، إلى والده بن تسيون نتنياهو، المؤرخ المتخصص في تاريخ العصور الوسطى، الذي وُلد في وارسو عام 1910 باسم بن تسيون ميليكوفيسكي.
وكان والده ناثان ميليكوفيسكي، وهو حاخام ذو أصول ليتوانية، ناشطًا في الدعوة الصهيونية، وجال في أوروبا والولايات المتحدة للترويج لفكرة العودة إلى صهيون. وفي وقت لاحق، غيّرت العائلة اسمها إلى «نتنياهو»، وهو اسم عبري يعني «الله أعطى».
غادر بن تسيون مع أسرته إلى فلسطين عندما كان في العاشرة من عمره، ثم درس التاريخ الوسيط في الجامعة العبرية في القدس، وتخرج عام 1933. وخلال العقود التالية، تنقلت العائلة بين إسرائيل والولايات المتحدة، حيث عمل في التدريس والبحث الأكاديمي في مؤسسات جامعية أمريكية، من بينها كلية دروبسي وجامعتا دنفر وكورنيل.
واشتهر بن تسيون نتنياهو بأبحاثه حول يهود إسبانيا في أواخر العصور الوسطى ومحاكم التفتيش. ففي كتابه «أصول محاكم التفتيش في إسبانيا في القرن الخامس عشر»، الصادر عام 1995، تحدى الرأي القائل إن غالبية اليهود الذين تحولوا إلى المسيحية ظلوا يمارسون اليهودية سرًا.
وجادل بأن عددًا كبيرًا من المتحولين اعتنقوا المسيحية فعلًا، لكنهم تعرضوا للاضطهاد بسبب أصولهم اليهودية، فضلًا عن مشاعر العداء والحسد التي أثارها نجاح بعضهم. وقد أثارت هذه القراءة نقاشًا بين المؤرخين، إذ رأى منتقدوه أن تفسيره تأثر بتصوراته عن تاريخ معاداة اليهود والمحرقة النازية.
وعلى المستوى السياسي والفكري، عُرف بن تسيون بتأكيده ضرورة امتلاك إسرائيل القوة الكافية لحماية اليهود. ويرى بعض المراقبين أن هذه الرؤية تركت أثرًا في تفكير ابنه بنيامين نتنياهو، خصوصًا في مواقفه المتعلقة بالأمن والتهديدات الإقليمية، وإن كان تحديد مدى هذا التأثير يظل مسألة تفسيرية.
## بولندا في سِيَر قادة إسرائيل
لا تقتصر الصلات التاريخية بين بولندا وإسرائيل على بن غوريون وبيغن ونتنياهو؛ إذ أشار التقرير إلى جذور بولندية ترتبط أيضًا بشخصيات سياسية إسرائيلية بارزة، من بينها إسحاق رابين، وشمعون بيريز، وإسحاق شامير، وأرييل شارون، وحاييم هرتسوغ.
وتعكس هذه الروابط حضور المجتمعات اليهودية في أوروبا الشرقية قبل الحرب العالمية الثانية، والدور الذي لعبته البيئات السياسية والاجتماعية في تشكيل بعض قادة الحركة الصهيونية والدولة الإسرائيلية. لكنها تذكّر أيضًا بتاريخ أكثر تعقيدًا، يجمع بين الحياة اليهودية التي ازدهرت في مدن بولندا ودمارها الواسع خلال المحرقة.
وبذلك، تبقى الجذور البولندية جزءًا من الخلفية التاريخية لفهم مسارات عدد من قادة إسرائيل، من نشأة الحركة الصهيونية في بلدات أوروبا الشرقية إلى تأسيس الدولة، ثم التحولات السياسية التي رسمت ملامحها في العقود اللاحقة.
وطن-تكشف الجذور البولندية لعدد من أبرز قادة إسرائيل عن امتداد تاريخي طويل يربط بين اليهود وبولندا، التي تحولت على مدى قرون إلى واحدة من أهم مراكز الحياة اليهودية في أوروبا، قبل أن تدمر المحرقة النازية جانبًا كبيرًا من هذا الوجود خلال الحرب العالمية الثانية. ورغم الكارثة، بقيت آثار ذلك التاريخ حاضرة في السير الشخصية والسياسية لشخصيات تولت قيادة إسرائيل وأسهمت في تشكيل توجهاتها.
وفي متحف «بولين» بالعاصمة وارسو، تُروى حكاية تمتد لألف عام من تاريخ اليهود البولنديين، وهي خلفية تساعد على فهم المسارات التي قادت شخصيات مثل ديفيد بن غوريون، ومناحيم بيغن، وإسحاق رابين، وشمعون بيريز، وصولًا إلى بنيامين نتنياهو، إلى مواقع مؤثرة في السياسة الإسرائيلية.
وبحسب تقرير لصحيفة إسبانية، لم تكن بولندا مجرد محطة في تاريخ عائلات هؤلاء القادة، بل كانت أيضًا البيئة التي تشكلت فيها أفكار قومية وصهيونية تركت بصمتها على مسار الحركة الصهيونية وقيام إسرائيل.
## بْوُنسك.. المدينة التي انطلقت منها رحلة بن غوريون
وُلد ديفيد غرون، الذي عُرف لاحقًا باسم ديفيد بن غوريون، عام 1886 في مدينة بْوُنسك، الواقعة على بعد نحو 70 كيلومترًا شمال وارسو. ونشأ في بيئة يهودية كان والده أفيغدور غرون من الشخصيات التي ساهمت في تعريفه بالأفكار الصهيونية والدعوة إلى إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.
وفي مذكراته، أشار بن غوريون إلى أنه تعلم كلماته الأولى باللغة العبرية على يد جده تسفي آريه غرون، عندما كان في الثالثة من عمره. وكان جده يتحدث أيضًا البولندية والألمانية، ويقدم المشورة القانونية للأشخاص الذين يواجهون مشكلات مع الإدارة القيصرية.
وكان اليهود يشكلون نسبة كبيرة من سكان بْوُنسك؛ إذ بلغ عددهم، وفق التقرير، نحو خمسة آلاف من أصل ثمانية آلاف نسمة. واليوم، لا تزال المدينة تحتفظ ببعض الإشارات التذكارية إلى ابنها الذي أصبح لاحقًا أول رئيس حكومة لإسرائيل، من بينها ساحة تحمل اسمه ونصب تذكاري وشجرة للذاكرة.
وفي عام 1900، أسس بن غوريون منظمة صهيونية محلية باسم «عزرا»، هدفت إلى دراسة اللغة العبرية والتراث اليهودي. وكان أعضاؤها يتحدثون العبرية فيما بينهم، في مؤشر إلى تنامي الوعي القومي بين بعض الشباب اليهود في بولندا آنذاك.
وانخرط أعضاء المنظمة لاحقًا في تأسيس حزب «بوعالي تسيون»، وهو تيار صهيوني عمالي نشط في بولندا، وكان بن غوريون من مؤسسي فرعه في بْوُنسك.
وعندما بلغ العشرين من عمره، غادر بن غوريون إلى فلسطين، التي كانت خاضعة للحكم العثماني، برفقة راحيل نلكين، التي يصفها بعض كتاب سيرته بأنها حبيبته الأولى. ويروي الكاتب مايكل بار زوهار مشهد وداعهما في منزل عائلة غرون، وسط الأصدقاء الذين اجتمعوا لتوديعهما.
وتشير الرواية إلى أن بن غوريون لم يكن يملك المال الكافي لدفع أجرة العربة التي ستقله إلى محطة القطار، فوافق أحد سائقي العربات على نقله مجانًا. وبعد سنوات، عندما أصبح رئيسًا للحكومة الإسرائيلية، أرسل قطعة نقدية إلى المدينة، في لفتة رمزية لتسديد الدين الذي بقي عالقًا في ذاكرته.
## مناحيم بيغن.. من جامعة وارسو إلى قيادة الحكومة الإسرائيلية
وُلد مناحيم بيغن في 16 أغسطس 1913 في بريست-ليتوفسك، المدينة التي كانت تضم آنذاك جالية يهودية كبيرة. وعلى الرغم من تداول روايات تقول إن اسمه الأصلي كان ميتشيسواف بيغون، فإن سيرته الجامعية في وارسو لا تؤكد هذه المعلومة، إذ تسجله باسم مناحيم بيغن.
نشأ بيغن في عائلة ذات توجهات صهيونية، وتأثر بالمناخ القومي السائد في بولندا خلال سنوات شبابه. وينقل كاتب سيرته عوفر غروسبارد أن التعليم البولندي ركز على تاريخ البلاد وصراعها مع الغزوات والاحتلال الأجنبي، وعلى نضال البولنديين من أجل الاستقلال. ويرى غروسبارد أن هذه الأجواء انسجمت مع الأفكار التي تلقاها بيغن داخل أسرته بشأن إقامة دولة يهودية في فلسطين.
وفي عام 1931، انتقل بيغن إلى وارسو، حيث أقام في شارع سيراكوسكا بحي براغا. ولا يزال المبنى يحمل لوحة تذكارية تشير إلى إقامته فيه قبل أن يصبح رئيسًا لحكومة إسرائيل بين عامي 1977 و1982.
وفي عام 1935، تخرج بيغن في كلية الحقوق بجامعة وارسو، ثم واصل نشاطه في الحركة الصهيونية، قبل أن يتولى عام 1938 قيادة الفرع البولندي لحركة الشباب «بيتار»، التي تبنت مشروع إقامة دولة يهودية على ضفتي نهر الأردن.
وعقب الغزو الألماني لبولندا عام 1939، فر بيغن إلى فيلنيوس، بينما قُتل والداه وأحد أشقائه خلال المحرقة النازية. وفي عام 1940، رحّلته السلطات السوفيتية إلى سيبيريا، قبل الإفراج عنه في العام التالي. ثم التحق بالجيش البولندي في المنفى وانتقل معه إلى فلسطين عام 1942.
هناك، تولى قيادة منظمة «إرغون» الصهيونية المسلحة، التي ارتبط اسمها بعمليات عنف، من بينها تفجير فندق الملك داود عام 1946 ومذبحة دير ياسين عام 1948. وبعد قيام إسرائيل، انتهى نشاط المنظمة، وأسّس بيغن حزب «حيروت»، الذي أصبح لاحقًا أحد المكونات الرئيسية لحزب الليكود.
وبعد عقود، قاد بيغن الحكومة الإسرائيلية وشارك في مفاوضات كامب ديفيد مع الرئيس المصري أنور السادات، وهي المفاوضات التي مهدت لاتفاق السلام بين مصر وإسرائيل، وحصل على جائزة نوبل للسلام عام 1978. ويذكر التقرير أنه كان يتحدث باللغة البولندية مع زبيغنيو بريجنسكي، مستشار الرئيس الأمريكي جيمي كارتر، خلال محادثات كامب ديفيد.
## بن تسيون نتنياهو.. خلفية تاريخية أثرت في رؤية ابنه
تعود الجذور البولندية لبنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي، إلى والده بن تسيون نتنياهو، المؤرخ المتخصص في تاريخ العصور الوسطى، الذي وُلد في وارسو عام 1910 باسم بن تسيون ميليكوفيسكي.
وكان والده ناثان ميليكوفيسكي، وهو حاخام ذو أصول ليتوانية، ناشطًا في الدعوة الصهيونية، وجال في أوروبا والولايات المتحدة للترويج لفكرة العودة إلى صهيون. وفي وقت لاحق، غيّرت العائلة اسمها إلى «نتنياهو»، وهو اسم عبري يعني «الله أعطى».
غادر بن تسيون مع أسرته إلى فلسطين عندما كان في العاشرة من عمره، ثم درس التاريخ الوسيط في الجامعة العبرية في القدس، وتخرج عام 1933. وخلال العقود التالية، تنقلت العائلة بين إسرائيل والولايات المتحدة، حيث عمل في التدريس والبحث الأكاديمي في مؤسسات جامعية أمريكية، من بينها كلية دروبسي وجامعتا دنفر وكورنيل.
واشتهر بن تسيون نتنياهو بأبحاثه حول يهود إسبانيا في أواخر العصور الوسطى ومحاكم التفتيش. ففي كتابه «أصول محاكم التفتيش في إسبانيا في القرن الخامس عشر»، الصادر عام 1995، تحدى الرأي القائل إن غالبية اليهود الذين تحولوا إلى المسيحية ظلوا يمارسون اليهودية سرًا.
وجادل بأن عددًا كبيرًا من المتحولين اعتنقوا المسيحية فعلًا، لكنهم تعرضوا للاضطهاد بسبب أصولهم اليهودية، فضلًا عن مشاعر العداء والحسد التي أثارها نجاح بعضهم. وقد أثارت هذه القراءة نقاشًا بين المؤرخين، إذ رأى منتقدوه أن تفسيره تأثر بتصوراته عن تاريخ معاداة اليهود والمحرقة النازية.
وعلى المستوى السياسي والفكري، عُرف بن تسيون بتأكيده ضرورة امتلاك إسرائيل القوة الكافية لحماية اليهود. ويرى بعض المراقبين أن هذه الرؤية تركت أثرًا في تفكير ابنه بنيامين نتنياهو، خصوصًا في مواقفه المتعلقة بالأمن والتهديدات الإقليمية، وإن كان تحديد مدى هذا التأثير يظل مسألة تفسيرية.
## بولندا في سِيَر قادة إسرائيل
لا تقتصر الصلات التاريخية بين بولندا وإسرائيل على بن غوريون وبيغن ونتنياهو؛ إذ أشار التقرير إلى جذور بولندية ترتبط أيضًا بشخصيات سياسية إسرائيلية بارزة، من بينها إسحاق رابين، وشمعون بيريز، وإسحاق شامير، وأرييل شارون، وحاييم هرتسوغ.
وتعكس هذه الروابط حضور المجتمعات اليهودية في أوروبا الشرقية قبل الحرب العالمية الثانية، والدور الذي لعبته البيئات السياسية والاجتماعية في تشكيل بعض قادة الحركة الصهيونية والدولة الإسرائيلية. لكنها تذكّر أيضًا بتاريخ أكثر تعقيدًا، يجمع بين الحياة اليهودية التي ازدهرت في مدن بولندا ودمارها الواسع خلال المحرقة.
وبذلك، تبقى الجذور البولندية جزءًا من الخلفية التاريخية لفهم مسارات عدد من قادة إسرائيل، من نشأة الحركة الصهيونية في بلدات أوروبا الشرقية إلى تأسيس الدولة، ثم التحولات السياسية التي رسمت ملامحها في العقود اللاحقة.
وطن-منذ القرن العاشر الميلادي، عبر اليهود الأراضي البولندية تجارًا، قبل أن تتحول بولندا لاحقًا إلى إحدى أهم الحواضر في التاريخ اليهودي الأوروبي. وفي متحف «بولين» في وارسو، تُروى حكاية تمتد لألف عام من تاريخ اليهود البولنديين، وهي حكاية مزقها الهولوكوست الذي ارتكبه النازيون خلال الحرب العالمية الثانية، لكنه لم يمحُ أثرها العميق في ذاكرة إسرائيل الحديثة.
وقالت صحيفة إسبانية إن هذا الارتباط التاريخي بين اليهود وبولندا يفسر جانبًا مهمًا من جذور عدد كبير من قادة إسرائيل، إذ وُلد أول رئيس حكومة إسرائيلي ديفيد بن غوريون في مدينة بْوُنسك، على بعد نحو 70 كيلومترًا شمال العاصمة البولندية وارسو. أما رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي بنيامين نتنياهو، فهو ابن بن تسيون نتنياهو، المؤرخ المتخصص في تاريخ العصور الوسطى، والمولود في وارسو.
وأضافت الصحيفة أن جذورًا بولندية تربط أيضًا أسماء بارزة في السياسة الإسرائيلية مثل مناحيم بيغن، وإسحاق شامير، وشمعون بيريز، وإسحاق رابين، وأرييل شارون، وحاييم هرتسوغ، ما يجعل بولندا جزءًا مهمًا من السيرة السياسية والشخصية لعدد من أبرز قادة إسرائيل.
من شوارع بْوُنسك إلى قيام دولة إسرائيل
بدأ حلم الدولة اليهودية، وفق ما أوردته الصحيفة الإسبانية، في شوارع مدينة بْوُنسك البولندية، حيث وُلد ديفيد غرون عام 1886، قبل أن يُعرف لاحقًا باسم ديفيد بن غوريون. كان والده أفيغدور غرون من أوائل من غرسوا فيه الفكر الصهيوني، باعتباره دعوة إلى عودة اليهود إلى أرض أجدادهم بعد قرابة ألفي عام من العيش في الشتات.
وفي مذكراته، يروي ديفيد بن غوريون أنه تعلم أولى كلماته بالعبرية من جده تسفي آريه غرون عندما كان في الثالثة من عمره فقط. وكان الجد، الذي أتقن أيضًا البولندية والألمانية، يقدم مشورات قانونية لمن يواجهون مشكلات مع الإدارة القيصرية في تلك الفترة.
وكشفت الصحيفة أن اليهود كانوا يشكلون حضورًا كثيفًا في تلك المنطقة من بولندا، بل كانوا في كثير من البلدات يمثلون الأغلبية السكانية. ففي بْوُنسك، كان عدد السكان نحو 8 آلاف نسمة، بينهم 5 آلاف يهودي. وبالقرب من المنزل الذي عاش فيه بن غوريون، تقوم اليوم ساحة تحمل اسمه، إلى جانب نصب تذكاري و«شجرة الذاكرة». أما في زمن إقامته هناك، فكانت توجد كنيسة يهودية قريبة من منزله.
وفي عام 1900، أسس بن غوريون، الذي كان يُلقب آنذاك بـ«دوبتشه»، منظمة صهيونية محلية حملت اسم «عزرا»، نسبة إلى عزرا الكاتب، وكان هدفها دراسة اللغة العبرية والتراث اليهودي. وكان أعضاء المنظمة يتحدثون فيما بينهم بالعبرية، في خطوة تعكس الطابع القومي الذي بدأ يتشكل مبكرًا بين الشباب اليهود في بولندا.
وبحسب الصحيفة الإسبانية، كان شباب «عزرا» بين مؤسسي حزب «بوعالي تسيون» في بولندا، وهو حزب صهيوني عمالي لعب دورًا مهمًا في بدايات الحركة الصهيونية. وكان بن غوريون أحد مؤسسي فرع الحزب في بْوُنسك، قبل أن ينتقل لاحقًا إلى فلسطين ويصبح الشخصية الأبرز في إعلان قيام دولة إسرائيل.
في سن العشرين، هاجر ديفيد بن غوريون مع حبيبته الأولى راحيل نلكين إلى فلسطين، التي كانت آنذاك تحت الحكم العثماني. ويصف الكاتب مايكل بار زوهار في سيرة بن غوريون مشهد وداعهما في فناء منزل أفيغدور غرون، حيث جلسا وسط الأصدقاء الذين جاءوا لتوديعهما، وبدت على وجهيهما ملامح تجمع بين الفرح والجدية. كانت راحيل ترتدي فستانًا طويلًا بياقة مطرزة، بينما ارتدى بن غوريون قميصًا أبيض وقبعة ذات حاجب وحذاءً أسود.
ويروي بار زوهار أن والد بن غوريون أطل من نافذة المنزل المفتوحة، بينما كان علم «بوعالي تسيون» يرفرف إلى جانبه. وتشير الرواية إلى أن بن غوريون لم يكن يملك المال الكافي لدفع أجرة العربة التي تنقله إلى محطة القطار، لكن أحد الحوذيين وافق على إيصاله مجانًا. وبعد سنوات طويلة، عندما أصبح رئيسًا لوزراء إسرائيل، قرر أن يسدد رمزيًا دينه للمدينة، فأرسل قطعة نقدية لا تزال محفوظة حتى اليوم.
مناحيم بيغن.. طالب في وارسو وزعيم لاحق في إسرائيل
قالت الصحيفة إن مناحيم بيغن وُلد في 16 أغسطس 1913، قبل عام واحد من اندلاع الحرب العالمية الأولى، في مدينة بريست-ليتوفسك الواقعة على ضفاف نهر بوغ، وكان عدد سكانها نحو 50 ألف نسمة، يشكل اليهود ثلاثة أرباعهم تقريبًا.
ورغم انتشار اعتقاد بأن اسمه الأصلي كان ميتشيسواف بيغون، فإن أياً من كتاب سيرته لم يؤكد ذلك. كما أن ملفه في جامعة وارسو لا يذكر هذا الاسم، بل يسجله باسم مناحيم بيغن.
نشأ بيغن، وفق ما أوردته الصحيفة الإسبانية، في بيئة صهيونية منذ طفولته. كما تأثر بالتعليم في بولندا، حيث كانت المشاعر القومية قوية للغاية. وينقل كاتب سيرته عوفر غروسبارد أن الطلاب كانوا يتعلمون كيف عانت بولندا من الغزوات والاحتلال الأجنبي، وكيف قاتل البولنديون بشجاعة من أجل استقلالهم. وكان الجو العام مشبعًا بإحساس قومي، وحب للوطن، واعتزاز بالانتماء، وإيمان ببقاء الأمة.
ويرى غروسبارد أن هذه الأجواء انسجمت تمامًا مع ما تعلمه بيغن من والده بشأن السعي إلى إقامة دولة يهودية في فلسطين.
وفي عام 1931، انتقل بيغن من بريست إلى وارسو، حيث عاش في شارع سيراكوسكا رقم 7 في حي براغا. ولا يزال المبنى يضم لوحة تذكارية تشير إلى أنه أقام فيه، باعتباره رئيس وزراء إسرائيل لاحقًا بين عامي 1977 و1982، والحائز جائزة نوبل للسلام عام 1978 بعد مفاوضات اتفاقيات كامب ديفيد مع الرئيس المصري أنور السادات.
وأضافت الصحيفة أن بيغن، خلال محادثات كامب ديفيد، كان يقضي بعض الوقت في لعب الشطرنج مع زبيغنيو بريجنسكي، مستشار الرئيس الأمريكي جيمي كارتر، وكانا يتحدثان باللغة البولندية.
في عام 1935، تخرج بيغن في كلية الحقوق بجامعة وارسو. وخلال ثلاثينيات القرن الماضي، انخرط بنشاط في الحركة الصهيونية، قبل أن يصبح عام 1938 زعيم الفرع البولندي من حركة الشباب «بيتار»، التي كانت تدعو إلى إقامة دولة يهودية على ضفتي نهر الأردن.
وعندما غزا الألمان وارسو عام 1939، فر بيغن إلى فيلنيوس. أما والداه وأحد أشقائه، فقد قُتلوا في معسكرات الاعتقال النازية، في واحدة من المآسي التي طبعت سيرته السياسية والشخصية.
وبحسب الصحيفة الإسبانية، رحّلت السلطات السوفيتية بيغن إلى سيبيريا عام 1940، لكنه أُفرج عنه في العام التالي، فالتحق بالجيش البولندي في المنفى، وانتقل معه إلى فلسطين عام 1942. وهناك بدأت مرحلة جديدة من حياته، أولًا كقائد لمنظمة «إرغون» الصهيونية شبه العسكرية، التي ارتبط اسمها بتفجير فندق الملك داود ومذبحة دير ياسين.
وبعد قيام دولة إسرائيل، حُلّت منظمة «إرغون» أو «إتسل»، وأسس بيغن حزب «حيروت»، الذي أصبح لاحقًا أحد المكونات الرئيسية لحزب الليكود، القوة السياسية التي ما زالت تلعب دورًا محوريًا في إسرائيل حتى اليوم.
بن تسيون نتنياهو.. الأب الذي ترك أثره في «بيبي»
خصصت الصحيفة الإسبانية جانبًا من تقريرها لبن تسيون نتنياهو، والد بنيامين نتنياهو، واصفة إياه بأنه صهيوني متشدد عُرف قبل كل شيء بالتأثير العميق الذي تركه في ابنه، رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي. فقد كان بن تسيون يؤكد باستمرار ضرورة اليقظة الدائمة دفاعًا عن الحقوق اليهودية.
ورأى كثيرون أن طريقة بنيامين نتنياهو في التعامل مع ملف إيران، على وجه الخصوص، تعكس إلى حد بعيد النظرة المتشائمة للعالم التي تبناها والده.
وُلد بن تسيون ميليكوفيسكي في وارسو عام 1910، عندما كانت بولندا جزءًا من الإمبراطورية الروسية. وكان في العاشرة من عمره حين غادرت عائلته إلى فلسطين الخاضعة للانتداب البريطاني. أما والده، الحاخام ناثان ميليكوفيسكي، ذو الأصول الليتوانية، فقد غيّر اسم العائلة لاحقًا إلى الاسم العبري «نتنياهو»، الذي يعني «الله أعطى».
وطاف ناثان ميليكوفيسكي أوروبا وأمريكا داعيًا اليهود إلى «العودة إلى صهيون»، في إطار النشاط الصهيوني المبكر الذي أثّر بدوره في ابنه بن تسيون.
درس بن تسيون نتنياهو التاريخ الوسيط في الجامعة العبرية في القدس، وتخرج فيها عام 1933. ومن خمسينيات القرن العشرين حتى سبعينياته، تنقلت عائلة نتنياهو بين إسرائيل والولايات المتحدة، حيث درّس بن تسيون في كلية دروبسي في فيلادلفيا، وجامعة دنفر، وجامعة كورنيل.
ومع مرور الوقت، عمل بن تسيون على أطروحة أثارت نقاشًا واسعًا حول يهود إسبانيا في أواخر العصور الوسطى. فقد كان الرأي السائد يرى أن «المتحولين» إلى المسيحية ظلوا يهودًا سرًا، وأن محاكم التفتيش لاحقتهم لهذا السبب.
لكن بن تسيون نتنياهو طرح في كتابه «أصول محاكم التفتيش في إسبانيا في القرن الخامس عشر»، الصادر عام 1995، قراءة مختلفة. فقد اعتبر أن فكرة بقاء معظم المتحولين على يهوديتهم سرًا ليست سوى «وهم رومانسي»، وأن الغالبية قبلت الكاثوليكية بصدق ورغبت في الاندماج، لكنها تعرضت للاضطهاد بسبب أصولها اليهودية وبسبب ما أثاره نجاحها من حسد لدى المسيحيين.
وأشارت الصحيفة الإسبانية إلى أن منتقدي بن تسيون رأوا أنه كان متأثرًا في قراءته التاريخية بتصوراته عن الهولوكوست ومعاناة اليهود في أوروبا. أما خلاصته الأساسية فكانت واضحة: لا يمكن إنقاذ يهود الشتات، في رأيه، إلا بوجود دولة إسرائيل قوية وقادرة على حمايتهم.
وهكذا، تكشف الجذور البولندية لقادة إسرائيل أن العلاقة بين بولندا والتاريخ السياسي الإسرائيلي ليست تفصيلًا عابرًا، بل مسار طويل بدأ من مدن وبلدات يهودية في أوروبا الشرقية، وانتهى إلى شخصيات صنعت جزءًا كبيرًا من تاريخ الدولة العبرية، من ديفيد بن غوريون إلى بنيامين نتنياهو.
اقرأ المزيد
مذكرات الاعتقال وقضية الإبادة.. هل يصبح نتنياهو أكثر عرضة للملاحقة بعد ترك السلطة؟
انتخابات إسرائيل 2026.. تصويت فلسطيني قياسي يربك نتنياهو والمعارضة ويعطل تشكيل الحكومة

