وطن-دعا وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي إلى إنشاء إطار أمني إقليمي يقوم على ميثاق «عدم اعتداء» يجمع دول مجلس التعاون الخليجي الست وإيران والعراق، في خطوة تهدف إلى تعزيز التعاون الإقليمي وتقليل الاعتماد على القوى الخارجية في إدارة أمن الخليج، وسط تصاعد التوترات العسكرية والسياسية في المنطقة.
وقالت صحيفة «ميدل إيست آي» البريطانية إن البوسعيدي طرح المبادرة خلال كلمة ألقاها الاثنين في جامعة كامبريدج بالمملكة المتحدة، مؤكداً أن دول المنطقة مطالبة بتحمل مسؤولية أمنها بصورة جماعية، بدلاً من الاستمرار في الاعتماد على ترتيبات أمنية تحدد القوى الخارجية شروطها وأولوياتها.
وأوضح الوزير العُماني أن الملف النووي الإيراني وأمن مضيق هرمز يمثلان من أبرز التحديات التي تواجه المنطقة، مشيراً إلى أن غياب التوافق الإقليمي يترك مستقبل الخليج عرضة للتجاذبات الدولية. وشدد على ضرورة إشراك جميع الأطراف المعنية في بناء منظومة أمنية مشتركة قادرة على معالجة الخلافات ومنع تحولها إلى مواجهات عسكرية.
وتأتي الدعوة العُمانية في وقت تتزايد فيه المخاوف من اتساع الصراع الإقليمي، وسط مساعٍ دبلوماسية لإنهاء الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، والبحث عن ترتيبات تحول دون تجدد المواجهات وما قد يرافقها من تداعيات أمنية واقتصادية على دول المنطقة.
تحركات إقليمية لبحث مستقبل أمن الخليج
بالتزامن مع دعوة مسقط، تحدثت «ميدل إيست آي» عن تحركات دبلوماسية إقليمية شملت اجتماعات في طهران بين مسؤولين من السعودية وتركيا وباكستان، في إطار مساعٍ للبحث عن مخرج للأزمة وبناء مقاربة أمنية لا تعتمد بصورة كاملة على الولايات المتحدة.
ونقلت الصحيفة عن المسؤول الإيراني محسن رضائي قوله إن هذه المحادثات تعكس، من وجهة نظره، تحولاً في طريقة تعامل القوى الإقليمية مع التهديدات الأميركية، مشيراً إلى أن دول المنطقة باتت أكثر اهتماماً بتطوير قنواتها الدبلوماسية الخاصة.
وتعكس هذه التحركات، وفق التقرير، تنامي النقاش بشأن قدرة الدول الإقليمية على إدارة خلافاتها الأمنية بصورة مباشرة، في ظل المخاوف من أن يؤدي استمرار المواجهة بين واشنطن وطهران إلى تعريض دول الخليج لمزيد من المخاطر.
لكن بناء إطار أمني مشترك يظل مرتبطاً بقدرة الأطراف المعنية على تجاوز خلافاتها بشأن البرنامج النووي الإيراني، والوجود العسكري الأميركي، وأمن الممرات البحرية، فضلاً عن الضمانات التي يمكن أن تمنع الاعتداءات المتبادلة وتضمن احترام سيادة الدول.
البوسعيدي يرفض استبعاد إيران من منظومة الأمن الخليجي
انتقد وزير الخارجية العُماني التصورات التي تجعل إيران التهديد الأمني الرئيسي في المنطقة، معتبراً أن استبعادها من ترتيبات أمن الخليج أسهم في تكريس حالة عدم الاستقرار.
وبحسب «ميدل إيست آي»، رأى البوسعيدي أن افتراض وجود عداء جوهري ودائم بين إيران والدول العربية الخليجية يمثل أساساً غير سليم لبناء منظومة أمنية مستقرة، مشيراً إلى أن العلاقات بين العرب والفرس امتدت لقرون، وشهدت خلافات وتعاوناً من دون أن تكون محكومة بصراع وجودي دائم.
وأكد الوزير أن أي بنية أمنية إقليمية تستبعد إيران ستظل عرضة للاختلال، لأن أمن الخليج، وفق طرحه، لا يمكن ضمانه بصورة مستدامة من خلال إقصاء إحدى القوى الرئيسية المطلة عليه.
وتستند المبادرة العُمانية إلى فكرة أن الأمن الجماعي يتطلب مشاركة الدول المعنية في صياغة قواعد واضحة لتنظيم العلاقات بينها، بما يشمل الالتزام بعدم الاعتداء، وتطوير آليات للحوار وتسوية النزاعات، والحد من مخاطر التصعيد العسكري.
غير أن نجاح هذا التصور سيعتمد على مدى استعداد الدول المشاركة لتقديم ضمانات متبادلة، ومعالجة الملفات الخلافية التي ظلت مصدراً للتوتر، إلى جانب الاتفاق على آليات عملية لمراقبة الالتزامات والتعامل مع أي خروقات محتملة.
الحرب على إيران تكشف كلفة الاعتماد على الترتيبات الخارجية
ربط البوسعيدي دعوته إلى إعادة تنظيم أمن الخليج بالتداعيات التي شهدتها المنطقة خلال الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، معتبراً أن الأحداث الأخيرة أظهرت الكلفة الكبيرة لاستمرار المقاربات الأمنية القائمة على المواجهة والإقصاء.
ووفق ما أوردته الصحيفة، عبّرت دول خليجية عن استيائها من عدم قدرتها على تجنب تداعيات التصعيد، رغم الشراكات الأمنية والعسكرية التي تربطها بالولايات المتحدة. كما تعرضت منشآت ومصالح في المنطقة لمخاطر مرتبطة بالهجمات المتبادلة، ما أعاد طرح تساؤلات بشأن حدود الحماية التي توفرها التحالفات العسكرية الخارجية.
اقتصادياً، أشار التقرير إلى أن أسواق الإمارات تعرضت لضغوط كبيرة خلال مارس، مع خسارة أسواق دبي وأبوظبي المالية أكثر من 120 مليار دولار من قيمتها السوقية، إلى جانب إلغاء أكثر من 18 ألفاً و400 رحلة جوية.
وامتدت المخاوف إلى حركة التجارة العالمية وإمدادات الطاقة، في ظل التوترات المحيطة بمضيق هرمز، الذي يمثل ممراً حيوياً لصادرات النفط والغاز. وأظهرت الأزمة مدى ارتباط استقرار اقتصادات الخليج بأمن الملاحة البحرية واستمرار تدفق السلع والطاقة عبر الممرات الاستراتيجية.
وتعزز هذه التداعيات، وفق الرؤية التي طرحها الوزير العُماني، الحاجة إلى ترتيبات أمنية تركز على منع الصراعات قبل اندلاعها، بدلاً من الاكتفاء بالتعامل مع نتائجها العسكرية والاقتصادية.
ميثاق عدم الاعتداء.. ما الذي تسعى إليه عُمان؟
يقوم المقترح العُماني على جمع دول مجلس التعاون الخليجي الست، وهي السعودية والإمارات وقطر والكويت والبحرين وعُمان، إلى جانب إيران والعراق، ضمن إطار يهدف إلى تثبيت مبدأ عدم الاعتداء وتطوير الحوار بشأن أمن المنطقة.
ولا يعني هذا الطرح بالضرورة إنهاء الشراكات العسكرية القائمة مع الولايات المتحدة أو غيرها من القوى الدولية، لكنه يفتح النقاش بشأن إمكان إعادة صياغة هذه العلاقات بحيث تصبح أكثر تنوعاً، مع إعطاء الدول الإقليمية دوراً أكبر في تحديد أولوياتها الأمنية.
وأشار البوسعيدي، بحسب الصحيفة، إلى إمكان تطور الشراكات الخارجية، بما فيها العلاقة مع واشنطن، من التركيز على الالتزامات العسكرية المباشرة إلى توسيع مجالات التعاون الاقتصادي والاستثماري.
ويمثل هذا التوجه محاولة لإيجاد توازن بين استمرار العلاقات الدولية لدول الخليج وبين بناء قدرة إقليمية أكبر على إدارة الأزمات. إلا أن تحويل المبادرة إلى اتفاق فعلي يتطلب تفاهمات بشأن طبيعة الالتزامات، وآليات حل النزاعات، ومستوى التعاون الأمني، وضمانات احترام سيادة الدول.
كما أن التباينات بين الدول المعنية بشأن إيران والوجود العسكري الأجنبي وأمن الملاحة قد تجعل المفاوضات معقدة، حتى إذا اتفقت الأطراف على أهمية تجنب حرب إقليمية واسعة.
هل يستطيع الخليج بناء منظومة أمنية مستقلة؟
تضع المبادرة العُمانية مستقبل أمن الخليج أمام نقاش يتجاوز العلاقات الثنائية والتحالفات العسكرية، ليشمل إمكان بناء نظام إقليمي تشارك فيه الدول المطلة على المنطقة في صياغة قواعد الأمن والاستقرار.
ويعكس طرح ميثاق عدم الاعتداء توجهاً نحو معالجة الخلافات عبر الحوار والضمانات المتبادلة، بدلاً من الاعتماد الحصري على الردع العسكري أو تدخل القوى الخارجية. لكن نجاح هذا المسار سيظل مرهوناً بوجود إرادة سياسية مشتركة، واستعداد الأطراف لمعالجة مصادر التوتر، والاتفاق على قواعد قابلة للتطبيق.
وفي ظل استمرار المخاوف من تجدد الحرب على إيران، تكتسب الدعوة العُمانية أهمية خاصة باعتبارها محاولة لفتح مسار دبلوماسي إقليمي، لا بوصفها اتفاقاً أُنجز بالفعل. فالفارق كبير بين طرح ميثاق سياسي وبين التوصل إلى صيغة ملزمة تحظى بموافقة جميع الأطراف.
وبين الرغبة في تقليل الاعتماد على القوى الخارجية وصعوبة تجاوز الخلافات الإقليمية، يبقى التحدي الأساسي أمام دول الخليج وإيران والعراق هو تحويل الدعوات إلى الأمن الجماعي إلى آليات عملية قادرة على منع التصعيد وحماية المصالح الاقتصادية والاستراتيجية للمنطقة.
اقرأ المزيد
واشنطن وطهران على حافة مواجهة جديدة.. إيران تهدد مراكز البيانات والطاقة في الخليج
صادرات النفط الخليجية تتجاوز مستويات ما قبل الحرب.. بدائل هرمز تقلّص ورقة الضغط الإيرانية
أزمة الطاقة تضغط على أوروبا.. حروب الخليج وأوكرانيا تدفع التضخم إلى مستويات مقلقة
إيران تجمع الخليج والعراق في عُمان.. هل يبدأ احتواء أزمة مضيق هرمز؟
إسرائيل تسعى لبيع أسلحة لدول الخليج.. هل يتحول التطبيع إلى تعاون عسكري؟

