وطن-أثارت الغارات الجوية الأردنية التي استهدفت مواقع في جنوب سوريا موجة من التوتر بين عمّان ودمشق، بعدما أعلنت السلطات السورية مقتل سبعة مدنيين، بينهم ثلاثة أطفال، جراء الضربات التي قالت الأردن إنها استهدفت مواقع لتنظيمات مسلحة مرتبطة بهجوم دامٍ على مراسم تشييع قرب كنيسة في محافظة الكرك الأردنية.
ونفذ سلاح الجو الأردني، مساء الاثنين 26 أكتوبر، عملية حملت اسم «الردع الأردني ـ حمود»، قال الجيش إنها استهدفت مواقع لمجموعات وصفها بالإرهابية في جنوب شرق سوريا، ردًا على الهجوم الذي أودى بحياة تسعة أشخاص وأصاب 34 آخرين في الأردن. وأعلنت عمّان لاحقًا أن الضربات أسفرت عن مقتل أكثر من 20 من عناصر تنظيم الدولة الإسلامية، مع إقرارها بسقوط ضحايا مدنيين.
سبعة مدنيين قتلى.. وأطفال بين الضحايا
أفادت السلطات السورية بمقتل سبعة مدنيين جراء الغارات التي طالت مناطق في محافظتي درعا والسويداء، بينهم ثلاثة أطفال وامرأة ورجلان مسنان، وفق حصيلة أوردتها وسائل إعلام دولية نقلًا عن فرق الإنقاذ والجهات الصحية السورية.
وكانت إحدى الضربات قد أصابت منزلًا أو موقع إقامة لعائلة في قرية الطف بمنطقة اللجاة في ريف درعا، ما أدى إلى مقتل خمسة من أفرادها، بينهم ثلاثة أطفال وامرأة. كما سقط قتيلان آخران في مواقع متفرقة من جنوب سوريا، فيما أُصيب آخرون جراء القصف.
وأظهرت صور من المنطقة حجم الدمار الذي خلفته الضربات، بينما تحدث سكان عن انتشال جثامين من تحت الأنقاض. وأثارت هذه الحصيلة تساؤلات بشأن طبيعة الأهداف التي تعرضت للقصف ومدى اتخاذ الاحتياطات اللازمة لتجنب إصابة المدنيين.
وفي المقابل، قالت الحكومة الأردنية إن العملية استهدفت مواقع مرتبطة بتنظيم الدولة الإسلامية، وإنها استندت إلى معلومات استخباراتية بشأن تهديدات وهجمات محتملة تستهدف أمن المملكة. وأعربت عمّان عن أسفها لسقوط ضحايا مدنيين، من دون أن يعني ذلك حسم المسؤولية القانونية عن كل ضربة أو ملابساتها.
هل نسّقت عمّان مع دمشق قبل القصف؟
برز الخلاف الأوضح بين البلدين في مسألة التنسيق المسبق. ففي بيان للجيش الأردني، قيل إن العملية نُفذت بالتنسيق مع الحكومة السورية، وإن المواقع المستهدفة ترتبط بمجموعات مسلحة يُعتقد أن لها صلة بالهجوم الذي وقع في الكرك.
لكن دمشق قدمت رواية مختلفة، مؤكدة أن الغارات نُفذت من دون تنسيق أو إخطار مسبق، ووصفت دخول الطائرات الأردنية المجال الجوي السوري بأنه انتهاك للسيادة الوطنية. كما أعلنت فتح تحقيق لمتابعة ملابسات الهجمات وتقييم آثارها.
ويضع هذا التباين البلدين أمام أسئلة حساسة بشأن آليات التعاون الأمني على الحدود، والجهة التي تتولى تحديد الأهداف، وكيفية تبادل المعلومات الاستخباراتية قبل تنفيذ عمليات عسكرية داخل الأراضي السورية.
ورغم اعتراض دمشق على طريقة تنفيذ الضربات، لم تعلن قطع الاتصالات مع عمّان؛ بل أكدت استمرار التواصل والعمل على احتواء التداعيات، في مؤشر إلى أن الطرفين يسعيان إلى منع الخلاف من التحول إلى أزمة أوسع.
هجوم الكرك.. ما الذي دفع الأردن إلى الرد؟
جاءت الغارات بعد هجوم مسلح استهدف مراسم تشييع مرتبطة بكنيسة في محافظة الكرك جنوبي الأردن، وأسفر عن مقتل تسعة أشخاص وإصابة 34 آخرين، وفق التقارير المنشورة.
وأعلنت السلطات الأردنية توقيف ثلاثة مشتبه بهم على خلفية الهجوم، بعد اشتباك مسلح خلال عملية أمنية في الكرك. وقالت عمّان إن لديها معلومات تربط المشتبه بهم بجماعات مسلحة تنشط في جنوب سوريا، وهو ما استندت إليه في تبرير الضربات عبر الحدود.
وتصف السلطات الأردنية العملية بأنها رد أمني يستهدف منع هجمات جديدة، فيما لا تزال تفاصيل التحقيق والروابط التنظيمية للمشتبه بهم بحاجة إلى ما تكشفه التحقيقات الرسمية. كما يتعين التمييز بين الاتهامات المعلنة بشأن ارتباط المشتبه بهم بجماعات مسلحة وبين الأدلة التي ستثبتها الجهات المختصة.
وتسلط هذه التطورات الضوء على صعوبة التعامل مع التهديدات العابرة للحدود في منطقة لا تزال تعاني هشاشة أمنية، إذ يمكن لأي هجوم داخل الأردن أن يمتد أثره سريعًا إلى الأراضي السورية، بما يرفع احتمالات التصعيد ويزيد مخاطر تعرض المدنيين للخطر.
إغلاق معبر نصيب ثم إعادة فتحه
امتدت تداعيات الغارات إلى حركة العبور بين البلدين؛ إذ أعلنت السلطات السورية إغلاق معبر نصيب الحدودي مع الأردن مؤقتًا يوم الثلاثاء، مع تعليق حركة المسافرين والشحن التجاري في الاتجاهين، لأسباب أمنية مرتبطة بالتطورات الميدانية.
لكن الإغلاق لم يستمر طويلًا. فقد أفادت تقارير نُشرت الأربعاء 28 أكتوبر بأن المعبر سيعود إلى العمل بصورة طبيعية اعتبارًا من صباح اليوم نفسه، بما يسمح باستئناف حركة المسافرين والشاحنات التجارية. ويُعد نصيب المعبر البري الرئيسي المفتوح لحركة الركاب والتجارة بين سوريا والأردن.
ويعكس الإغلاق المؤقت مدى سرعة انتقال تبعات العمليات العسكرية من الميدان إلى حركة التنقل والتجارة، خصوصًا في منطقة يعتمد فيها الأفراد والشركات على المعبر لتبادل البضائع والتنقل بين البلدين.
لجنة أمنية مشتركة لاحتواء الأزمة
في محاولة لتطويق الخلاف، اتفق وزيرا خارجية سوريا والأردن على تشكيل لجنة أمنية مشتركة تتولى التحقيق في تفاصيل العمليات العسكرية الأخيرة ومتابعة نتائجها، إلى جانب تطوير آليات للتنسيق الميداني والاستخباراتي في مواجهة التهديدات الإرهابية.
وأكد وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي احترام بلاده لسيادة سوريا وأمنها واستقرارها، معربًا عن أسفه لسقوط ضحايا مدنيين. من جهته، شددت دمشق على ضرورة حماية سيادتها ومنع تكرار عمليات عسكرية من دون تنسيق مسبق، مع الحفاظ على التعاون الأمني بين البلدين.
ومن المنتظر أن يكون عمل اللجنة مهمًا في توضيح ملابسات الغارات، بما في ذلك الأهداف التي استُهدفت، والمعلومات التي استندت إليها العملية، وطبيعة التنسيق الذي سبقها أو غاب عنها. كما ستواجه اللجنة مهمة إيجاد آليات عملية تتيح التعامل مع التهديدات الحدودية من دون تعريض السكان للخطر.
بين مكافحة الإرهاب وحماية المدنيين
تضع الغارات الأردنية جنوب سوريا معادلة أمنية معقدة أمام البلدين: فمن حق الدول اتخاذ تدابير لحماية أمنها ومواجهة الجماعات المسلحة، لكن هذه التدابير تثير أسئلة بشأن احترام سيادة الدول الأخرى والالتزامات المتعلقة بحماية المدنيين أثناء العمليات العسكرية.
وتزداد حساسية المسألة في ظل الحصيلة التي أعلنتها السلطات السورية، والتي شملت أطفالًا وأفرادًا من عائلة واحدة، بينما تقول عمّان إن الضربات استهدفت مواقع لمسلحين يشكلون تهديدًا لأمنها. ولا يمكن حسم هذه الروايات المتباينة من دون تحقيق يراجع الأدلة والوقائع الميدانية.
ومع إعادة فتح معبر نصيب والاتفاق على لجنة أمنية مشتركة، تبدو الأولوية الآن منع اتساع الأزمة وتحديد المسؤوليات، بالتوازي مع معالجة التهديدات التي دفعت إلى العملية الأردنية.
ويبقى السؤال الأهم: هل تنجح آليات التنسيق والتحقيق المشترك في منع تكرار الضربات وحماية الحدود، أم أن غياب الثقة والاختلاف بشأن السيادة والأهداف العسكرية سيبقيان جنوب سوريا أمام خطر جولات جديدة من التصعيد؟
اقرأ ايضاً
دمشق: الغارات الأردنية على جنوب سوريا لم تُنسّق معنا.. واتصالات جارية مع عمّان

