وطن-أفرزت الانتخابات الإسرائيلية لعام 2026 مشهداً سياسياً معقداً، بعدما أخفق معسكر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في حصد أغلبية برلمانية واضحة، في وقت حققت فيه الأحزاب العربية تقدماً لافتاً قد يمنحها دوراً مؤثراً في المفاوضات المتعلقة بتشكيل الحكومة المقبلة.
وبحسب النتائج الأولية التي أوردتها وسائل إعلام إسرائيلية ودولية في 28 أكتوبر/تشرين الأول، حصل المعسكر المؤيد لنتنياهو على نحو 53 مقعداً، مقابل 48 مقعداً للمعسكر المعارض بقيادة غادي آيزنكوت، بينما ارتفع تمثيل الأحزاب العربية إلى 19 مقعداً في أحد التقديرات. وتظل هذه الأرقام مرتبطة بمرحلة فرز الأصوات، ولا تعني أن أي طرف حسم قدرته على تشكيل الحكومة.
نتنياهو يتراجع.. لكنه لم يُقصَ من المشهد
يرى تحليل «ميدل إيست آي» أن نتنياهو خاض حملته في ظل تداعيات هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، الذي كشف إخفاقات أمنية واستخباراتية واسعة وأطلق مرحلة من الحروب والتصعيد الإقليمي.
وبحسب قراءة الكاتب، سعى نتنياهو إلى تقديم نفسه باعتباره القائد القادر على استعادة قوة إسرائيل، مع التركيز على مسؤولية المؤسسة العسكرية والأمنية عن الإخفاقات التي سبقت الهجوم، بدلاً من تحمّل المسؤولية السياسية كاملة عنها.
وتشير النتائج الأولية إلى أن هذا الخطاب لم يمنح معسكره أغلبية مريحة، لكنه لم يؤدِّ أيضاً إلى انهيار قاعدته الانتخابية. فقد ظل نتنياهو في قلب المنافسة على تشكيل الحكومة، بينما لم يتمكن المعسكر المعارض من حسم أغلبية مستقلة تتيح له تولي السلطة بسهولة.
وهكذا، لا تقتصر المعضلة على عدد المقاعد التي خسرها معسكر نتنياهو مقارنة بانتخابات 2022، بل تمتد إلى قدرة كل طرف على بناء تحالف يضم 61 نائباً على الأقل في الكنيست المؤلف من 120 مقعداً.
الأحزاب العربية في قلب مفاوضات تشكيل الحكومة
كان من أبرز ملامح الانتخابات التقدم الذي حققته الأحزاب العربية، في نتيجة قد تعزز موقعها التفاوضي وتضع مسألة التعاون معها أمام القوى اليهودية المعارضة لنتنياهو. ووفق الأرقام الأولية التي نشرتها وسائل إعلام إسرائيلية، بلغ مجموع مقاعد الأحزاب العربية 19 مقعداً في أحد التقديرات، وهو مستوى وصفته التقارير بأنه إنجاز غير مسبوق في التمثيل البرلماني العربي.
وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة لأن المواطنين الفلسطينيين داخل إسرائيل يشكلون نحو خُمس السكان، لكن مشاركتهم في الائتلافات الحكومية ظلت موضع خلاف سياسي طويل، ولا سيما لدى أحزاب صهيونية اعتادت التحفظ على الاعتماد على دعم الأحزاب العربية لتشكيل الحكومات.
ويشير تحليل «ميدل إيست آي» إلى أن صعود التمثيل العربي لا يعكس فقط رغبة في تحسين الخدمات العامة، بل يرتبط أيضاً بمخاوف من سياسات اليمين المتشدد، وبأزمات تواجه البلدات العربية، من بينها الجريمة المنظمة والعنف، وأزمة السكن، والتمييز في توزيع الموارد.
وبهذا المعنى، قد تصبح الأحزاب العربية عاملاً مؤثراً في تحديد شكل الحكومة المقبلة، حتى إذا لم تنضم رسمياً إلى ائتلاف حكومي.
القائمة المشتركة و«راعم».. مساران مختلفان للتمثيل العربي
تتمثل إحدى القضايا الأساسية التي يثيرها التحليل في التباين بين نهجين سياسيين داخل المجتمع الفلسطيني في إسرائيل. فمنصور عباس، زعيم حزب «راعم»، تبنى نهجاً يقوم على التعاون مع الأحزاب اليهودية من أجل تحقيق مكاسب عملية للمجتمع العربي، تشمل الخدمات والبنية التحتية والتعليم والأمن الشخصي. وقد أتاح هذا التوجه لحزبه المشاركة في ترتيبات سياسية سابقة، لكنه أثار أيضاً نقاشاً حول حدود التعاون مع مؤسسات الدولة الإسرائيلية، ومدى ارتباط المطالب المدنية بالقضية الفلسطينية الأوسع.
في المقابل، تمسكت القائمة المشتركة بخطاب يربط المطالب اليومية للمواطنين الفلسطينيين داخل إسرائيل بقضايا الهوية الوطنية والحقوق الفلسطينية والاحتلال، مؤكدة أن تحسين الظروف المعيشية لا ينبغي أن يأتي على حساب التضامن مع الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية والشتات.
ويقول تحليل «ميدل إيست آي» إن النتائج الأولية تشير إلى تقدم القائمة المشتركة على «راعم»، بما يعكس، وفق تفسير الكاتب، تفضيلاً لدى شريحة من الناخبين لنهج يجمع بين المطالب المدنية والتمسك بالهوية الوطنية الفلسطينية.
ومع ذلك، فإن تحديد دوافع التصويت العربي بصورة قاطعة يحتاج إلى بيانات أكثر تفصيلاً عن نتائج البلدات العربية، ونسب المشاركة، وتوزيع الأصوات بين الأحزاب، ولا يمكن اختزال خيارات الناخبين في تفسير سياسي واحد.
هل تضطر المعارضة الإسرائيلية إلى التعاون مع الأحزاب العربية؟
تضع النتائج المعسكر المعارض أمام معضلة سياسية قديمة: كيف يمكن تشكيل حكومة بديلة لنتنياهو من دون الاستناد إلى دعم الأحزاب العربية، في ظل صعوبة تحقيق أغلبية برلمانية من دونها؟
وبحسب التحليل، اعتادت أحزاب الوسط والمعارضة العلمانية الرهان على خطاب قومي يهودي، وعلى معارضة نفوذ الأحزاب الدينية الحريدية، والاستناد إلى شخصيات ذات خلفية عسكرية وأمنية. لكن النتائج الحالية تعيد إبراز حدود هذا النهج، وتثير تساؤلات بشأن مدى قدرة المعارضة على الوصول إلى السلطة إذا استمرت في رفض أي تعاون مع النواب العرب.
ويبرز اسم غادي آيزنكوت في هذا السياق باعتباره قائد المعسكر المعارض في النتائج الأولية. غير أن وجود تقاطع في الموقف من نتنياهو لا يعني بالضرورة اتفاق الأطراف على تشكيل حكومة مشتركة؛ إذ تبقى الخلافات بشأن الهوية الوطنية، والاحتلال، والسياسات الأمنية، وطبيعة الدولة، عقبات أمام أي تفاهم.
كما أن التعاون البرلماني لا يعني بالضرورة دخول الأحزاب العربية الحكومة، فقد يأخذ شكل دعم خارجي أو تفاهمات محددة بشأن ميزانيات وخدمات وقوانين، وفق ما تسمح به المفاوضات ومواقف الأطراف المعنية.
اليمين المتشدد وخيارات تقليص التأثير العربي
يحذر تحليل «ميدل إيست آي» من أن ارتفاع التمثيل العربي قد يدفع بعض القوى اليمينية إلى المطالبة بتغييرات سياسية أو قانونية تحد من قدرة الأحزاب العربية على التأثير في تشكيل الحكومات مستقبلاً.
ويطرح الكاتب هذا الاحتمال في سياق الخلافات الممتدة حول مشاركة المواطنين الفلسطينيين في النظام السياسي الإسرائيلي، ومواقف شخصيات من اليمين المتشدد، بينها إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، من الأحزاب العربية وحقوق الفلسطينيين.
لكن هذا الطرح يبقى استنتاجاً سياسياً بشأن ما قد تفعله بعض القوى في المرحلة المقبلة، وليس دليلاً على اتخاذ قرار رسمي بالفعل لتغيير قواعد الانتخابات أو تقليص التمثيل العربي.
وفي المقابل، قد تدفع النتائج أحزاب الوسط إلى إعادة النظر في رفضها التقليدي للتعاون مع الأحزاب العربية، إذا أصبحت هذه الشراكة ضرورة حسابية لتشكيل الحكومة. ولا يعني ذلك بالضرورة تحولاً أيديولوجياً في مواقفها من الصهيونية أو القضية الفلسطينية، بل قد يكون استجابة لموازين القوى داخل الكنيست.
أربعة مطالب فلسطينية على طاولة أي تفاهم سياسي
بحسب ما أورده التحليل، حدد يوسف جبارين، رئيس القائمة المشتركة، أربعة مطالب أساسية لدعم حكومة تسعى إلى استبدال نتنياهو:
-
مكافحة الجريمة والعنف داخل المجتمع العربي.
-
تطوير البلدات الفلسطينية داخل إسرائيل وتوسيعها.
-
ضمان الحقوق المدنية والمساواة للمواطنين العرب.
-
الدفع نحو مسار سياسي واضح لإقامة دولة فلسطينية مستقلة.
وتعكس هذه المطالب محاولة للجمع بين احتياجات المواطنين اليومية، من الأمن والسكن والخدمات، وبين الحقوق السياسية والوطنية الفلسطينية.
ومن شأن أي مفاوضات محتملة بين الأحزاب العربية وقوى المعارضة أن تختبر مدى استعداد الأطراف الإسرائيلية لتقديم التزامات ملموسة في هذه الملفات، بدلاً من الاكتفاء بتفاهمات هدفها منع نتنياهو من العودة إلى رئاسة الحكومة.
لكن الوصول إلى اتفاق لن يكون مضموناً، إذ يتعين على الأطراف تجاوز خلافات عميقة بشأن قضايا الهوية والأمن والاحتلال، إلى جانب حسابات الأحزاب التي قد تخشى خسارة جزء من قاعدتها الانتخابية إذا تعاونت مع الأحزاب العربية.
اختبار جديد للعلاقة بين الفلسطينيين داخل إسرائيل والنظام السياسي
تسلط الانتخابات الضوء على التحدي الذي يواجه المواطنين الفلسطينيين داخل إسرائيل: كيفية استخدام وزنهم الانتخابي لتحسين أوضاعهم المعيشية والدفاع عن حقوقهم المدنية، مع الحفاظ على هويتهم الوطنية ومواقفهم من القضية الفلسطينية.
ويرى تحليل «ميدل إيست آي» أن نتائج الاقتراع تشير إلى أن المطالب الخدمية لا تنفصل بالضرورة عن الهوية السياسية. فالناخبون قد يسعون إلى معالجة الجريمة وأزمة السكن والتمييز، من دون التخلي عن المطالبة بحقوق الفلسطينيين أو عن الارتباط بما يجري في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وفي الوقت نفسه، تفرض النتائج على الأحزاب اليهودية المعارضة سؤالاً بشأن حدود الشراكة السياسية: هل تظل مشاركة الأحزاب العربية مرفوضة من حيث المبدأ، أم تصبح مقبولة عندما تكون ضرورية لتشكيل الحكومة؟
لا تقدم النتائج وحدها إجابة نهائية عن هذا السؤال، كما لا تحسم هوية رئيس الوزراء المقبل. لكنها تظهر أن التمثيل العربي أصبح عنصراً أساسياً في الحسابات البرلمانية، وأن تشكيل الحكومة قد يتطلب مفاوضات تتجاوز الاصطفافات التقليدية.
وتبقى المرحلة المقبلة مرهونة بالنتائج النهائية، ومواقف قادة الأحزاب، وقدرتهم على الاتفاق على صيغة حكومية قابلة للاستمرار. وفي جميع الأحوال، أعادت انتخابات 2026 وضع مشاركة الفلسطينيين داخل إسرائيل في صلب النقاش حول مستقبل النظام السياسي الإسرائيلي.
اقرأ المزيد
مذكرات الاعتقال وقضية الإبادة.. هل يصبح نتنياهو أكثر عرضة للملاحقة بعد ترك السلطة؟
جيل نتنياهو يدخل الانتخابات.. هل أصبح اليمين المتطرف واقعاً طبيعياً لدى الشباب الإسرائيلي؟
انتخابات إسرائيل 2026.. نتنياهو يواجه اختباراً صعباً أمام غادي آيزنكوت ومعركة مفتوحة على تشكيل الحكومة
جيل نتنياهو يدخل الانتخابات.. هل أصبح اليمين المتطرف واقعاً طبيعياً لدى الشباب الإسرائيلي؟

