وطن-في وقت تواجه فيه المنظومة الصحية الإسرائيلية نقصاً في الكوادر الطبية وتزايداً في مغادرة الأطباء البلاد، نظّمت جهات إسرائيلية معرضاً للتوظيف في العاصمة البريطانية لندن، بهدف استقطاب أطباء بريطانيين للعمل في إسرائيل، ضمن برنامج دولي يستهدف تعزيز عدد العاملين في القطاع الصحي.
وقالت صحيفة ميدل إيست آي البريطانية إن معرض الوظائف الطبية، الذي حمل اسم «ميديكس المملكة المتحدة»، أُقيم الأحد في مركز تابع للجالية اليهودية في لندن، بتنظيم من مؤسسة «نيفيش بنيفيش»، المعنية بتشجيع الهجرة اليهودية إلى إسرائيل، وبمشاركة الوكالة اليهودية لإسرائيل ووزارة الهجرة والاستيعاب الإسرائيلية.
وبحسب الصحيفة، يأتي المعرض ضمن برنامج دولي أُطلق عام 2020 لاستقدام نحو ألفي طبيب إلى إسرائيل بحلول عام 2029، من خلال تنظيم فعاليات توظيف خارج البلاد وتسهيل إجراءات الحصول على التراخيص اللازمة لمزاولة المهنة.
وكشفت الصحيفة أنها اطّلعت على رسائل إلكترونية وُجّهت إلى المشاركين، تضمنت دعوات للقاء ممثلين عن مستشفيات إسرائيلية وصناديق تأمين صحي، إلى جانب إتاحة إجراء اختبار الكفاءة في اللغة العبرية داخل موقع الفعالية، وهو أحد متطلبات الترخيص الطبي في إسرائيل.
معرض لندن يثير الجدل بشأن المستوطنات
أثار المعرض تساؤلات بشأن الجهات الطبية المشاركة وعلاقات بعضها بالمراكز الصحية الموجودة في المستوطنات الإسرائيلية بالضفة الغربية المحتلة.
ونقلت «ميدل إيست آي» عن ناشط من حركة يهودية مناهضة للصهيونية، تمكن من دخول الفعالية، قوله إن المشاركين تلقوا مواد ترويجية من مؤسسات طبية إسرائيلية، بينها شركة «تيريم» وصندوق «كلاليت» للخدمات الصحية.
ووفقاً للصحيفة، تضمنت إحدى المواد الترويجية قائمة بمراكز طبية تقع في مستوطنات إسرائيلية، من بينها معاليه أدوميم وبيتار عيليت وموديعين وبيت شيمش. كما شارك ممثلون عن صندوق «ليئوميت» للخدمات الصحية، الذي يقول في مواد ترويجية إنه يدير مراكز طبية وصيدليات في تجمعات داخل الضفة الغربية المحتلة.
وأشارت الصحيفة أيضاً إلى مشاركة منظمة «شيفات تسيون»، التي سبق أن تناول موقع «ديكلاسيفايد يو كيه» أنشطتها المتعلقة بمساعدة مواطنين بريطانيين على الانتقال إلى مستوطنات في الضفة الغربية.
وبحسب الناشط الذي تحدث إلى الصحيفة، روّج ممثلو المؤسسات الصحية المشاركة لفرص العمل والتدريب الطبي، وتحدثوا عن إمكانية مساعدة الأطباء الراغبين في الانتقال إلى إسرائيل على إيجاد سكن في المواقع التي يختارونها.
وقالت «ميدل إيست آي» إنها تواصلت مع الجهات المنظمة والوكالة اليهودية ووزارة الهجرة والاستيعاب وصندوق «كلاليت» للحصول على تعليقات، لكنها لم تتلقَّ رداً حتى موعد نشر تقريرها.
هجرة الأطباء تدفع إسرائيل إلى تكثيف حملات الاستقطاب
تأتي حملة التوظيف في لندن في سياق مساعي إسرائيلية لمواجهة النقص في الأطباء، بعد مغادرة أعداد من العاملين في القطاع الصحي البلاد خلال السنوات الأخيرة.
وبحسب مسح حديث لنقابة الأطباء الإسرائيلية أوردته الصحيفة، غادر 1369 طبيباً إسرائيل لأكثر من عام خلال الفترة الممتدة بين 2023 و2025.
ولمواجهة هذا النقص، اتجهت السلطات الإسرائيلية إلى تقديم حوافز مالية وتسهيلات إدارية لاستقطاب الأطباء من الخارج. وذكرت «ميدل إيست آي» أن وزارة الصحة أصدرت في عام 2025 لوائح جديدة تتيح، وفق شروط محددة، إعفاء بعض الأطباء الذين يمتلكون خبرة مهنية طويلة من امتحان الترخيص الطبي.
كما أشارت الصحيفة إلى تخصيص ما يصل إلى 240 مليون شيكل، أي نحو 76.7 مليون دولار وفق الأرقام الواردة في تقريرها، لبرامج استقطاب العاملين في المجال الطبي من الخارج خلال عام 2026.
وتعكس هذه الإجراءات اعتماد السلطات على مسارين متوازيين: استقدام أطباء مؤهلين من دول أخرى، وزيادة أعداد خريجي كليات الطب داخل إسرائيل، في محاولة لتخفيف الضغط على المستشفيات والمراكز الصحية.
إصلاح ياتسيف يعمّق الجدل بشأن فرص الأطباء الفلسطينيين
في المقابل، سلط التقرير الضوء على تداعيات السياسات الإسرائيلية المتعلقة بالاعتراف بالشهادات الطبية الأجنبية، ولا سيما ما يُعرف باسم «إصلاح ياتسيف»، الذي بدأ تطبيقه عام 2019 وألغى الاعتراف بشهادات طبية صادرة عن مؤسسات تعليمية في دول لا تنتمي إلى منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، مع وجود استثناءات وقواعد انتقالية بحسب الحالات.
وتشمل المؤسسات المتأثرة جامعات في دول يدرس فيها عدد من الطلاب الفلسطينيين الطب، إلى جانب مؤسسات تعليمية في الضفة الغربية. ويعني ذلك أن بعض الخريجين قد يواجهون صعوبات في الحصول على الترخيص اللازم للعمل في إسرائيل، تبعاً لمكان الدراسة وشروط الاعتراف بالشهادة.
وبحسب «ميدل إيست آي»، فإن القيود المفروضة على الاعتراف ببعض الشهادات، إلى جانب العوائق التي تواجه الفلسطينيين في الالتحاق بكليات الطب الإسرائيلية، تثير مخاوف بشأن فرص دخولهم إلى المهنة، في وقت تسعى فيه السلطات إلى زيادة أعداد الأطباء.
وتشير بيانات أوردتها الصحيفة إلى ارتفاع نسبة الأطباء الفلسطينيين داخل إسرائيل خلال السنوات الماضية. ففي عام 2023، شكّل الفلسطينيون نحو 25% من إجمالي الأطباء، مقارنة بنحو 8% عام 2010. كما بلغت نسبة العرب والدروز قرابة 45% من الأطباء الجدد الحاصلين على تراخيص خلال عام 2023، مقابل 18% عام 2010، وفق الأرقام المنقولة عن وزارة الصحة الإسرائيلية.
غير أن هذه النسب تعكس فئات سكانية وتعريفات إحصائية مختلفة، ولذلك ينبغي عدم التعامل معها باعتبارها مؤشراً واحداً من دون توضيح الفئة التي يشملها كل رقم.
تحذيرات من تراجع أعداد الأطباء الجدد
ونقلت الصحيفة عن شاني بار توفيا، مديرة قسم السياسات الصحية في منظمة «أطباء من أجل حقوق الإنسان – إسرائيل»، قولها إن نسبة الفلسطينيين بين طلاب الطب في إسرائيل تراجعت إلى نحو 9%، محذرة من أن استمرار هذا الاتجاه قد يؤثر في أعداد الأطباء الفلسطينيين الذين يدخلون النظام الصحي مستقبلاً.
وأضافت بار توفيا أن إصلاح الاعتراف بالشهادات الطبية الأجنبية قد يؤدي إلى تقليص عدد الأطباء الذين يمكنهم الحصول على تراخيص، ما يزيد الحاجة إلى تعويض النقص من خلال استقدام أطباء من الخارج أو توسيع برامج التعليم الطبي محلياً.
وفي هذا السياق، تعمل إسرائيل على توسيع مؤسسات التعليم الطبي وفتح كليات جديدة، من بينها كلية الطب في جامعة أريئيل المقامة في مستوطنة بالضفة الغربية، وأخرى في جامعة رايخمان.
وترى بار توفيا، وفقاً لما نقلته الصحيفة، أن هذه المسارات التعليمية لا تعالج بالضرورة العقبات التي تواجه الطلاب الفلسطينيين، ما يطرح تساؤلات بشأن قدرة السياسات الحالية على معالجة نقص الأطباء مع ضمان فرص متكافئة في التعليم والتدريب.
وتكشف حملة التوظيف في لندن، وفق المعطيات التي أوردها التقرير، عن مساعي إسرائيل لتعزيز مواردها الطبية من الخارج، لكنها تفتح في الوقت نفسه نقاشاً حول أثر سياسات الاعتراف بالشهادات والقيود التعليمية، فضلاً عن مشاركة مؤسسات صحية تعمل في المستوطنات بالضفة الغربية المحتلة.
اقرأ أيضاً
94% زيادة في هجرة الأطباء من إسرائيل.. ومخاوف من تراجع الخدمات الصحية..
الهجرة من إسرائيل تتسارع بعد 7 أكتوبر.. وطلبات الجوازات الأجنبية تكشف أزمة ثقة غير مسبوقة

