وطن-في انتخابات تختلف حساباتها عن الجولات السابقة، يتوجه المواطنون الفلسطينيون في إسرائيل إلى صناديق الاقتراع، الثلاثاء 27 أكتوبر 2026، وسط مخاوف تتجاوز التمثيل السياسي والمطالب الاقتصادية والخدمات العامة، لتصل إلى قضايا الأمن الشخصي ومستقبل الوجود الفلسطيني داخل إسرائيل، في ظل تصاعد الجريمة المنظمة، واتساع خطاب اليمين المتطرف، واستمرار تداعيات الحرب على غزة والتوترات في الضفة الغربية المحتلة.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة ميدل إيست آي البريطانية، فإن شريحة من الفلسطينيين داخل إسرائيل تنظر إلى التصويت باعتباره محاولة لحماية مجتمعها والحد من المخاطر التي تواجهه، وليس تعبيرًا بالضرورة عن الثقة بالمؤسسات السياسية. ويأتي هذا التحول في وقت تتزايد فيه المخاوف من تراجع الحماية القانونية والسياسية، بالتوازي مع تصاعد العنف والتمييز.
بعد عقود من المقاطعة.. الخوف يعيد الناخبين إلى الصناديق
إبراهيم سعيد، البالغ من العمر 70 عامًا، لم يشارك في الانتخابات الإسرائيلية منذ عام 1980. وعلى مدى عقود، شاهد أحزابًا مختلفة تتعاقب على الساحة السياسية، وتقدم وعودًا بالدفاع عن مصالح الفلسطينيين، من دون أن يشعر بأن تلك الوعود أحدثت تغييرًا جوهريًا في حياته أو حياة مجتمعه.
وكان سعيد يأمل، كما يروي التقرير، أن تسهم السياسة في استعادة أراضي عائلته في قرية البروة، التي هُجّر سكانها خلال نكبة عام 1948. لكن خيبة الأمل المتراكمة دفعته إلى مقاطعة الانتخابات لسنوات طويلة. هذه المرة، يبدو موقفه مختلفًا. فمن كفر قرع في الجليل، يقول إنه يشعر بأن الظروف تغيرت، وإن الخوف بات عاملًا أساسيًا في قراره المشاركة.
ويأتي ذلك بعد أربع سنوات شهدت خلالها إسرائيل تحولات سياسية وأمنية كبيرة، منذ عودة بنيامين نتنياهو إلى رئاسة الحكومة أواخر عام 2022، بمشاركة أحزاب يمينية ومتشددة، من بينها قوى يقودها بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير.
ويربط فلسطينيون تحدثوا إلى الصحيفة بين مواقف هذه القوى السياسية، والحرب على غزة، وتصاعد الاعتداءات في الضفة الغربية المحتلة، وتفاقم الجريمة داخل البلدات العربية في إسرائيل. وهي تطورات ساهمت، بحسب التقرير، في دفع بعض المقاطعين التقليديين إلى إعادة النظر في جدوى المشاركة الانتخابية.
خطاب التهجير و«تهويد» الجليل والنقب يفاقمان المخاوف
من أبرز أسباب القلق لدى الفلسطينيين داخل إسرائيل مواقف أحزاب يمينية تتبنى، بحسب التقرير، سياسات تستهدف تعزيز الطابع اليهودي للمناطق التي تضم تجمعات فلسطينية كبيرة، ولا سيما الجليل والنقب.
ويشير التقرير إلى أن بتسلئيل سموتريتش، وزير المالية وزعيم حزب «الصهيونية الدينية»، جعل من «تهويد» المنطقتين أحد محاور خطابه السياسي. ويرى منتقدو هذه التوجهات أنها تزيد المخاوف من التضييق على التجمعات الفلسطينية أو دفع سكانها إلى الرحيل.
وفي هذا السياق، يقول عدد من الفلسطينيين إن القضية لم تعد تقتصر على المطالبة بإلغاء قانون القومية لعام 2018 أو الحصول على ميزانيات إضافية وتحسين الخدمات، بل باتت ترتبط، في نظرهم، بضمان الأمن والحفاظ على الحقوق الأساسية.
ويعكس هذا التحول حجم القلق الذي يحيط بالمشاركة السياسية: فالتصويت الذي يُفترض أن يكون وسيلة للتعبير عن الثقة بالنظام السياسي أو الرغبة في تغييره، يتحول لدى بعض الناخبين إلى محاولة لتجنب سيناريوهات يرونها أكثر خطورة.
هل ترتفع نسبة التصويت الفلسطيني إلى مستويات قياسية؟
تشير استطلاعات الرأي التي أوردها تقرير «ميدل إيست آي» إلى توقعات بارتفاع نسبة مشاركة المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل خلال انتخابات 2026. وتراوحت التقديرات المنشورة قبيل الاقتراع بين 64 و68%، مقارنة بنحو 54% في انتخابات عام 2022.
أما أمير فاخوري، الباحث المتخصص في السياسة الفلسطينية داخل إسرائيل، فيرى أن المشاركة قد تصل إلى 72 أو 73%، وربما تتجاوز ذلك. وتظل هذه الأرقام توقعات وتقديرات سابقة أو متزامنة مع التصويت، وليست نتائج نهائية معلنة.
وقد ينعكس ارتفاع المشاركة على حجم تمثيل الأحزاب العربية والفلسطينية في الكنيست، المؤلف من 120 مقعدًا. ويشير التقرير إلى احتمال أن تحصل القائمة المشتركة وحزب «راعم» معًا على نحو 15 مقعدًا، وهو مستوى يقترب من عدد المقاعد التي حصدتها القائمة المشتركة في انتخابات عام 2020.
ويعتقد فاخوري أن دوافع المشاركة الحالية تختلف عن الدوافع التقليدية. فبدلًا من التركيز على الخدمات والحقوق المدنية وحدها، يرى أن حماية المجتمع ومنع التهجير والخوف على المستقبل أصبحت عوامل أكثر حضورًا في حسابات الناخبين.
وبهذا المعنى، لا تعكس المشاركة بالضرورة تزايد الثقة بالحكومة أو مؤسسات الدولة، بل قد تعبّر، وفق تحليله، عن غياب الثقة بها ومحاولة التأثير في موازين القوى السياسية بحثًا عن قدر من الحماية.
جوان صفدي يعيد النظر في المقاطعة
الفنان الفلسطيني جوان صفدي، الذي قاطع الانتخابات الإسرائيلية لسنوات، وجد نفسه أمام معضلة سياسية وأخلاقية مع اقتراب موعد الاقتراع. فهو يرى أن العملية الانتخابية لا تمنح الفلسطينيين، في رأيه، قدرة كافية على التأثير في السياسات الإسرائيلية، وأن المشاركة قد تُستخدم لتقديم صورة ديمقراطية لا تعكس واقع الحقوق المتفاوتة بين السكان الخاضعين للسيطرة الإسرائيلية.
ويشير صفدي إلى أن سكان المنطقة الواقعة بين نهر الأردن والبحر المتوسط يشملون فلسطينيين ويهودًا بأعداد متقاربة، لكن حق المشاركة في انتخابات الكنيست لا يشمل الفلسطينيين الذين لا يحملون الجنسية الإسرائيلية، ومن بينهم زوجته، وفق ما أورده التقرير.
ومع ذلك، دفع صعود اليمين المتطرف صفدي إلى إعادة التفكير في موقفه من المقاطعة. فهو لا يخفي قلقه من البدائل السياسية، لكنه يرى أن تغيير موازين القوى قد يحد، ولو جزئيًا، من المخاطر المرتبطة بتوجهات بعض القوى الحاكمة.
ويكشف موقفه عن انقسام أوسع داخل المجتمع الفلسطيني في إسرائيل: هل يمكن للمشاركة الانتخابية أن تحقق تغييرًا ملموسًا داخل نظام يراه كثيرون غير عادل، أم أن المقاطعة تظل موقفًا سياسيًا أكثر اتساقًا مع رفض هذا الواقع؟
الجريمة المنظمة تجعل الأمن الشخصي أولوية
إلى جانب المخاوف السياسية والوطنية، تبرز الجريمة المنظمة بوصفها أحد أكثر الملفات إلحاحًا لدى الفلسطينيين داخل إسرائيل. وتشير بيانات نقلتها وسائل إعلام إسرائيلية عن مبادرة «أبراهام» إلى أن عام 2025 شهد مقتل 252 شخصًا في جرائم عنف داخل المجتمع العربي، مسجلًا مستوى قياسيًا. كما أفادت بيانات نشرت في يوليو 2026 بأن عدد ضحايا جرائم القتل في المجتمع العربي منذ بداية العام بلغ 147 شخصًا، فيما لم تتجاوز نسبة القضايا التي تمكنت الشرطة من حلها 12% حتى ذلك الوقت. وتبقى هذه الأرقام مرتبطة بالفترة التي يغطيها كل تقرير، ولا تمثل حصيلة العام بأكمله.
وتثير هذه الأرقام قلقًا واسعًا لدى الأسر الفلسطينية، التي ترى أن مواجهة الجريمة تتطلب إجراءات أمنية وقضائية أكثر فاعلية، وليس الاكتفاء بالوعود الانتخابية. ومن بين هؤلاء أدهم، وهو ميكانيكي من شمال إسرائيل فضّل عدم الكشف عن اسمه الكامل. وقد قرر التصويت لحزب «راعم»، بزعامة منصور عباس، واضعًا الأمن الشخصي ومواجهة الجريمة ضمن أولوياته.
ويقول إنه يخشى على أبنائه من العنف المنتشر في البلدات العربية، ويشعر بأن حماية أسرته باتت مسألة يومية. وبالنسبة إليه، فإن المشاركة السياسية تمثل محاولة للضغط من أجل تحرك حكومي أكثر جدية، حتى في ظل الخلافات بشأن مواقف الأحزاب العربية وتحالفاتها المحتملة.
ويعكس هذا الخيار جانبًا من التحول في أولويات بعض الناخبين: فإلى جانب الموقف من الحرب على غزة والتمييز والحقوق الوطنية، أصبحت القدرة على العيش بأمان داخل المنزل والشارع عاملًا مباشرًا في تحديد الاختيار الانتخابي.
نساء يشعرن بالخوف في الشوارع والمدن المختلطة
لا يقتصر انعدام الأمان على الجريمة المنظمة وحدها؛ إذ تتحدث نساء فلسطينيات عن مخاوف مرتبطة بالهوية والانتماء، خصوصًا عند التنقل في المدن المختلطة أو المناطق التي يشعرن فيها بأن وجودهن قد يثير العداء.
وتقول مها محمد، وهي معلمة من أم الفحم، إن شعورها بالخوف يمتد إلى بعض الأماكن التي ترتبط بها شخصيًا، بما فيها يافا، المدينة التي ولدت فيها. وتوضح أن ارتداء الحجاب يجعل هويتها الدينية واضحة، الأمر الذي يزيد شعورها بالتوتر في بعض المواقف اليومية.
وتتحدث نساء من أم الفحم، وفق التقرير، عن رغبتهن في أن يتمكنّ من التنقل في الشوارع واستخدام وسائل النقل والعودة إلى منازلهن من دون خوف على أنفسهن أو أطفالهن وعائلاتهن.
وبالنسبة إلى هؤلاء، لا تبدو المطالبة بالأمن قضية سياسية مجردة، بل جزءًا من الحقوق الأساسية التي ينتظرن من الدولة ضمانها. كما أن استمرار الجريمة والعنف يضعف الثقة في قدرة المؤسسات على توفير الحماية المتساوية لجميع المواطنين.
هل تمنح الأصوات العربية تأثيرًا في تشكيل الحكومة؟
تأتي انتخابات 2026 وسط منافسة شديدة على مقاعد الكنيست، بينما تشير استطلاعات الرأي إلى احتمال ألا يتمكن أي من المعسكرين الرئيسيين من الحصول منفردًا على أغلبية واضحة.
وفي مثل هذا المشهد، قد تكتسب الأحزاب العربية أهمية إضافية، خصوصًا إذا اقترب مجموع مقاعدها من 15 مقعدًا. ويرى فاخوري أن هذا العدد يمكن أن يؤثر في قدرة اليمين على تشكيل الحكومة، حتى إذا ظلت مشاركة الأحزاب العربية في ائتلاف حاكم أمرًا مرفوضًا لدى قوى سياسية إسرائيلية عديدة.
لكن القدرة على منع معسكر سياسي من تشكيل الحكومة لا تعني بالضرورة القدرة على إنشاء بديل مستقر. فالمفاوضات الائتلافية قد تضع الأحزاب العربية أمام معضلة بين محاولة التأثير في السياسات من خارج الحكومة، أو التفاوض على ترتيبات دعم محددة، أو المشاركة بصورة مباشرة أو غير مباشرة في ترتيبات الحكم.
كما يظل الخلاف قائمًا داخل المجتمع الفلسطيني بشأن جدوى بعض التحالفات السياسية، وحدود التنازلات التي يمكن تقديمها مقابل ميزانيات أو مكاسب مدنية وأمنية. ويعكس هذا النقاش اختلافًا في الرؤى حول العلاقة بين حماية المصالح اليومية للفلسطينيين داخل إسرائيل، والتمسك بالحقوق الوطنية الفلسطينية الأوسع. ومع بدء التصويت الثلاثاء، لا تزال التقديرات المتعلقة بنسبة المشاركة وحجم التمثيل العربي مرتبطة بما ستسفر عنه الصناديق والنتائج الرسمية.
في المحصلة، تكشف انتخابات الكنيست لعام 2026 عن تحوّل في دوافع بعض الفلسطينيين داخل إسرائيل، حيث تتقاطع المطالب المدنية والأمنية مع المخاوف بشأن الهوية والحقوق ومستقبل الوجود الفلسطيني. وبين من يرى في التصويت فرصة لتقليل المخاطر، ومن يعتبر المقاطعة موقفًا سياسيًا مبدئيًا، تبقى الأسئلة الأهم مرتبطة بقدرة التمثيل البرلماني على إحداث تغيير فعلي في حياة المواطنين، وضمان أمنهم وحقوقهم، والتعامل مع مخاوفهم من دون أن تظل المشاركة الانتخابية مجرد استجابة للخوف.
اقرأ المزيد
نتنياهو متهم بتصعيد المواجهة مع إيران قبل الانتخابات لتعزيز موقفه السياسي
انتخابات إسرائيل 2026.. نتنياهو يتراجع واليمين المتطرف يحافظ على قوته
«تجاهل مبرمج أم تهميش مقصود؟».. القضية الفلسطينية في طي نسيان برامج الأحزاب اليهودية
المحكمة العليا الإسرائيلية تؤيد منع سياسي فلسطيني من خوض الانتخابات بسبب مقال رأي

