وطن-في تطور يثير مخاوف جديدة بشأن مستقبل الصحافة المستقلة في مصر، قضت محكمة جنح القاهرة الجديدة، الثلاثاء 27 أكتوبر 2026، بإدانة لينا عطا الله، رئيسة تحرير موقع «مدى مصر» ومؤسسته، بتهمة إدارة موقع إلكتروني دون ترخيص، وفرضت عليها غرامة قدرها 3 ملايين جنيه مصري، مع الأمر بإغلاق الموقع ومصادرة معداته. واحتُجزت عطا الله عقب صدور الحكم، وفق ما أعلنه الموقع ولجنة حماية الصحفيين.
وأثار الحكم انتقادات حقوقية وصحفية، خصوصاً في ظل اعتراضات هيئة الدفاع على الإجراءات التي اتُّبعت خلال المحاكمة، ومخاوف من أن يؤدي إغلاق الموقع إلى تضييق إضافي على المساحات المتبقية للعمل الإعلامي المستقل في البلاد.
غرامة بالملايين وإغلاق إحدى المنصات المستقلة
أصدرت الدائرة التاسعة بمحكمة جنح القاهرة الجديدة، برئاسة القاضي محمد مبارك، حكمها في القضية المتعلقة بإدارة «مدى مصر» دون ترخيص. وشملت العقوبة تغريم عطا الله 3 ملايين جنيه، أي نحو 54 ألف دولار وفق التقديرات المنشورة، إلى جانب إغلاق الموقع ومصادرة معداته.
وبحسب ما نشره «مدى مصر»، نُقلت عطا الله من داخل قاعة المحكمة عقب إعلان الحكم، بينما أفادت لجنة حماية الصحفيين بأن السلطات احتجزتها، وأن محاميين مصريين أكدا أن استمرار احتجازها مرتبط بسداد الغرامة.
ويمثل الحكم تطوراً حاسماً في نزاع طويل بشأن الوضع القانوني للموقع، الذي تأسس عام 2013، واستمر في نشر التحقيقات والتقارير المتعلقة بالشأن السياسي والحقوقي المصري رغم حجبه داخل البلاد منذ مايو 2017.
اعتراضات الدفاع تثير تساؤلات بشأن المحاكمة
شهدت الجلسة، وفق رواية حسام بهجت، المدير التنفيذي للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، الذي حضرها، إجراءات أثارت اعتراضات فريق الدفاع.
وقال بهجت إن القاضي أمر بإخلاء قاعة المحكمة من الحاضرين، باستثناء عطا الله ومحاميها، قبل أن يدخل أفراد أمن بملابس مدنية وحراس إلى القاعة، مع وجود ضابط من جهاز الأمن الوطني وممثل عن نيابة أمن الدولة العليا.
وأضاف أن المحكمة رفضت طلبات إجرائية تقدمت بها هيئة الدفاع، شملت الحصول على مستندات وسماع شهود، وأن المحامين امتنعوا عن تقديم مرافعتهم ما دامت تلك الطلبات لم تُقبل.
وبحسب روايته التي نقلها «مدى مصر»، استدعى القاضي محامياً لم يكن معروفاً لفريق الدفاع وقرر انتدابه لتمثيل عطا الله، رغم وجود ثمانية محامين اختارتهم الصحفية للدفاع عنها. واعترضت عطا الله على هذا الإجراء، لكن القاضي رفض إثبات اعتراضها في محضر الجلسة.
وأفادت تقارير من داخل المحاكمة بأن الحكم تلاه احتجاج من أعضاء هيئة الدفاع، وسط مخاوف بشأن ضمانات المحاكمة العادلة وحق المتهمة في اختيار من يمثلها قانونياً.
لجنة حماية الصحفيين: ضربة للإعلام المستقل
أدانت لجنة حماية الصحفيين الحكم، واعتبرت أن إدانة عطا الله والأمر بإغلاق «مدى مصر» يمثلان ضربة كبيرة لحرية الصحافة في مصر. وقالت سارة قدح، المديرة الإقليمية للجنة، إن الموقع وعطا الله من أبرز الأصوات المستقلة في المشهد الإعلامي المصري، وإن تقاريرهما تناولت قضايا ذات اهتمام عام ربما لم تكن لتحظى بالتغطية لولا عمل المنصة.
وطالبت اللجنة السلطات المصرية بالإفراج الفوري عن عطا الله، والتراجع عن الحكم الذي يستهدف الموقع، والسماح له بمواصلة عمله الصحفي. وكانت لجنة حماية الصحفيين قد انضمت، قبل صدور الحكم، إلى منظمات حقوقية وإعلامية أخرى في إدانة إحالة عطا الله إلى المحاكمة، محذرة من أن القضية تأتي في سياق ضغوط متزايدة على وسائل الإعلام المستقلة.
نزاع الترخيص يعود إلى الواجهة
تعود القضية إلى الخلاف بشأن ترخيص «مدى مصر» بموجب قانون تنظيم الصحافة والإعلام الصادر عام 2018. وقال الموقع إنه تقدم بطلبات متعددة للحصول على ترخيص، لكنه لم يعلم برفض طلبه إلا في عام 2022، عندما عُرض القرار على عطا الله خلال تحقيق في قضية أخرى.
وترى نقابة الصحفيين المصريين أن الخلاف المتعلق بقرار الترخيص ينبغي أن يُعالج من خلال المسار الإداري والقضائي المختص بالطعن على القرار، بدلاً من تحويله إلى ملاحقة جنائية ضد رئيسة تحرير الموقع.
وتحمل القضية رقم 9072 لسنة 2026، وفق لجنة حماية الصحفيين، وأُحيلت عطا الله إلى المحاكمة بعد استجوابها بشأن وضع الموقع القانوني وتغطيات صحفية نشرها، من بينها تقرير عن احتجاجات داخل سجون مصرية. ولم تُدرج تهمة نشر أخبار كاذبة في قرار الإحالة النهائي، وفق المصادر الحقوقية والصحفية المنشورة.
سلسلة من القضايا والضغوط على «مدى مصر»
لا يُعد الحكم الأخير أول مواجهة قانونية يتعرض لها الموقع أو العاملون فيه. ففي نوفمبر 2019، داهمت قوات الأمن مقره في القاهرة واحتجزت عطا الله وعدداً من زملائها لفترة وجيزة. كما واجهت رئيسة التحرير وثلاثة من صحفيي الموقع محاكمة عام 2022 بتهمة إهانة نواب مؤيدين للحكومة.
وفي أغسطس 2025، خضعت عطا الله للتحقيق في اتهامات مرتبطة بنشر أخبار كاذبة والعمل دون ترخيص، عقب تقرير تناول مزاعم انتهاكات داخل سجن بدر 3.
وتأتي القضية الحالية أيضاً وسط ضغوط على مؤسسات إعلامية أخرى؛ فقد أشارت لجنة حماية الصحفيين إلى اعتقال صحفيين يعملون في منصة «متصدقش» المتخصصة في التحقيقات وتدقيق المعلومات، ضمن تطورات أثارت قلقاً بشأن أوضاع العمل الصحفي في مصر.
مصر في المرتبة 169 عالمياً في حرية الصحافة
تزامن الحكم مع استمرار تراجع ترتيب مصر في مؤشرات حرية الصحافة. ووفق مؤشر منظمة «مراسلون بلا حدود» لعام 2026، جاءت مصر في المرتبة 169 من أصل 180 دولة، مقارنة بالمرتبة 170 في مؤشر عام 2025.
وترى منظمة «هيومن رايتس ووتش» أن ملاحقة عطا الله بسبب ترخيص الموقع تثير مخاوف من استخدام القواعد التنظيمية لتقييد وسائل الإعلام المستقلة، بدلاً من ضمان بيئة قانونية تحمي حرية التعبير وحق الجمهور في الوصول إلى المعلومات. وكانت المنظمة قد طالبت بإسقاط القضية قبل جلسة المحاكمة.
ولا يقتصر أثر الحكم على الغرامة المفروضة على رئيسة التحرير، بل يمتد إلى مستقبل غرفة تحرير كاملة وإمكانية استمرار منصة صحفية دأبت على تناول قضايا سياسية وحقوقية حساسة. كما تطرح القضية تساؤلات حول حدود تنظيم الإعلام، والضمانات القضائية، ومدى قدرة المؤسسات المستقلة على مواصلة عملها في ظل الملاحقات القانونية.
وبينما يترقب الوسط الصحفي والحقوقي الخطوات القانونية التالية، يبقى مصير «مدى مصر» مرتبطاً بما ستؤول إليه إجراءات الطعن على الحكم وتنفيذه. لكن القرار أعاد إلى الواجهة نقاشاً أوسع بشأن حرية الصحافة في مصر، وحق المؤسسات الإعلامية في ممارسة عملها بعيداً عن الضغوط التي قد تنتهي بإغلاقها.
اقرأ المزيد
السيسي يحسم موقفه من الرحيل في 2030: «الدستور المصري لن يُمس»
مصر تعتقل كامل فريق منصة «متصدقش».. اتهامات رسمية وإدانات حقوقية واسعة
تحليل خطاب الغضب لدى المعارضة المصرية بالخارج: أزمة أنس حبيب والاعتقال السياسي
مصر تعتقل كامل فريق «متصدقش».. هل أصبحت الصحافة المستقلة ممكنة فقط من الخارج؟

