وطن-تواجه البحرين ضغوطاً مالية واقتصادية متزايدة، مع ارتفاع الدين الحكومي وتداعيات الحرب الإقليمية واضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز، ما يعيد طرح سؤال قدرة المملكة على مواجهة أزمتها المالية دون دعم خليجي جديد. وفي ظل هذه التطورات، تتجه الأنظار إلى الإمارات والسعودية والكويت، التي سبق أن تدخلت لدعم المنامة عندما واجهت أزمة مالية حادة عام 2018.
وتكشف بيانات صندوق النقد الدولي أن الدين الحكومي الإجمالي في البحرين بلغ نحو 145.1% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2025، مع توقعات بارتفاعه إلى نحو 149.7% في عام 2026. وتضع هذه المستويات المالية المملكة أمام تحديات كبيرة تتعلق بتمويل الإنفاق العام، وخدمة الديون، والحفاظ على الاستقرار المالي.
ديون متصاعدة وضغوط اقتصادية متزايدة
لا تقتصر الأزمة على حجم الدين وحده، إذ تواجه المالية العامة البحرينية عجزاً مستمراً في الميزانية. وقدّر صندوق النقد الدولي العجز المالي بنحو 11.5% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2025، مع توقع بقائه مرتفعاً خلال عام 2026، في ظل استمرار الضغوط على الإيرادات والإنفاق الحكومي.
وتزداد هشاشة الوضع مع اعتماد جانب مهم من إيرادات الدولة على قطاع الطاقة، ما يجعل الاقتصاد عرضة للتقلبات في الأسواق العالمية، ولأي اضطراب يؤثر في الصادرات أو حركة التجارة الإقليمية.
ومنذ اندلاع الحرب الإقليمية عام 2026، أصبحت المخاطر أكثر تعقيداً بالنسبة إلى اقتصادات الخليج، بفعل التهديدات الأمنية واضطراب الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمثل ممراً حيوياً لتجارة النفط والطاقة. وأشار تقرير صادر عن خدمة أبحاث الكونغرس الأميركي في يونيو 2026 إلى أن البحرين قد تحتاج إلى مساعدة مالية خارجية إذا لم تتحسن الظروف الأمنية والاقتصادية الإقليمية سريعاً.
هل اقتربت البحرين من الإفلاس؟
رغم خطورة المؤشرات المالية، فإن ارتفاع الدين إلى مستويات تقارب 150% من الناتج المحلي الإجمالي لا يعني، بمفرده، أن البحرين أعلنت إفلاسها أو أصبحت عاجزة بالفعل عن سداد التزاماتها. لكن هذه النسبة تعكس حجم الضغط الذي تواجهه الحكومة، خصوصاً عندما تتزامن مع عجز مالي مرتفع واحتياجات تمويلية متزايدة ومخاطر إقليمية قد تؤثر في النشاط الاقتصادي والإيرادات العامة.
وفي تقرير صدر في يونيو 2026، أشار باحثون في خدمة أبحاث الكونغرس الأميركي إلى أن المؤشرات الأولية توحي بانكماش الاقتصاد البحريني بنحو 5% خلال العام، في تقدير يرتبط بتداعيات الحرب. ويختلف هذا التقدير عن توقعات صندوق النقد الدولي الصادرة في يناير، التي سبقت التطورات الإقليمية اللاحقة؛ لذلك ينبغي التعامل مع تقديرات النمو باعتبارها مرتبطة بتاريخ إصدارها والظروف التي استندت إليها.
وتبقى قدرة البحرين على تجاوز هذه الضغوط مرتبطة بمسار الحرب، وتطور الإيرادات الحكومية، وشروط الاقتراض، ومدى استعداد شركائها الخليجيين لتقديم دعم إضافي إذا اقتضت الحاجة.
الإمارات والسعودية والكويت.. هل يتكرر إنقاذ 2018؟
ليست هذه المرة الأولى التي تلجأ فيها البحرين إلى جيرانها الخليجيين لمواجهة أزمتها المالية. ففي أكتوبر 2018، أعلنت السعودية والإمارات والكويت حزمة دعم بقيمة إجمالية بلغت نحو 10 مليارات دولار، لمساندة برنامج التوازن المالي البحريني ومساعدة المملكة على معالجة عجز الميزانية.
وكانت الحزمة جزءاً من خطة إصلاح مالي استهدفت تعزيز الإيرادات، وضبط الإنفاق، وتحسين استدامة المالية العامة. غير أن استمرار ارتفاع الدين بعد سنوات من تلك الإجراءات يثير تساؤلات حول مدى قدرة الإصلاحات السابقة على معالجة الاختلالات المالية بصورة دائمة.
واليوم، تعود الإمارات إلى واجهة النقاش بشأن مستقبل الدعم الخليجي المحتمل، بحكم دورها السابق في حزمة الإنقاذ وعلاقاتها السياسية والاقتصادية الوثيقة بالبحرين. لكن وجود ضغوط مالية لا يثبت، في حد ذاته، أن أبوظبي أطلقت بالفعل خطة إنقاذ جديدة؛ كما لا يمكن الجزم بقيمة أي دعم محتمل أو بشروطه من دون إعلان رسمي أو معلومات موثوقة تؤكده.
هل حمت العلاقات السياسية البحرين من أزمتها المالية؟
أعادت البحرين ترتيب علاقاتها الإقليمية خلال السنوات الماضية، وكان تطبيع العلاقات مع إسرائيل عام 2020 أحد أبرز التحولات في سياستها الخارجية. غير أن هذه الخطوة لم تُنهِ التحديات الاقتصادية المرتبطة بالدين والعجز المالي، وهي تحديات تتأثر بعوامل متعددة، من بينها بنية الإيرادات الحكومية والإنفاق العام والظروف الإقليمية.
ومن هنا، يبرز سؤال سياسي واقتصادي مشروع: إلى أي مدى تستطيع التحالفات الإقليمية توفير مظلة حماية مالية مستدامة، إذا لم تترافق مع إصلاحات قادرة على تقليص العجز وإبطاء تراكم الدين؟
فالدعم الخارجي قد يمنح الحكومة مساحة للتحرك ويخفف ضغوط التمويل على المدى القصير، لكنه لا يشكل بديلاً دائماً عن معالجة الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد. كما أن استمرار الاضطرابات الإقليمية قد يرفع تكلفة المخاطر ويزيد صعوبة الاعتماد على حلول مالية مؤقتة.
من سيدفع فاتورة الأزمة المقبلة؟
تواجه البحرين اختباراً اقتصادياً يتجاوز مجرد الحصول على تمويل جديد؛ إذ يتمثل التحدي في ضمان قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها، وحماية الاستقرار المالي، وتجنب انتقال أعباء الأزمة إلى المجتمع عبر إجراءات تقشفية أو ضغوط اقتصادية إضافية.
وإذا احتاجت المنامة إلى دعم خليجي جديد، فستبرز أسئلة بشأن حجم المساعدة، والجهات التي ستقدمها، وشروطها، وما إذا كانت ستأتي في صورة قروض أو ودائع أو ترتيبات مالية أخرى.
وبين ارتفاع الدين إلى مستويات قياسية، ومخاطر الحرب واضطراب التجارة الإقليمية، تبقى البحرين أمام مرحلة دقيقة. أما السؤال بشأن تدخل محمد بن زايد لإنقاذها، فلا يزال مرتبطاً بما ستكشفه التطورات والإعلانات الرسمية، لا بمجرد التكهنات. وفي جميع الأحوال، فإن تجاوز الأزمة على المدى الطويل يتطلب أكثر من حزمة دعم جديدة: يحتاج إلى إصلاحات مالية مستدامة تقلل الاعتماد على الإنقاذ الخارجي وتحد من تراكم الديون.
اقرأ المزيد
“حصان طروادة” أبوظبي؟.. هل تدفع الإمارات البحرين إلى خط النار في مواجهة إيران؟
البحرين والكويت تدخلان مواجهة إيران.. ضربات خليجية توسّع رقعة الحرب وتعيد رسم موازين المنطقة
إيران توسع دائرة الرد.. قواعد أمريكية في الأردن والكويت والبحرين ضمن بنك الأهداف

