وطن-في البيوت التي تتكرر فيها الخلافات، قد يتعلم الأطفال ملاحظة ما لا يُقال قبل الكلمات. نظرة غاضبة، أو باب يُغلق بعنف، أو صمت مفاجئ على مائدة العشاء، أو تغير بسيط في نبرة الصوت؛ إشارات قد تبدو عابرة للكبار، لكنها قد تصبح لدى الطفل علامات يستدل بها على احتمال اندلاع خلاف جديد.
وتشير دراسات في علم النفس إلى أن التعرض المتكرر للصراعات العائلية قد يؤثر في الطريقة التي ينتبه بها بعض الأطفال إلى مشاعر الآخرين، خصوصاً الإشارات المرتبطة بالغضب والتهديد. وقد تستمر آثار هذه الخبرات لدى بعض الأشخاص بعد البلوغ، فتجعلهم أكثر حساسية تجاه التوتر في العلاقات اليومية.
ووفق تقرير نشرته مجلة «أوفيمينا» الفرنسية للكاتبة صوفيا موريرا، فإن هذه الحساسية يمكن تشبيهها بـ«رادار عاطفي» يلتقط تغيرات المزاج بسرعة. غير أن هذا التعبير مجازي، ولا يعني امتلاك قدرة خارقة على فهم الآخرين، كما أن الاستجابة تختلف من شخص إلى آخر تبعاً لطبيعة التجارب التي مر بها، والدعم الذي تلقاه خلال طفولته وبعدها.
الطفولة تحت الضغط.. حين يصبح الانتباه وسيلة للحماية
عندما يعيش الطفل في منزل تتكرر فيه المشاحنات أو تتسم أجواؤه بعدم الاستقرار، قد يبدأ بمراقبة التفاصيل الصغيرة لفهم ما يجري حوله. فينتبه إلى نبرة أحد الوالدين، وتعبيرات الوجه، والحركات المفاجئة، والصمت الذي يلي خلافاً، محاولاً معرفة ما إذا كان الموقف سيتحول إلى شجار جديد.
ولا يحدث ذلك بالضرورة بقرار واعٍ؛ فقد يتعلم الطفل، مع تكرار التجارب، أن متابعة مزاج الأشخاص المحيطين به تساعده على تجنب المواقف المزعجة أو الاستعداد لها. وقد يحاول الصمت، أو الانسحاب إلى غرفته، أو تجنب طلب شيء يحتاج إليه، أو التدخل لتهدئة الخلاف بين والديه.
وفي بعض الحالات، يصبح الانتباه إلى الإشارات العاطفية جزءاً من استراتيجية التكيف مع بيئة يشعر فيها الطفل بعدم الأمان. لكنه قد يدفعه أيضاً إلى تحمل مسؤولية ليست من مسؤولياته، كأن يعتقد أن عليه منع الخلافات أو الحفاظ على هدوء المنزل.
ويمكن أن تظهر هذه الاستجابة في صورة ما يُعرف بفرط اليقظة، أي البقاء في حالة انتباه مستمر لاحتمال وجود خطر أو تهديد. وإذا استمرت هذه الحالة خارج المواقف التي تستدعي الحذر، فقد تصبح مرهقة وتؤثر في شعور الشخص بالراحة والأمان.
فرط اليقظة العاطفية ليس تعاطفاً خارقاً
قد يلاحظ بعض الأطفال الذين يتعرضون لخلافات عائلية متكررة تعبيرات الغضب أو التوتر بسرعة، ويصبحون أكثر انتباهاً إلى العلامات التي تسبق التصعيد. لكن هذه الحساسية لا تعني بالضرورة أنهم أكثر قدرة على فهم جميع المشاعر أو معرفة ما يدور في أذهان الآخرين.
ووجدت دراسة نُشرت عام 2024 في مجلة «تطور الطفل» أن التعرض لصراعات أبوية عدائية ارتبط بزيادة لاحقة في دقة التعرف إلى بعض تعبيرات الوجه لدى الأطفال. وتابعت الدراسة 238 أسرة لديها أطفال في سن ما قبل المدرسة، بمتوسط عمر بلغ نحو أربع سنوات وكتلة من السنة الرابعة من العمر، عبر ثلاث مراحل سنوية بين عامي 2018 و2022.
وأظهرت النتائج أن الصراع العدائي بين الوالدين تنبأ بزيادة في دقة التعرف إلى تعبيرات الغضب والحزن والفرح في مرحلة لاحقة، وكان التحسن مرتبطاً جزئياً بقدرة الأطفال على التعرف إلى التعبيرات الشديدة، ولا سيما الغاضبة.
لكن هذه النتيجة لا تثبت أن جميع الأطفال الذين ينشؤون وسط الخلافات يطورون قدرة استثنائية على قراءة الآخرين، ولا تعني أن هذه القدرة تستمر بالطريقة نفسها حتى البلوغ. فقد تناولت الدراسة أطفالاً صغاراً، ودرست العلاقة بين الصراع الأسري ودقة التعرف إلى تعبيرات الوجه، لا وجود «رادار عاطفي» دائم لدى كل من عاش تجربة مشابهة.
كما أن دراسات أخرى توصلت إلى نتائج مختلفة بحسب طريقة القياس والعينة المستخدمة. فقد بحثت دراسة واسعة شملت 6506 أطفال في العلاقة بين التعرض لمصاعب الطفولة والقدرة على التعرف إلى تعبيرات الوجه، ولم تجد دليلاً على ارتباط واضح بين التعرض لتلك المصاعب وبين عجز عام عن التعرف إلى المشاعر.
وتوضح هذه النتائج أن تأثير البيئة الأسرية ليس واحداً لدى الجميع؛ فقد يصبح بعض الأطفال شديدي الانتباه إلى الغضب، فيما لا يظهر آخرون النمط نفسه. كما أن سرعة اكتشاف الانفعالات السلبية لا تعني بالضرورة القدرة على تفسيرها بدقة، أو معرفة أسبابها الحقيقية.
عندما يكبر الطفل.. لماذا يظل مترقباً للخطر؟
قد يستمر بعض البالغين الذين نشؤوا في بيئات أسرية متوترة في مراقبة التغيرات الصغيرة في سلوك الآخرين، حتى عندما يعيشون في علاقات أكثر استقراراً، فقد يفسر أحدهم تأخر الرد على رسالة بأنه علامة على الرفض، أو يتساءل عما إذا كان قد ارتكب خطأ عندما يلاحظ تغيراً في نبرة صوت صديقه، أو يشعر بالقلق بمجرد أن يصبح الطرف الآخر أكثر صمتاً من المعتاد.
وفي هذه الحالات، قد لا يكون رد الفعل مرتبطاً بما يحدث في اللحظة الراهنة وحده؛ إذ يمكن للخبرات السابقة أن تؤثر في طريقة تفسير الإشارات الغامضة. فالشخص الذي اعتاد أن يسبق الصمتُ خلافاً عائلياً قد يجد صعوبة في التعامل مع الصمت بوصفه أمراً عادياً لا يحمل بالضرورة أي رسالة سلبية.
وقد تظهر هذه الحساسية في العلاقات العاطفية والصداقات وبيئة العمل، خصوصاً عندما يبالغ الشخص في تحليل الكلمات أو تعبيرات الوجه، أو يشعر بأنه مسؤول عن تهدئة الآخرين حتى عندما لا يكون الخلاف متعلقاً به.
ومع ذلك، لا يعني الانتباه الشديد إلى مزاج الآخرين أن الشخص يعاني بالضرورة مشكلة نفسية. فهذه السلوكيات تتفاوت في شدتها، ولا يمكن تحديد أسبابها اعتماداً على تجربة الطفولة وحدها.
كيف يؤثر التوتر المتكرر في العلاقات؟
عندما يصبح الشخص معتاداً على ترقب التوتر، قد يجد صعوبة في الاسترخاء داخل العلاقات، حتى عندما لا توجد مؤشرات واضحة على وجود خلاف. وقد يسأل الآخرين مراراً عما إذا كانوا غاضبين منه، أو يعتذر قبل أن يعرف إن كان قد ارتكب خطأ، أو يتجنب التعبير عن احتياجاته خشية إثارة استياء أحد.
وفي بعض الحالات، قد يحاول إرضاء الجميع أو التدخل لحل مشكلاتهم، اعتقاداً منه أن الحفاظ على الهدوء مسؤولية تقع على عاتقه. وقد يؤدي هذا النمط، مع مرور الوقت، إلى الإرهاق أو صعوبة وضع الحدود الشخصية.
ومن جهة أخرى، قد ينسحب بعض الأشخاص من النقاشات بمجرد ارتفاع الأصوات، أو يتجنبون المواجهة حتى عندما يكون التعبير عن الرأي ضرورياً، لأن الخلاف يذكرهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة بأجواء طفولتهم.
لكن هذه الاحتمالات ليست نتيجة حتمية للنشأة وسط الخلافات العائلية. فالخبرات اللاحقة، والعلاقات الآمنة، والدعم الاجتماعي، والقدرة على فهم المشاعر وتنظيمها، كلها عوامل قد تؤثر في طريقة تعامل الشخص مع التوتر بعد البلوغ.
لماذا يختلف الأطفال في استجابتهم للخلافات الأسرية؟
لا يتأثر جميع الأطفال بالطريقة نفسها حتى عندما يعيشون في المنزل ذاته. فقد يختلف أثر الخلافات باختلاف شدتها وتكرارها، وما إذا كانت تتضمن تهديدات أو عنفاً، وطريقة تعامل الوالدين مع الطفل أثناء النزاع وبعده. ويؤدي وجود شخص بالغ موثوق يستطيع الطفل اللجوء إليه دوراً مهماً في توفير الشعور بالأمان. وقد يكون هذا الشخص أحد الوالدين عندما يستطيع الفصل بين خلافه مع الطرف الآخر وعلاقته بأطفاله، أو أحد أفراد الأسرة الممتدة، أو معلماً أو مختصاً يقدم الدعم.
كما أن الاعتذار بعد الخلاف، وطمأنة الطفل بأنه ليس مسؤولاً عن نزاع الكبار، وشرح ما حدث بطريقة تناسب عمره، كلها خطوات تساعده على فهم الموقف بدلاً من تركه يفسره وحده. ولا يعني ذلك أن الخلافات العائلية يمكن إلغاؤها تماماً، بل إن الطريقة التي تُدار بها قد تكون بالغة الأهمية. فالتعبير عن الاختلاف باحترام، وتجنب استخدام الطفل وسيطاً بين الوالدين، والامتناع عن تحميله مسؤولية تهدئة أحدهما، أمور تساعد على تقليل الأعباء العاطفية التي قد يتحملها.
كيف يمكن التعامل مع فرط اليقظة العاطفية؟
تتمثل الخطوة الأولى في ملاحظة اللحظات التي يشعر فيها الشخص بارتفاع مستوى التوتر، ومحاولة التمييز بين ما يحدث فعلاً وما يتوقع حدوثه بناءً على خبرات سابقة. فعندما يتغير صوت شخص آخر، يمكن التوقف قبل افتراض أنه غاضب، والتفكير في تفسيرات أخرى محتملة. وعندما يتأخر الرد على رسالة، يمكن تذكّر أن الانشغال أو التعب قد يكونان سبباً لذلك، بدلاً من اعتبار التأخير دليلاً مؤكداً على الرفض.
ومن المفيد أيضاً الانتباه إلى استجابة الجسد، مثل تسارع ضربات القلب أو توتر العضلات، واستخدام التنفس الهادئ أو أخذ استراحة قصيرة قبل الرد. ولا يهدف ذلك إلى تجاهل المشاعر أو إنكار التجارب السابقة، بل إلى منح الشخص فرصة للتعامل مع الموقف الراهن بعيداً عن ردود الفعل التلقائية. وإذا أصبحت حالة الترقب المستمر مصدراً للقلق أو أثرت في العلاقات والنوم والحياة اليومية، فقد يكون التحدث إلى مختص في الصحة النفسية مفيداً لفهم هذه الأنماط وتطوير وسائل للتعامل معها.
ولا يعني طلب الدعم أن الشخص ضعيف أو أنه يبالغ في ردود أفعاله؛ بل قد يساعده على إدراك كيف تشكلت استجاباته، وما الذي يحتاج إليه ليشعر بأمان أكبر في علاقاته الحالية.
الرادار العاطفي.. من وسيلة للتكيف إلى عبء يمكن فهمه
قد تمنح الخبرات الأسرية المتوترة بعض الأطفال حساسية ملحوظة تجاه الإشارات المرتبطة بالغضب والصراع، لكنها لا تمنحهم بالضرورة فهماً أدق لكل المشاعر، ولا تحدد مستقبلهم النفسي بصورة حتمية.
فما قد يبدأ وسيلةً للتكيف مع بيئة غير مستقرة يمكن أن يستمر لدى بعض الأشخاص في صورة ترقب مرهق، بينما يستطيع آخرون تطوير طرق أكثر توازناً للتعامل مع الخلافات بفضل الدعم والعلاقات الآمنة والخبرات الجديدة.
والأهم أن الطفل لا ينبغي أن يتحمل مسؤولية منع الخلافات بين الكبار أو مراقبة مشاعرهم لضمان سلامة المنزل. فمسؤولية توفير بيئة يشعر فيها بالأمان تقع على عاتق البالغين.
وبين فهم الماضي وتغيير ردود الفعل في الحاضر، يمكن للشخص أن يتعلم التمييز بين الخطر الحقيقي والاحتمال الذي يستحضره القلق، وأن يبني علاقات لا يحتاج فيها إلى مراقبة كل نظرة أو صمت. فالحساسية تجاه مشاعر الآخرين ليست مشكلة بحد ذاتها؛ إنما يصبح التحدي عندما تتحول إلى حالة إنذار مستمرة تحرم الإنسان من الشعور بالطمأنينة.
قد يعجبك
3 علامات نفسية هادئة قد تشير إلى آثار تجارب صعبة في الطفولة
لماذا يبتعد الأبناء عن آبائهم مع تقدم العمر؟.. 11 مبرراً خفياً وراء قلة الزيارات
لماذا يصعب عليك تكوين أصدقاء مقربين؟ 9 عادات قد تعود إلى طفولتك
8 علامات تكشف أنك تربي طفلاً ناضجاً عاطفياً وقادراً على مواجهة الضغوط وفق علم النفس

