وطن-أثار تحقيق نشرته مجلة «فانيتي فير» الأمريكية جدلًا واسعًا بشأن مزاعم عن ترتيبات مالية سرية ربطت جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومستشاره السابق، بقيادات في السعودية والإمارات وإسرائيل، خلال الولاية الرئاسية الأولى لترامب. ويتحدث التحقيق عن حسابات مصرفية قُدرت الأموال المرتبطة بها بنحو ملياري دولار، مع ادعاءات بشأن دور رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في إحدى هذه الترتيبات.
وتستند الرواية إلى مقتطف من كتاب استقصائي مرتقب للصحفي ماثيو كول، بعنوان «أمراء ولصوص: جاريد كوشنر ومحمد بن زايد ومخططهما السري لإعادة تشكيل الشرق الأوسط». ويزعم الكاتب أن معلومات حصلت عليها الاستخبارات الهولندية من بيانات مرتبطة بهاتف كوشنر كشفت عن حسابات وتحويلات مالية متصلة بالإمارات والسعودية وإسرائيل.
لكن هذه المزاعم تواجه نفيًا قاطعًا من كوشنر ومحاميه والسفير الأمريكي السابق لدى إسرائيل ديفيد فريدمان، فيما تقول شبكة «سي بي إس» إنها لم تتحقق بصورة مستقلة من الرواية. ولذلك لا يمكن التعامل مع الحديث عن الرشاوى أو شراء النفوذ باعتباره حقيقة مثبتة، بل بوصفه اتهامات مثيرة للجدل تستدعي التحقق من الأدلة والوثائق.
كيف ظهرت رواية الحسابات السرية؟
بحسب مقتطف «فانيتي فير» المنشور في 22 أكتوبر 2026، بدأت القصة عندما حصلت الاستخبارات الهولندية، وفق رواية الكاتب، على صور من شاشة هاتف كوشنر بعد اختراق سابق يُنسب إلى متسلل مرتبط بالاستخبارات العسكرية الروسية.
ويقول التحقيق إن الصور أتاحت للمخابرات الهولندية الاطلاع على نشاط مرتبط بحساب مصرفي في دبي، وصلت إليه تحويلات كبيرة بالدولار عبر أذربيجان. ويضيف أن هذه التحويلات قادت إلى تساؤلات بشأن طبيعة الحسابات والجهات التي تديرها، ومدى ارتباطها بتحركات دبلوماسية جرت خلال إدارة ترامب الأولى.
ويشير الكاتب إلى ثلاثة ترتيبات مالية مختلفة، أطلق على اثنين منها اسمي «ألفا» و«بيتا». وبحسب الرواية، ارتبط الحساب الأول بمؤسسة إماراتية، بينما تعلق الثاني بأموال يُزعم أنها انتقلت إلى إسرائيل عبر أذربيجان، قبل أن تنتقل أجزاء منها إلى حسابات أخرى، بينها حسابات في قبرص.
ولا تعرض هذه الرواية، في حد ذاتها، حكمًا قضائيًا يثبت حصول رشوة أو يحدد المستفيد النهائي من الأموال بصورة قاطعة. كما أن شبكة «سي بي إس» أوضحت أنها لم تتمكن من التحقق بشكل مستقل من المزاعم الواردة في مقتطف الكتاب.
أموال إماراتية وسعودية.. ما الذي يقوله التحقيق؟
وفقًا للكاتب، تحدثت الترتيبات المزعومة عن أموال مرتبطة برئيس دولة الإمارات محمد بن زايد آل نهيان وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، بلغ مجموعها نحو ملياري دولار في حسابات قيل إن كوشنر كان يستطيع الوصول إليها.
ويذكر التحقيق أن أحد الحسابات ارتبط بمؤسسة «وطني الإمارات»، وهي مؤسسة ممولة من الحكومة الإماراتية، وأن كوشنر كان مدرجًا، بحسب الرواية، بصفته مخولًا بالتعامل على الحساب، وليس مالكًا له بالضرورة. أما الحساب الثاني، فتتعلق به إحدى أكثر النقاط حساسية في التقرير؛ إذ يزعم الكاتب أن نحو مليار دولار نُقلت إلى إسرائيل عبر أذربيجان، وأن الأموال أودعت في حساب لدى البنك المركزي الإسرائيلي.
وينقل التحقيق عن مصدر قال إنه مطلع على الترتيب أن تخصيص الأموال كان لمصلحة كوشنر الشخصية. غير أن هذه النقطة تظل جزءًا من الرواية المنشورة، ولم يثبت علنًا، استنادًا إلى المعلومات المتاحة، أن المبلغ أصبح ملكًا شخصيًا له أو أنه تلقاه بالفعل بهذه الصفة.
ويشير التقرير أيضًا إلى ترتيب مالي منفصل ارتبط، وفق الكاتب، بتغطية تكاليف دفاع إماراتي طارئ في مواجهة هجوم عسكري إيراني محتمل. ويجمع الكاتب بين هذه الحسابات الثلاثة ليطرح فرضية وجود قناة مالية موازية للتحركات الدبلوماسية في الشرق الأوسط.
نتنياهو في قلب الرواية.. ماذا يُنسب إليه؟
تتجه الأنظار في التحقيق إلى بنيامين نتنياهو، الذي يزعم الكاتب أنه شجع كوشنر على إيداع الأموال المرتبطة بالحساب الثاني لدى البنك المركزي الإسرائيلي، بما يجعلها تبدو مرتبطة بأموال حكومية. وينقل كول عن شخص قال إنه أُطلع على تفاصيل الحساب أن نتنياهو شجع هذا الترتيب، بينما يذكر أن التواصل بين كوشنر ورئيس الوزراء الإسرائيلي مرّ، بحسب الرواية، عبر السفير الأمريكي السابق لدى إسرائيل ديفيد فريدمان.
لكن فريدمان نفى معرفته بالترتيب المزعوم أو مشاركته فيه، ووصف الادعاءات المتعلقة به أو بدوره بأنها كاذبة تمامًا. كما نفى محامي كوشنر معرفته بأي حساب من هذا النوع، وقال إن هذه الحسابات لم تكن موجودة أصلًا.
ولا يتضمن التقرير، في حد ذاته، إثباتًا قضائيًا مستقلًا لدور نتنياهو المزعوم، كما لا يكفي ورود اسمه في رواية تستند إلى مصادر غير معلنة لإثبات مشاركته في مخالفة قانونية.
هل كانت الأموال وسيلة للتأثير في القرار الأمريكي؟
السؤال الأكثر حساسية الذي يطرحه التحقيق يتعلق باحتمال تداخل الأموال الأجنبية مع عمل كوشنر مستشارًا في البيت الأبيض خلال إدارة ترامب الأولى. ويقول الكاتب إن كوشنر كان حاضرًا في ملفات دبلوماسية مهمة تخص إسرائيل ودول الخليج، بما في ذلك مسار تطبيع العلاقات بين إسرائيل والإمارات، وإن الوصول إلى حسابات مرتبطة بأموال أجنبية كان من الممكن، لو ثبتت طبيعته والغرض منه، أن يثير أسئلة جدية بشأن الإفصاح المالي وتضارب المصالح وحدود العلاقة بين المسؤولين الأمريكيين والحكومات الأجنبية.
وينقل التحقيق عن مدعٍ سابق عمل في قضية المحقق الخاص روبرت مولر أن تقديم وعود سياسية مقابل أموال أجنبية، إن ثبت، قد يثير إشكالات قانونية تتعلق بالرشوة والعمل لحساب جهة أجنبية. لكن هذا التقييم القانوني المشروط لا يعني أن جريمة قد ثبت وقوعها، إذ يظل الأمر مرتبطًا بإثبات وجود الأموال، وطبيعة العلاقة بها، وأي اتفاقات أو مقابل سياسي محتمل. وتبرز أهمية هذه الأسئلة لأن كوشنر كان مسؤولًا حكوميًا حين وقعت الأحداث التي يتناولها الكتاب، وكان يعمل في ملفات تتداخل فيها المصالح الأمريكية والإسرائيلية والخليجية.
كوشنر يرفض الاتهامات ويهدد بالتحرك القانوني
رفض كوشنر الرواية بصورة قاطعة، وكتب أن المزاعم المنشورة «جنونية تمامًا ولم تحدث». كما قال إن الكاتب لم يقدم، بحسب رأيه، أي دليل يمكن التحقق منه، مثل كشوف مصرفية أو سجلات تحويلات أو أرقام حسابات أو تواريخ معاملات.
ووصف محاميه تشاد ميزيل الاتهامات بأنها كاذبة وتشهيرية، وقال إن الفريق القانوني يدرس التحرك ضد الجهات المسؤولة عن نشرها. وفي 24 أكتوبر، أفادت تقارير إعلامية بأن فريق كوشنر طالب مجلة «فانيتي فير» بسحب مقتطف الكتاب، معتبرًا أن المادة تفتقر إلى أدلة يمكن التحقق منها. كذلك رفض البيت الأبيض الرواية، ووصفها مدير الاتصالات ستيفن تشيونغ بأنها ادعاءات بلا أساس وثائقي. وذكرت تقارير إعلامية أن ترامب نفسه وصف القصة بأنها كاذبة.
أما فريدمان، الذي ورد اسمه في السياق المتعلق بالتواصل المزعوم مع نتنياهو، فقال إنه لا يعرف شيئًا عن هذه الادعاءات، ونفى أي مشاركة له في الترتيبات التي تحدث عنها الكاتب. وتشكل هذه الردود جزءًا أساسيًا من القضية، إذ إن الاتهامات المنشورة لم تحظَ بإجماع الأطراف المعنية، ولم يعلن عن حكم قضائي يثبت صحتها حتى الآن.
استثمار سعودي معلن لا يثبت الحسابات المزعومة
ويجب التمييز بين الحسابات السرية التي يتحدث عنها الكتاب وبين استثمار سعودي معروف في شركة كوشنر الاستثمارية «أفينتي بارتنرز». فبعد مغادرة كوشنر البيت الأبيض، استثمر صندوق الاستثمارات العامة السعودي ملياري دولار في شركته عام 2021. وأثار القرار حينها تساؤلات في الولايات المتحدة، بما في ذلك داخل الكونغرس، بشأن معايير الموافقة على الاستثمار وعلاقة كوشنر السابقة بولي العهد السعودي.
لكن هذا الاستثمار المعلن يختلف عن المزاعم الجديدة المتعلقة بحسابات مصرفية خلال فترة عمل كوشنر في البيت الأبيض. ولا يُعد وجود الاستثمار المعروف دليلًا بحد ذاته على صحة الادعاءات الواردة في الكتاب بشأن التحويلات السرية أو الرشاوى أو التأثير في السياسة الأمريكية. ويظل الفصل بين الوقائع الموثقة والاتهامات الجديدة ضروريًا لتجنب الخلط بين صفقة استثمارية معلنة وترتيبات مالية أخرى لم تثبت صحتها بصورة مستقلة.
ملف المال والنفوذ يحتاج إلى أدلة قابلة للتحقق
تضع المزاعم التي نشرتها «فانيتي فير» العلاقة بين المال والدبلوماسية في الشرق الأوسط تحت المجهر، خصوصًا عندما تتعلق بأشخاص شغلوا مواقع رسمية واتخذوا قرارات تمس مصالح الولايات المتحدة ودول المنطقة.
لكن حجم الأرقام الواردة في الرواية، أو حساسية الأسماء المرتبطة بها، لا يكفي وحده لإثبات وقوع جريمة. وتبقى الأسئلة الجوهرية مرتبطة بوجود الحسابات، ومصدر الأموال، والجهات التي كانت تملك سلطة التصرف فيها، وما إذا كان أي مسؤول قد قدم مقابلًا سياسيًا عنها.
وبين رواية الكاتب ونفي كوشنر وفريدمان والبيت الأبيض، تظل القضية محل نزاع حاد، فيما يتطلب حسمها أدلة مصرفية قابلة للفحص وتحقيقًا مستقلًا يحدد الوقائع والمسؤوليات، بدل تحويل المزاعم إلى أحكام نهائية قبل إثباتها.
اقرأ أيضاً
من حصن شيوعي إلى ملاذ المليارديرات: خفايا مشروع جاريد كوشنير في جزيرة “سازان” الاستراتيجية
استثمارات كوشنر الخليجية تصل إلى شركات مرتبطة بالسلاح الإسرائيلي عبر مجموعة «فينكس»
كوشنر يقرّ بتأخر خطة غزة.. وتمويل أولي محدود بـ2.45 مليار دولار لإعادة الإعمار
مكالمة كوشنر ومحمد بن سلمان.. ماذا حدث قبل إقصاء محمد بن نايف؟

