وطن-لا شك في أن الألم يُعتبر تجربة يعرفها الجميع، لكنه يختلف من شخص إلى آخر، سواء تعلق الأمر بألم الولادة، أو المغص الكلوي، أو الحروق الشديدة، أو الصداع الحاد. وعلى الرغم من أن بعض هذه الحالات توصف بأنها من أشد التجارب الجسدية قسوة، فإن الطب لا يملك مقياسًا موحدًا يستطيع تحديد «أسوأ ألم في العالم» بصورة مطلقة.
وتعتمد شدة الألم على عوامل متعددة، لا تقتصر على نوع الإصابة أو حجم الضرر الذي يصيب الأنسجة، بل تشمل طبيعة الأعصاب المتأثرة، ومدة الألم، والحالة النفسية والجسدية، والتجارب السابقة للشخص.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة «إل إنديبندينتي» الإسبانية، يُعد الصداع العنقودي أحد أبرز المرشحين لوصف أشد الآلام الجسدية التي قد يختبرها الإنسان. وتدعم هذا التوصيف دراسة علمية قارنت شدة هذا النوع من الصداع بألم حالات أخرى، بينها الولادة والتهاب البنكرياس والمغص الناتج عن حصى الكلى.
لماذا يصعب تحديد أشد ألم في العالم؟
تعرف الجمعية الدولية لدراسة الألم الألم بأنه تجربة حسية وعاطفية مزعجة ترتبط بضرر فعلي أو محتمل في الأنسجة، أو تشبه التجربة المرتبطة بهذا الضرر. ويؤكد هذا التعريف أن الألم تجربة شخصية تتأثر بعوامل بيولوجية ونفسية واجتماعية. ولذلك، قد يختلف تقييم شخصين يعانيان من الحالة نفسها، كما يصعب مقارنة تجارب مختلفة تمامًا اعتمادًا على الأرقام وحدها.
ومن هنا تأتي أهمية الدراسات التي تسأل المرضى عن شدة الألم الذي عانوه، لكنها لا تقدم بالضرورة ترتيبًا نهائيًا ينطبق على جميع البشر. فنتائج الاستبيانات تتأثر بتركيبة المشاركين، وتجاربهم السابقة، وطريقة قياس الألم، والظروف التي أحاطت بكل حالة.
الصداع العنقودي.. نوبات شديدة حول عين واحدة
يُعد الصداع العنقودي اضطرابًا عصبيًا يتميز بنوبات شديدة من الألم، تتركز غالبًا حول عين واحدة أو في جانب واحد من الرأس. وقد يشعر المصاب بألم حارق أو حاد يشبه الطعن، يبدأ فجأة ويستمر لفترة محدودة، لكنه قد يتكرر عدة مرات في اليوم.
ووفق هيئة الخدمات الصحية البريطانية، تستمر النوبة عادة بين 15 دقيقة وثلاث ساعات، وقد تتكرر خلال فترات تمتد أسابيع أو أشهر. ويمكن أن تترافق مع احمرار العين والدموع، وانسداد الأنف أو سيلانه، وتورم الجفن أو تدليه، والتعرق في الوجه.
وتكمن قسوة هذا الاضطراب في شدة الألم وتكراره وعدم القدرة على التنبؤ الدقيق بموعد النوبة. وقد يصبح المصاب مضطربًا وغير قادر على البقاء ساكنًا أثناءها، كما يمكن أن تؤثر النوبات المتكررة بصورة كبيرة في النوم والحياة اليومية.
ولا ينبغي الخلط بين الصداع العنقودي والصداع النصفي المعتاد؛ فهما حالتان مختلفتان، كما أن تكرار الألم الشديد حول العين يستدعي تقييمًا طبيًا لتحديد السبب والعلاج المناسب.
دراسة: 9.7 من 10 لشدة الصداع العنقودي
بحثت دراسة منشورة عام 2021 في مجلة «الصداع: مجلة آلام الرأس والوجه» شدة نوبات الصداع العنقودي مقارنة بحالات مؤلمة أخرى. واعتمد الباحثون على استبيان دولي عبر الإنترنت، شمل 1604 مشاركين استوفوا معايير الدراسة الخاصة بالصداع العنقودي.
وأظهرت النتائج أن متوسط شدة نوبات الصداع العنقودي بلغ 9.7 من 10 على مقياس الألم، مقابل 7.2 لألم الولادة، و7.0 لالتهاب البنكرياس، و6.9 للمغص الناجم عن حصى الكلى. كما قيّم 72.1% من المشاركين نوبات الصداع العنقودي بأعلى درجة على المقياس، وهي 10 من 10.
وتدعم هذه النتائج اعتبار الصداع العنقودي من أشد الحالات إيلامًا، لكنها تحتاج إلى قراءة دقيقة: فالمشاركون في الدراسة كانوا مصابين بالصداع العنقودي، وطُلب ممن سبق لهم اختبار آلام أخرى تقييم تلك التجارب أيضًا. لذلك، لا تمثل النتائج مقارنة شاملة بين عينات مستقلة من جميع المرضى الذين يعانون من أنواع الألم المختلفة، ولا تثبت أن الصداع العنقودي هو الأسوأ لدى كل إنسان.ومع ذلك، فإن متوسط الشدة المرتفع الذي سجلته الدراسة يوضح حجم المعاناة التي قد يتسبب فيها هذا الاضطراب العصبي.
ألم العصب الثلاثي التوائم.. صدمات كهربائية في الوجه
من الحالات الأخرى المرتبطة بألم شديد ألم العصب الثلاثي التوائم، وهو اضطراب يصيب العصب المسؤول عن نقل الإحساس من الوجه إلى الدماغ. ويصف المرضى نوباته بأنها ألم حاد ومفاجئ يشبه الصدمة الكهربائية أو الطعنة، وقد يتركز في الفك أو الأسنان أو الخد. وتستمر النوبة عادة من بضع ثوانٍ إلى نحو دقيقتين، لكنها قد تتكرر مرات عديدة يوميًا، بما ينعكس على قدرة المريض على تناول الطعام أو الكلام أو ممارسة أنشطته المعتادة.
وبحسب هيئة الخدمات الصحية البريطانية، قد تحفز النوباتَ أنشطة بسيطة مثل تنظيف الأسنان، أو غسل الوجه، أو المضغ، أو الكلام، أو حتى تعرض الوجه لنسمة هواء باردة. وفي بعض الحالات، يحدث الألم بصورة تلقائية من دون محفز واضح.
ولا تقتصر آثار المرض على شدة الألم، بل تمتد إلى الخوف من تكراره؛ فقد يصبح بعض المصابين مترددين في تناول الطعام أو غسل الوجه خشية تحفيز نوبة جديدة. ولذلك، فإن استمرار ألم الوجه أو تكراره، خصوصًا إذا لم يفسره فحص الأسنان، يستدعي مراجعة الطبيب لتحديد التشخيص وخيارات العلاج.
المغص الكلوي والولادة.. أيهما أشد إيلامًا؟
يأتي المغص الكلوي ضمن الحالات التي توصف بأنها شديدة الألم، وغالبًا ما ينتج عن تحرك حصوة في الحالب، ما يسبب ألمًا قويًا في الخاصرة قد يمتد إلى أسفل البطن أو المنطقة الأربية. وفي دراسة صغيرة نُشرت عام 2017 في مجلة «أبحاث الألم»، سأل الباحثون مرضى يعانون من المغص الكلوي عن تجربتهم، وقارنوا آراء النساء اللواتي سبق لهن اختبار المغص الكلوي والولادة.
ومن بين 19 امرأة سبق لهن المرور بالتجربتين، قالت 63.3% إن المغص الكلوي كان أشد إيلامًا من الولادة، بينما رأت 15.7% أن شدة الألم متقاربة، واعتبرت 21% أن الولادة كانت أكثر إيلامًا. لكن حجم العينة المحدود، والاعتماد على تذكر تجربة الولادة بعد مرور الوقت، يجعلان من الصعب تعميم هذه النتائج على جميع النساء. كما يتأثر ألم الولادة بظروفها ومدتها واستخدام التخدير أو وسائل تخفيف الألم. ولذلك، لا تقدم هذه الدراسة حكمًا نهائيًا بشأن أي التجربتين أشد، بل توضح كيف يمكن أن تختلف المقارنة بين الألم لدى أشخاص مروا بتجربتين مؤلمتين مختلفتين.
الحروق والكسور والألم السرطاني.. معاناة بأشكال مختلفة
تشمل الحالات الأخرى التي قد تسبب ألمًا شديدًا الحروق الواسعة والعميقة، وبعض الكسور الكبيرة، والألم المرتبط بمراحل متقدمة من السرطان، فضلًا عن بعض الاضطرابات العصبية المزمنة. وتختلف هذه الحالات عن بعضها من حيث آلية الألم ومدته وطريقة تأثيره في حياة المريض. فقد يأتي الألم في صورة نوبات قصيرة وحادة، كما في بعض اضطرابات الأعصاب، أو يستمر لفترات طويلة كما يحدث في بعض حالات الألم المزمن.
ولهذا لا يمكن الاعتماد على شدة الألم في لحظة واحدة فقط لتحديد حجم المعاناة. فالمدة والتكرار وتأثير الألم في النوم والحركة والعمل والحالة النفسية عوامل مهمة أيضًا في تقييمه. وتؤكد الدراسات الطبية أن وصف المرضى لألمهم جزء أساسي من التقييم السريري، لأن شدة الألم لا يمكن استنتاجها بصورة موثوقة من حجم الإصابة وحده.
هل يوجد ألم واحد يتفوق على جميع الآلام؟
تشير الأدلة المتاحة إلى أن الصداع العنقودي من أقوى المرشحين لهذا الوصف، خصوصًا في ضوء متوسط الألم المرتفع الذي سجلته الدراسة المنشورة عام 2021. لكن هذه النتيجة لا تعني وجود ترتيب طبي نهائي يحدد أشد ألم لدى جميع البشر.
فالتجارب الفردية تختلف، كما أن الدراسات تستخدم عينات ومقاييس ومنهجيات متنوعة، ما يحد من إمكانية إجراء مقارنة مطلقة بين الولادة والمغص الكلوي والحروق واضطرابات الأعصاب وغيرها. وتتمثل الخلاصة في أن الألم تجربة شخصية ومعقدة، وأن كل حالة تستحق التقييم والعلاج المناسبين، من دون التقليل من معاناة المريض لمجرد أن شخصًا آخر يصف نوعًا مختلفًا من الألم بأنه أشد.
أما الصداع العنقودي وألم العصب الثلاثي التوائم، فهما مثالان واضحان على أن بعض الاضطرابات العصبية يمكن أن تسبب ألمًا بالغ الشدة رغم عدم ارتباطه بالضرورة بإصابة خارجية ظاهرة. وتظل معرفة طبيعة الألم، وتحديد سببه، وطلب الرعاية الطبية عند تكراره أو اشتداده، خطوات أهم من محاولة حسم لقب «أسوأ ألم في العالم» بصورة نهائية.
اقرأ المزيد
المشي وركوب الدراجة في مواجهة الشقيقة.. كيف تساعد الرياضة مرضى الصداع النصفي؟
من الشقيقة إلى الصداع العنقودي.. أكثر من 150 شكلاً لآلام الرأس يحدد الأطباء أسبابها وعلاجها
تنميل اليدين ليلاً.. مؤشرات قد تكشف مشكلة في الأعصاب تستدعي الانتباه..
صداع فور الاستيقاظ.. متى يكون مجرد إرهاق ومتى يخفي مشكلة صحية؟
عادة قديمة تعود بقوة.. هل تمنحك ورقة الغار نومًا أكثر هدوءًا؟

