وطن-تتجه إسرائيل، الثلاثاء 27 أكتوبر 2026، إلى انتخابات الكنيست السادسة والعشرين، في أول اقتراع عام منذ هجمات 7 أكتوبر 2023، وسط حملة انتخابية تتصدرها قضايا الأمن والحرب ومستقبل حكومة بنيامين نتنياهو، بينما تظل القضية الفلسطينية وحق الفلسطينيين في تقرير المصير خارج مركز اهتمام معظم الأحزاب ذات الأغلبية اليهودية.
وقالت صحيفة «بوبليكو» الإسبانية، في تحليل نشرته السبت 24 أكتوبر، إن الأحزاب الإسرائيلية تختلف في رؤيتها لمستقبل الضفة الغربية وقطاع غزة، لكنها تلتقي إلى حد كبير عند أولوية أمن إسرائيل واستمرار السيطرة العسكرية، في حين يرفض عدد منها إقامة دولة فلسطينية مستقلة، وتدعو أحزاب أخرى إلى ضم الأراضي الفلسطينية أو توسيع المستوطنات.
وفي المقابل، تطرح بعض قوى المعارضة، خصوصًا في معسكر الوسط ويسار الوسط، مواقف أكثر تحفظًا تجاه ضم الضفة الغربية وعنف المستوطنين، وتدعو إلى الحفاظ على السلطة الفلسطينية وفتح قنوات للحوار معها. لكن هذه المواقف لا تعني بالضرورة تبني مسار واضح لإنهاء الاحتلال أو الاعتراف بدولة فلسطينية مستقلة.
الأمن يتصدر الانتخابات.. وفلسطين في الهامش
بحسب «بوبليكو»، جعلت هجمات 7 أكتوبر والحروب التي أعقبتها الأمن الإسرائيلي المحور الرئيسي للحملة الانتخابية. وتتنوع مواقف الأحزاب بين المطالبة بنزع سلاح حماس، وتوسيع حرية العمل العسكري الإسرائيلي، وتعزيز السيطرة على الأراضي الفلسطينية. أما ملف الحقوق الفلسطينية، فيشمل قضايا تتجاوز وقف الحرب، من بينها إنهاء عنف المستوطنين في الضفة الغربية، ووقف التوسع الاستيطاني، وانسحاب القوات الإسرائيلية من قطاع غزة، وإنهاء الحصار، إلى جانب حق الفلسطينيين في تقرير المصير وعودة اللاجئين.
لكن الصحيفة ترى أن معظم هذه المطالب لا تحتل مكانة أساسية في برامج الأحزاب اليهودية، حتى تلك التي تعارض بعض سياسات حكومة نتنياهو. ويظهر هذا التهميش في اختلاف الخطاب بين أحزاب اليمين واليمين المتطرف، التي ترفض الدولة الفلسطينية بصورة صريحة، وأحزاب معارضة أكثر اعتدالًا تتحدث عن الحوار والاستقرار من دون الالتزام الواضح بإقامة دولة مستقلة.
وفي المقابل، تبقى القضية الفلسطينية حاضرة بصورة مباشرة في برامج القائمتين العربيتين المشاركتين في الانتخابات، القائمة المشتركة و«راعم». وكانت لجنة الانتخابات المركزية قد قررت استبعادهما في سبتمبر، قبل أن تلغي المحكمة العليا الإسرائيلية القرار في 2 أكتوبر وتسمح لهما بالمشاركة في الاقتراع.
اليمين الديني يدفع نحو ضم الأراضي وتهجير الفلسطينيين
تصف «بوبليكو» الأحزاب الصهيونية الدينية بأنها الأكثر رفضًا لأي مستقبل سياسي فلسطيني مستقل. وتشمل هذه القوى حزب «عوتسما يهوديت» بزعامة إيتمار بن غفير، وحزب «عمخا يسرائيل» بقيادة عوفر وينتر، وحزب «الصهيونية الدينية» بزعامة بتسلئيل سموتريتش، إلى جانب حزب «زِهوت» المتحالف انتخابيًا مع قائمة سموتريتش. ووفق تحليل الصحيفة للبرامج الانتخابية والملفات التي أعدها «منتدى السياسة الإسرائيلية»، تدعم هذه الأحزاب توسيع المستوطنات وضم الضفة الغربية وقطاع غزة إلى إسرائيل، مع التركيز على تحقيق ذلك من خلال التفوق العسكري.
وتقول الصحيفة إن حزبي «عوتسما يهوديت» و«عمخا يسرائيل» تطرقا بصورة مباشرة إلى ما يعدّانه تحديًا ديموغرافيًا قد ينشأ عن ضم الأراضي الفلسطينية، وطرحا ما يصفانه بـ«تشجيع الهجرة الطوعية» للفلسطينيين. ويثير هذا الطرح مخاوف جدية، خصوصًا في ظل رفض الفلسطينيين التهجير القسري وتمسكهم بحقهم في البقاء في أرضهم.
ويحظر القانون الدولي الإنساني النقل القسري للسكان في الأراضي المحتلة، كما يصنف نظام روما الأساسي الإبعاد أو النقل غير المشروع ضمن جرائم الحرب في الظروف التي يحددها. ولذلك، فإن أي سياسة تؤدي إلى تهجير الفلسطينيين قسرًا تطرح تبعات قانونية تتجاوز حدود النقاش الانتخابي الإسرائيلي.
وتضيف الصحيفة أن هذه الأحزاب ترفض التعامل مع القوى السياسية الفلسطينية بوصفها أطرافًا شرعية للحوار، انطلاقًا من تصور قومي وديني يرى أن السيادة على كامل فلسطين التاريخية يجب أن تكون إسرائيلية.
الليكود وشاس.. سيطرة عسكرية ورفض الدولة الفلسطينية
لا يقتصر رفض قيام دولة فلسطينية على الأحزاب الدينية المتشددة. فبحسب «بوبليكو»، يتبنى حزب الليكود بقيادة بنيامين نتنياهو وحزب «شاس» الديني مواقف تعارض إقامة دولة فلسطينية، وتؤيد توسيع المستوطنات في الضفة الغربية، والإبقاء على سيطرة عسكرية مشددة على قطاع غزة. وفي هذا التصور، لا تُمنح السلطة الفلسطينية دورًا مركزيًا في إدارة مستقبل الأراضي الفلسطينية، بل ينظر إليها باعتبارها طرفًا يمكن الاستغناء عنه في ترتيبات الحكم والأمن.
وتشير الصحيفة، نقلًا عن منظمة «السلام الآن» الإسرائيلية، إلى أن فترة الحكومة السابقة شهدت توسعًا استيطانيًا ملحوظًا، شمل ظهور خمس بؤر استيطانية جديدة والموافقة على 103 مستوطنات، وفق الأرقام التي أوردها التقرير. كما سجلت المنظمة ارتفاعًا كبيرًا في عدد الوحدات السكنية المشمولة بالمخططات الاستيطانية المعتمدة.
وتعكس هذه المعطيات، وفق تحليل الصحيفة، الفجوة بين خطاب بعض أحزاب المعارضة بشأن تعزيز المؤسسات الديمقراطية داخل إسرائيل، وبين مواقفها من الحقوق السياسية للفلسطينيين ومستقبل الأراضي المحتلة.
ليبرمان يقترح ضم المنطقة «ج» وتسليم أجزاء أخرى للأردن ومصر
يتوقف تحليل «بوبليكو» عند مواقف أفيغدور ليبرمان، زعيم حزب «إسرائيل بيتنا»، الذي تبنى في السابق تصورًا لتبادل الأراضي والسكان ضمن صيغة خاصة من حل الدولتين. وبحسب الصحيفة، تغير طرح ليبرمان بعد هجمات 7 أكتوبر، وأصبح يدعو إلى ضم المنطقة «ج» من الضفة الغربية إلى إسرائيل رسميًا، في مقابل نقل الإدارة المدنية للمنطقتين «أ» و«ب» إلى الأردن.
وتعود هذه التقسيمات إلى اتفاقات أوسلو، إذ تخضع المناطق «أ» و«ب» و«ج» لترتيبات مختلفة من السيطرة الفلسطينية والإسرائيلية. وتظل المنطقة «ج» الأكبر مساحة، وتخضع للسيطرة الإسرائيلية، كما تضم نسبة كبيرة من المستوطنات. أما قطاع غزة، فتقول الصحيفة إن ليبرمان اقترح نقل السيطرة عليه إلى مصر. ولا تتضمن هذه الرؤية، وفق التحليل، دورًا مركزيًا للسلطة الفلسطينية أو تصورًا واضحًا لعودة اللاجئين الفلسطينيين أو ضمان حقهم في تقرير المصير.
وتُظهر هذه الطروحات أن الخلافات بين الأحزاب الإسرائيلية لا تقتصر على حدود السيطرة العسكرية، بل تشمل أيضًا تصورات مختلفة حول الجهة التي ينبغي أن تدير الأراضي الفلسطينية، مع استمرار تهميش الفلسطينيين أنفسهم في عدد من المقترحات.
«ياشار!» و«بياحاد».. معارضة نتنياهو لا تعني قبول الدولة الفلسطينية
تتناول الصحيفة أيضًا مواقف حزبي «ياشار!» بقيادة غادي آيزنكوت، و«بياحاد»، التحالف الذي يضم يائير لابيد ونفتالي بينيت. وتُصنّف بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية الحزبين ضمن اليمين المعتدل أو الوسط اليميني، رغم تبنيهما مواقف أمنية متشددة تجاه الفلسطينيين. وبحسب «بوبليكو»، يعارض الحزبان التوسع الاستيطاني في المنطقتين «أ» و«ب» من الضفة الغربية، لكنهما لا يرفضان الاحتفاظ بالمستوطنات القائمة في المنطقة «ج»، مع اختلاف دوافعهما بشأن حدود السيطرة الإسرائيلية.
فبينيت ولابيد يعارضان بعض البؤر الاستيطانية وعنف المستوطنين لأسباب قانونية وسياسية، بينما ينطلق موقف آيزنكوت، وفق الصحيفة، من مخاوف ديموغرافية تتعلق بمستقبل هوية الدولة الإسرائيلية وإمكان ظهور نموذج ثنائي القومية.
كما يرى حزب «ياشار!» أن منع انهيار السلطة الفلسطينية يصب في مصلحة إسرائيل الأمنية، لكن هذا الموقف لا يعني بالضرورة تبني مشروع سياسي يعترف بحق الفلسطينيين في إقامة دولة مستقلة. وتشير استطلاعات الرأي المنشورة قبل الانتخابات إلى أن «ياشار!» يحقق نتائج مهمة في تقديرات المقاعد، لكن توزيع المقاعد المحتمل لا يحسم وحده هوية الحكومة المقبلة، إذ يحتاج تشكيلها إلى تأمين أغلبية برلمانية داخل الكنيست المؤلف من 120 مقعدًا.
يسار الوسط.. مساحة محدودة للاعتراض على الضم
ضمن الأحزاب ذات الأغلبية اليهودية، تمنح «بوبليكو» حزب «الديمقراطيون» موقعًا أكثر انفتاحًا نسبيًا تجاه القضية الفلسطينية. وقد تشكل الحزب من اندماج حزب العمل مع «ميرتس»، ليشغل مساحة يسار الوسط في المشهد السياسي الإسرائيلي. ووفق تحليل «منتدى السياسة الإسرائيلية» الذي استندت إليه الصحيفة، يعارض الحزب ضم الضفة الغربية وعنف المستوطنين، ويحافظ على إمكانية الفصل السياسي بين الإسرائيليين والفلسطينيين في المستقبل.
لكن الصحيفة تشير إلى أن البرنامج الانتخابي لا يقدم تعهدًا واضحًا بإقامة دولة فلسطينية، وتتركز مقترحاته المتعلقة بالفلسطينيين على تعزيز العلاقات الدبلوماسية مع دول عربية قريبة، وتقوية السلطة الفلسطينية باعتبارها طرفًا معتدلًا، إلى جانب إضعاف الجماعات الفلسطينية المسلحة ونزع سلاحها.
وتظل هذه الرؤية، وفق التحليل، مشروطة بأولوية الأمن الإسرائيلي والحفاظ على القدرة العسكرية. وترى الصحيفة أن هذا النهج يعكس استمرار تراجع التيار اليساري الذي كان أكثر حضورًا في العقود الأولى من تاريخ إسرائيل، لكنه سجل تراجعًا انتخابيًا حادًا خلال السنوات الأخيرة. فبعدما كانت الأحزاب اليسارية تحصد أكثر من نصف الأصوات في الانتخابات السبع الأولى بعد تأسيس إسرائيل، لم تحصل عام 2022 إلا على نحو 11.5%، بحسب الأرقام التي أوردها التقرير.
فلسطين في برامج الأحزاب.. خلافات واسعة وسؤال غائب
تخلص «بوبليكو» إلى أن القضية الفلسطينية لا تزال أحد أبرز مصادر الانقسام الأيديولوجي داخل السياسة الإسرائيلية، لكنها لا تحتل المكانة نفسها في البرامج الانتخابية التي تتنافس على أصوات الناخبين. فبين أحزاب تدعو إلى الضم الكامل وتوسيع المستوطنات، وأخرى تفضل فرض سيطرة عسكرية طويلة الأمد، وتيارات معارضة تسعى إلى الحد من التوسع الاستيطاني والحفاظ على السلطة الفلسطينية، يبقى الاعتراف بحق الفلسطينيين في تقرير المصير محدود الحضور في برامج معظم الأحزاب اليهودية.
ويضع هذا المشهد مستقبل القضية الفلسطينية أمام تحديات كبيرة، إذ لا يقتصر الأمر على نتائج الانتخابات أو احتمال تغيير الحكومة، بل يمتد إلى طبيعة الإجماع السياسي الإسرائيلي بشأن الاحتلال والاستيطان ودور السلطة الفلسطينية. ومع اقتراب الاقتراع، تبدو الانتخابات اختبارًا لمستقبل حكومة نتنياهو وللخريطة الحزبية الإسرائيلية، لكنها لا تقدم، وفق تحليل الصحيفة، مؤشرات واضحة على تحول قريب نحو تسوية سياسية تضمن للفلسطينيين دولة مستقلة وحقوقًا سياسية كاملة.
اقرأ المزيد
انتخابات إسرائيل 2026.. نتنياهو يتراجع واليمين المتطرف يحافظ على قوته
نتنياهو يصعّد في الضفة الغربية.. إغلاق الخليل وتهديدات بن غفير قبل انتخابات إسرائيل
أيباك تتراجع عن التأييد العلني للمرشحين.. هل تعيد رسم نفوذها في واشنطن مع تراجع شعبية إسرائيل؟

