وطن-سلّطت صحيفة «ميدل إيست آي» البريطانية الضوء على اتجاهات بارزة في الصحافة الإيرانية، تركزت حول القيود المفروضة على الحجاب في أذربيجان، وتصاعد الانتقادات للإمارات بعد ظهورها ضمن تصورات إسرائيلية لتحالفات إقليمية، إلى جانب تزايد الهجمات المسلحة في محافظة سيستان وبلوشستان، والجدل الداخلي بشأن تخصيص أراضٍ في ميناء تشابهار للاستثمار الأفغاني.
وتكشف هذه الملفات عن تداخل القضايا الداخلية الإيرانية مع التنافس الإقليمي، إذ توظف بعض الصحف القريبة من المؤسسة الحاكمة قضايا الحجاب والتحالفات الأمنية والاستثمارات الأجنبية في انتقاد خصوم سياسيين وإقليميين، بينما تثير التطورات الأمنية والاجتماعية في جنوب شرقي البلاد تساؤلات بشأن جذور العنف وسبل احتوائه.
وأشار «ميدل إيست آي» إلى أن عرضه يستند إلى تغطيات وسائل إعلام إيرانية محلية، ولم يتحقق الموقع بصورة مستقلة من جميع ما ورد فيها. ولذلك، فإن الاتهامات السياسية الواردة في هذه التغطيات تعكس مواقف الصحف ومصادرها، ولا تمثل بالضرورة حقائق مثبتة.
أذربيجان في مرمى الصحافة الإيرانية بسبب الحجاب
احتلت القيود المفروضة على ارتداء الحجاب في المدارس الأذربيجانية مساحة بارزة في الصحافة الإيرانية المحافظة، بعد منع معلمات وطالبات من دخول مؤسسات تعليمية بسبب ارتداء الحجاب، على خلفية تطبيق قواعد جديدة للزي المدرسي.
وبحسب ما أوردته «ميدل إيست آي»، دعت صحيفة «فرهيختغان» الإيرانية، في مقال حمل عنوان «افرشوا السجاد الأحمر لفتيات باكو»، السلطات الإيرانية إلى تقديم دعم عملي للنساء والفتيات المحجبات في أذربيجان، بما يساعدهن على مواصلة التعليم والعمل، بدلاً من الاكتفاء بالتصريحات الدبلوماسية.
ورأت الصحيفة أن منع الطالبات من الدراسة بسبب لباسهن يمثل انتهاكاً للحق في التعليم، ودعت المسؤولين الإيرانيين إلى البحث عن آليات تتيح للمتضررات مواصلة دراستهن.
أما صحيفة «جوان»، القريبة من الحرس الثوري الإيراني، فربطت القيود المفروضة على الممارسات الدينية باتجاه أوسع لدى حكومة الرئيس إلهام علييف نحو التقارب مع إسرائيل، معتبرة أن القضية تتجاوز قواعد اللباس المدرسي إلى صراع حول الهوية الدينية والسياسية للبلاد.
وذهبت صحيفة «خراسان» إلى أبعد من ذلك، عندما وصفت القيود بأنها جزء من «مشروع صهيوني»، وفق ما نقله الموقع البريطاني، في اتهام يعكس قراءة الصحيفة للتقارب الأذربيجاني الإسرائيلي، لا دليلاً مستقلاً على وجود خطة إسرائيلية وراء الإجراءات المدرسية.
وتأتي هذه الانتقادات في وقت تشهد فيه أذربيجان جدلاً داخلياً حول قواعد الزي المدرسي وحرية المعتقد. وتشير تقارير إعلامية إلى أن القواعد الجديدة لا تذكر الحجاب صراحة، لكنها طُبقت بطريقة أدت إلى منع بعض الطالبات والمعلمات المحجبات من دخول المدارس، ما أثار احتجاجات وانتقادات بشأن التوازن بين الطابع العلماني للدولة وحرية الممارسة الدينية.
ويبرز في الموقف الإيراني تناقض لافت؛ فبينما تنتقد وسائل إعلام قريبة من السلطة استبعاد المحجبات من المدارس في أذربيجان، تفرض إيران نفسها قواعد صارمة للحجاب الإجباري، وكانت احتجاجات عام 2022 على خلفية وفاة مهسا أميني قد تحولت إلى أزمة وطنية رافقتها حملة أمنية واسعة وانتقادات حقوقية دولية.
الإمارات تتعرض لهجوم إعلامي بعد خريطة نتنياهو
انتقلت الانتقادات الإيرانية إلى الإمارات، بعدما عرض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تصوراً لخريطة تحالفات إقليمية تتضمن إسرائيل والإمارات ضمن محور تعاون محتمل، في إطار رؤيته لترتيبات أمنية جديدة في الشرق الأوسط.
وبحسب تقارير إعلامية، تضع الخريطة الإمارات ضمن مجموعة تصفها الرؤية الإسرائيلية بأنها قريبة من إسرائيل، في مقابل مجموعات إقليمية أخرى، من بينها دول تُعرض في التصور باعتبارها قريبة من السعودية ومصر وتركيا وباكستان، إضافة إلى إيران والقوى المرتبطة بها.
ولا يعني ظهور دولة على الخريطة أنها أعلنت الانضمام إلى تحالف رسمي أو وقعت اتفاقاً أمنياً جديداً، لكن الصحافة الإيرانية تعاملت مع التصور بوصفه مؤشراً إلى تقارب أمني وسياسي يثير قلق طهران.
وهاجمت صحيفة «قدس» الإمارات في مقال بعنوان «الإمارات الإسرائيلية المتحدة»، منتقدة ما اعتبرته تقارباً بين أبوظبي وتل أبيب. كما رأت صحيفة «همشهري» في الخريطة دليلاً على ما وصفته بـ«الخيانة»، وربطت انتقاداتها بملف الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج والضغوط الاقتصادية المفروضة على طهران.
واستحضرت الصحيفة الروابط التجارية التاريخية بين إيران والإمارات، معتبرة أن العلاقات الاقتصادية التي كانت تربط التجار الإيرانيين بمراكز التجارة والصرافة الإماراتية تحولت، وفق روايتها، إلى مصدر ضغط على المصالح الإيرانية.
وتعكس هذه الحملة الإعلامية تصاعد الحساسية الإيرانية إزاء العلاقة بين الإمارات وإسرائيل، خصوصاً في ظل التوترات الأمنية والاقتصادية في الخليج. غير أن توصيفات مثل «الخيانة» و«الاصطفاف ضد إيران» تظل أحكاماً سياسية صادرة عن الصحف التي استخدمتها، ولا تثبت وحدها طبيعة الترتيبات الأمنية الفعلية بين الدول المعنية.
سيستان وبلوشستان.. هل يكفي الحل الأمني لوقف العنف؟
على الجبهة الداخلية، ركزت صحيفة «آرمان» على تصاعد الهجمات المسلحة في محافظة سيستان وبلوشستان جنوب شرقي إيران، مشيرة إلى أن استمرار العنف يرتبط، بحسب تحليلها، بأوضاع الفقر والتهميش وضعف الخدمات العامة.
وتقع المحافظة على الحدود مع باكستان وأفغانستان، وتضم نسبة كبيرة من السكان البلوش، كما تُعد من أفقر مناطق إيران. وشهدت لعقود مواجهات بين قوات الأمن وجماعات مسلحة، في بيئة تتداخل فيها التوترات الأمنية مع مشكلات اقتصادية واجتماعية طويلة الأمد.
وتشير تقارير حديثة إلى ارتفاع وتيرة الاشتباكات والهجمات في المنطقة خلال الأسابيع الماضية، مع سقوط قتلى من قوات الأمن في هجمات منفصلة. ويأتي ذلك في ظل استمرار نشاط جماعات مسلحة وتحديات أمنية متشابكة على الحدود الشرقية لإيران.
ورأت صحيفة «آرمان» أن الفقر وعدم المساواة وضعف الوصول إلى الرعاية الصحية والسكن الملائم والتعليم يمكن أن يعمق الشعور بالتهميش، ويوفر بيئة تستغلها الجماعات المسلحة في التجنيد وتبرير العنف.
ودعت الصحيفة، وفق ما نقله «ميدل إيست آي»، إلى تحسين ظروف المعيشة وتوسيع فرص العمل والتعليم والخدمات الصحية، معتبرة أن الاقتصار على الإجراءات الأمنية لن يعالج بالضرورة الأسباب الاجتماعية التي تغذي الصراع.
ويطرح هذا الطرح سؤالاً أساسياً بشأن مستقبل المحافظة: هل يمكن احتواء الهجمات بصورة مستدامة من دون معالجة الفجوات الاقتصادية والخدمية؟ فالعوامل الاجتماعية لا تفسر وحدها كل أعمال العنف، لكنها تشكل جزءاً من السياق الذي تعمل فيه الجماعات المسلحة، إلى جانب الاعتبارات السياسية والأمنية والحدودية.
تشابهار والجدل حول الأراضي المخصصة للاستثمار الأفغاني
أثار الحديث عن تخصيص أراضٍ في ميناء تشابهار الإيراني للاستثمار الأفغاني جدلاً داخلياً، وسط مخاوف من أن تؤدي الترتيبات المقترحة إلى التنازل عن جزء من الأراضي الإيرانية.
وبدأت القضية بعد تصريحات للنائب الإيراني محسن زنغنه، تحدث فيها عن تفاهم أولي لتخصيص نحو عشرة هكتارات في منطقة الميناء الساحلية، وأكثر من مئة هكتار داخل المنطقة الاقتصادية الخاصة، بهدف استقطاب استثمارات أفغانية وتطوير منشآت تساعد على نقل البضائع.
وأثارت عباراته بشأن حصول أفغانستان على مساحة خاصة بها في تشابهار انتقادات في إيران، إذ فسرها بعض المنتقدين على أنها قد تعني نقل أرض إيرانية إلى دولة أخرى.
لكن زنغنه عاد وأوضح أن الحديث يتعلق بالاستثمار وتطوير البنية التحتية، وليس بنقل ملكية الأراضي أو السيادة عليها. كما أكد النائب محمد مهدي شهرياري أن تخصيص الأراضي المحتمل يهدف إلى تسهيل عمليات الاستيراد والعبور التجاري، وأن أي ترتيب من هذا النوع لا يعني التنازل عن الأراضي الإيرانية.
من جهته، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن التقارير عن نقل أراضٍ إلى أفغانستان ناتجة عن سوء فهم، مؤكداً أن نقل الأراضي والسيادة إلى دولة أخرى ليس مطروحاً، وأنه لم يُقدم مقترح رسمي نهائي بهذا الشأن.
وتكمن أهمية تشابهار في موقعه على بحر عُمان، إذ يوفر منفذاً تجارياً مهماً لإيران وأحد المسارات التي يمكن لأفغانستان، وهي دولة غير ساحلية، استخدامها للوصول إلى الأسواق الدولية. ويمكن للاستثمار في منشآت الميناء والمنطقة الاقتصادية أن يعزز التجارة والعبور، لكنه لا يعني في حد ذاته نقل السيادة على الأراضي.
ولا يزال المقترح، وفق التصريحات المنشورة، في مرحلة أولية، في حين لم يُعلن عن اتفاق نهائي ينقل ملكية الأرض أو السيادة إلى الجانب الأفغاني.
أربع قضايا تكشف حساسية الداخل الإيراني تجاه الإقليم
تجمع الملفات الأربعة بين قضايا تبدو مختلفة، لكنها تتقاطع عند مفاهيم الهوية والسيادة والأمن. ففي أذربيجان، تركز الصحافة الإيرانية على الحجاب والهوية الدينية وتربطهما بالعلاقات مع إسرائيل. وفي الإمارات، تتحول خريطة للتحالفات الإقليمية إلى مادة لانتقاد التقارب مع تل أبيب والضغوط الاقتصادية على طهران.
أما في سيستان وبلوشستان، فيتناول الجدل جذور العنف ومحدودية الخدمات العامة، بينما يعكس ملف تشابهار حساسية داخلية تجاه أي ترتيب قد يُفهم على أنه مساس بالسيادة الوطنية.
ومع ذلك، ينبغي التمييز بين الوقائع الأساسية والتفسيرات السياسية التي تقدمها الصحف. فانتقاد قيود الحجاب لا يثبت وجود مشروع إسرائيلي وراءها، وظهور الإمارات في تصور للتحالفات لا يثبت قيام تحالف رسمي جديد، كما أن مناقشة تخصيص أرض للاستثمار لا تعني انتقال السيادة عليها.
وتوضح هذه التغطيات كيف تتداخل الملفات الداخلية والخارجية في الخطاب الإعلامي الإيراني، في وقت تواجه فيه البلاد ضغوطاً أمنية واقتصادية وإقليمية متزايدة.
اقرأ أيضاً
أزمة الحجاب تعمّق الخلاف بين أذربيجان وتركيا.. باكو تمنع 31 تركياً من دخول أراضيها
أزمة بين تركيا وأذربيجان بسبب الحجاب.. اتهامات لهاكان فيدان بتأجيج الاضطرابات
الحجاب في مدارس أذربيجان.. هل تُحرم الطالبات من التعليم بسبب لباسهن؟
أمة واحدة ودولتان على المحك».. أذربيجان ترفض الانتقادات التركية لحظر الحجاب وتطالب باحترام سيادتها

