وطن-طرحت إيران مبادرة للوساطة بين السعودية وجماعة الحوثيين في اليمن، في محاولة لفتح مسار سياسي يحد من التصعيد العسكري المتزايد، لكن المبادرة لم تتلقَّ، حتى 20 أكتوبر 2026، رداً من الرياض أو الجماعة، وفق تصريحات وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي.
وتأتي المبادرة في وقت تتجدد فيه المواجهات على جبهات يمنية عدة، بالتزامن مع هجمات حوثية على أهداف داخل السعودية وردود عسكرية تقودها القوات الحكومية اليمنية المدعومة من الرياض. ويحذر مراقبون من أن استمرار القتال قد يوسع نطاق الأزمة، في ظل ارتباطها بالتوترات الإقليمية الأوسع وبالمنافسة على النفوذ والممرات البحرية.
وكان عراقجي قد عرض استعداد طهران للمساعدة في إطلاق حوار بين السعودية والحوثيين خلال اتصال هاتفي مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان في 11 أكتوبر. وقال إن الاعتماد على الحل العسكري وتجاهل المسار السياسي لن يؤدي إلا إلى تعقيد الأوضاع، بينما أكدت الرياض أن الاتصال تناول التصعيد الإقليمي والجهود الرامية إلى احتوائه، من دون إعلان قبولها الوساطة الإيرانية.
معارك تعز ومأرب تعيد اليمن إلى واجهة التصعيد
تتزامن المبادرة الإيرانية مع اشتداد القتال في اليمن، ولا سيما في محافظات تعز ومأرب ومناطق أخرى من البلاد. وحذّر مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ، في إحاطته أمام مجلس الأمن يوم 9 أكتوبر، من أن البلاد عادت إلى حرب واسعة النطاق، مع امتداد المواجهات إلى جبهات متعددة.
وأشار غروندبرغ إلى استمرار القتال في المرتفعات الواقعة غرب مدينة تعز وجنوبها، وامتداده إلى محافظة لحج، إلى جانب تصاعد المعارك في مأرب والجوف وحجة. كما حذّر من التدهور السريع للوضع الإنساني في تعز، بالتزامن مع استمرار الضربات الجوية والهجمات على البنية التحتية المدنية وقطاع الطاقة.
وامتد التصعيد إلى الأراضي السعودية، إذ استهدفت هجمات حوثية مطارات ومنشآت داخل المملكة، في تطور أعاد التهديدات الأمنية إلى صدارة الحسابات السعودية. وردت الرياض بدعم العمليات العسكرية للقوات الحكومية اليمنية، فيما تبادل الطرفان الاتهامات بشأن المسؤولية عن التصعيد.
وتعكس هذه التطورات تراجع فرص تثبيت التهدئة التي استمرت بصورة نسبية منذ عام 2022، كما تزيد صعوبة الفصل بين مسار الحرب داخل اليمن والتوترات الإقليمية الأوسع.
الحوثيون يربطون وقف الهجمات بشروط سياسية واقتصادية
جدد المتحدث العسكري باسم الحوثيين، يحيى سريع، التأكيد أن الهجمات على السعودية ستستمر ما لم تتوقف، وفق وصف الجماعة، القيود المالية والاقتصادية المفروضة على اليمن، والعمليات العسكرية السعودية ضدها.
وتقول الجماعة إن القيود المفروضة على حركة السلع والأموال والمنافذ اليمنية تمثل حصاراً مستمراً، وتطالب بمعالجة الملف الاقتصادي إلى جانب وقف العمليات العسكرية. لكن هذه المطالب تتداخل مع خلافات أوسع حول إدارة الموانئ والمطارات، وعائدات النفط والغاز، والرواتب، وترتيبات السلطة والأمن بعد الحرب.
ومن وجهة نظر الرياض والحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، فإن الاستجابة لمطالب واسعة من دون ضمانات قابلة للتنفيذ بشأن وقف الهجمات وتأمين الحدود قد تمنح الحوثيين مكاسب سياسية واقتصادية إضافية من دون إنهاء أسباب الصراع.
ونقلت صحيفة «ميدل إيست آي» عن الخبير في الشأن اليمني محمد الباشا أن تقديم تنازلات تشمل السيطرة على المنافذ أو المجال الجوي أو تعويضات مالية كبيرة، من دون ضمانات واضحة لسلام مستدام، سيكون أمراً صعب القبول بالنسبة إلى السعودية والحكومة اليمنية.
ولا تقتصر المعضلة على حجم التنازلات، بل تشمل أيضاً طبيعة أي اتفاق محتمل: هل يوقف الهجمات بصورة مؤقتة، أم يضع ترتيبات أمنية وسياسية قابلة للاستمرار، أم يترك القضايا الأساسية معلقة بما يسمح بعودة المواجهة؟
هدنة مؤقتة أم تسوية تنهي الحرب؟
يرى محللون أن العودة إلى التفاوض، إذا تحققت، قد تفضي في مرحلتها الأولى إلى خفض التصعيد أو هدنة محدودة، لا إلى اتفاق شامل ينهي الحرب اليمنية.
وأشار أليكس جليلي، وفق ما نقلته «ميدل إيست آي»، إلى أن مطالب الحوثيين تتجاوز القضايا الاقتصادية والإنسانية، لتشمل ملفات سياسية وسيادية تتعلق بالنفوذ والاعتراف بموقع الجماعة داخل اليمن.
ويعني ذلك أن وقف الهجمات لا يحل وحده الخلاف بشأن تقاسم السلطة، وإدارة مؤسسات الدولة، ومصير عائدات النفط والغاز، وضمان أمن الحدود السعودية. كما أن أي اتفاق لا يعالج هذه الملفات قد يترك مساحة واسعة للخلافات التي ساهمت في استمرار الحرب.
وفي المقابل، يملك الحوثيون حساباتهم الخاصة في التفاوض، ولا يمكن افتراض أن قبول إيران بالوساطة سيؤدي تلقائياً إلى موافقتهم على الشروط السعودية. فرغم علاقات طهران الوثيقة بالجماعة، فإن للحوثيين أهدافاً سياسية وعسكرية خاصة، ويرى محللون أن مكاسبهم الميدانية قد تشجعهم على التمسك بشروطهم بدلاً من الإسراع إلى تسوية.
لماذا تتردد السعودية في قبول الوساطة الإيرانية؟
يمثل عرض طهران تحدياً دبلوماسياً للرياض، لأن قبوله قد يمنح إيران دوراً رسمياً في ملف تعتبره السعودية مرتبطاً بأمنها القومي وبالعلاقة بين الحوثيين والدولة اليمنية.
وبحسب قراءة نقلتها «ميدل إيست آي»، قد ترى الرياض أن منح طهران صفة الوسيط أو الضامن يعزز الانطباع بأن القرار الحوثي يعتمد بصورة حاسمة على إيران. وقد يكون لهذا التصور أثر على موازين التفاوض، خصوصاً في ظل المواجهة الإقليمية الأوسع بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل.
لكن عدم قبول وساطة إيرانية لا يعني انقطاع قنوات التواصل بين الرياض وطهران. فقد استؤنفت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين عام 2023 بموجب اتفاق رعته الصين، ولا تزال الاتصالات المباشرة قائمة، حتى مع استمرار الخلافات الأمنية.
كما تملك السعودية قنوات أخرى للتواصل بشأن اليمن، من بينها المسار العُماني الذي لعب دوراً مهماً في جهود التهدئة السابقة. وقد يمنح الاعتماد على هذه القنوات الرياض مجالاً للتفاوض بشأن خفض التصعيد من دون إسناد دور الوسيط الرئيسي إلى طهران.
اتفاق الدفاع المشترك يغيّر حسابات الرياض
تزامن التصعيد مع تعزيز السعودية تعاونها الأمني مع تركيا وباكستان، في إطار اتفاق الدفاع المشترك الذي وقعته الدول الثلاث في مكة في أغسطس 2026.
ويهدف الاتفاق إلى توسيع التنسيق الدفاعي بين الأطراف الثلاثة في مواجهة التهديدات الخارجية، فيما أشارت تقارير إلى أن التعاون يشمل ترتيبات أمنية وتنسيقاً عسكرياً متزايداً. ويأتي ذلك في وقت تحاول فيه السعودية تعزيز حماية أراضيها ومنشآتها الحيوية، وسط مخاوف من اتساع الهجمات الحوثية.
ويعتقد محللون أن هذا التقارب قد يمنح الرياض خيارات إضافية في التعامل مع التهديدات الأمنية، لكنه لا يعني بالضرورة أن الدول الثلاث ستدخل في عمليات هجومية داخل اليمن. فطبيعة أي تدخل، إن حدث، ستعتمد على القرارات السياسية والعسكرية لكل دولة وعلى الظروف التي قد تدفعها إلى التحرك.
ومن شأن توسع الدور الإقليمي في الحرب أن يزيد مخاطر انتقال المواجهة إلى نطاق أوسع، خصوصاً إذا دخلت أطراف جديدة على خط العمليات أو تعرضت مصالح دول أخرى للهجمات.
باب المندب ومضيق هرمز.. خطر يتجاوز حدود اليمن
تزداد حساسية الحرب اليمنية بسبب موقع البلاد قرب مضيق باب المندب، أحد الممرات البحرية المهمة للتجارة العالمية، ولا سيما حركة السفن بين البحر الأحمر وخليج عدن.
وفي ظل التوترات المحيطة بمضيق هرمز، تثير الهجمات التي تستهدف السفن أو تهدد طرق الملاحة مخاوف من تزامن اضطرابات متعددة في الممرات البحرية الرئيسية بالمنطقة، وهو ما قد يرفع تكاليف الشحن والتأمين ويزيد الضغط على أسواق الطاقة.
وترى تحليلات نقلتها «ميدل إيست آي» أن النفوذ الذي يمتلكه الحوثيون قرب باب المندب يمنحهم ورقة ضغط تتجاوز حدود اليمن، كما يمنح إيران مجالاً للتأثير في الحسابات الإقليمية. لكن هذا النفوذ يحمل مخاطر أيضاً، إذ إن اتساع الهجمات قد يدفع دولاً أخرى إلى تعزيز تدخلها العسكري ويزيد احتمال التصعيد غير المقصود.
وفي 29 يوليو 2026، نفذت الولايات المتحدة والسعودية ضربات مشتركة ضد جماعات مسلحة موالية لإيران في العراق، قالت واشنطن والرياض إنها مسؤولة عن هجمات على القوات الأمريكية ومنشآت الطاقة السعودية. وأظهرت تلك العملية كيف يمكن أن يتسع نطاق المواجهة إلى ساحات خارج اليمن، وإن كان سياقها العسكري مختلفاً عن مسار الحرب مع الحوثيين.
حسابات إيران بين النفوذ والتهدئة
تحاول طهران تقديم مبادرتها باعتبارها دعوة إلى الحل السياسي، محذرة من أن استمرار العمليات العسكرية قد يزيد تعقيد الأزمات الإقليمية. لكن محللين يرون أن الوساطة يمكن أن تخدم أيضاً أهدافاً استراتيجية لإيران، من بينها الحفاظ على نفوذها في اليمن والمساهمة في تحديد شروط أي ترتيب أمني إقليمي جديد.
وقال سينا طوسي، الزميل غير المقيم في مركز السياسة الدولية، إن إيران قد تفضّل اتفاقاً يستند إلى جهود التهدئة السابقة ويتناول ملفات الموانئ والمطارات والرواتب وإعادة الإعمار، إلى جانب توفير ضمانات أمنية للسعودية.
غير أن مصالح الأطراف لا تتطابق بالضرورة. فالسعودية تسعى إلى حماية أراضيها وتقليص المخاطر القادمة من اليمن، والحوثيون يريدون الاحتفاظ بمكاسبهم وتعزيز موقعهم السياسي، بينما تسعى إيران إلى الحفاظ على علاقاتها بالجماعة وتجنب مواجهة إقليمية أوسع قد تنعكس عليها مباشرة.
ويجعل هذا التباين أي وساطة محتملة عملية معقدة؛ إذ لا يكفي أن تعلن طهران استعدادها للمساعدة، بل يتطلب الأمر موافقة الأطراف على إطار تفاوضي واضح، والتزامات متبادلة يمكن مراقبتها والتحقق منها.
اليمن أمام مسارين متعارضين
تقف الأزمة اليمنية أمام احتمالين رئيسيين: أن تفتح الاتصالات الدبلوماسية مساراً لتخفيف الهجمات وإعادة التفاوض، أو أن تستمر المواجهة في ظل غياب اتفاق على شروط وقف إطلاق النار وترتيبات الأمن والسياسة بعد الحرب.
حتى الآن، لم يُعلن عن قبول سعودي أو حوثي للوساطة الإيرانية، فيما يواصل الميدان إظهار مؤشرات على اتساع القتال. ويؤكد مبعوث الأمم المتحدة أن عودة الحرب الواسعة تفرض تحديات إنسانية متزايدة، وتجعل حماية المدنيين واستئناف المسار السياسي أكثر إلحاحاً.
وبين شروط الحوثيين، وتحفظات الرياض على منح طهران دور الوسيط، ورغبة إيران في الحفاظ على نفوذها الإقليمي، تبقى فرص التسوية غير محسومة. أما خطر اتساع الحرب، فيرتبط بمدى قدرة الأطراف على منع الهجمات المتبادلة من التحول إلى مواجهة إقليمية تتجاوز حدود اليمن وتزيد اضطراب أمن المنطقة وممراتها البحرية.
اقرأ المزيد
طائرة إماراتية تهبط في طهران مرتين خلال 48 ساعة وسط مخاوف من تجدد المواجهة مع إيران
السعودية تتهم إيران بتشجيع الحوثيين على استهداف المملكة وتعتبر ذلك خرقاً لاتفاق بكين
هجمات الحوثيين تضرب الرياض.. وإيران تلوّح باستهداف أصول شركات التكنولوجيا الأمريكية في الخليج

