وطن-كشف تقرير جديد للمركز الوطني للاستخبارات الإسبانية عن تفاصيل إضافية بشأن تعامل السلطات المغربية مع موجة الدخول الجماعي إلى مدينة سبتة يومي 30 و31 يوليو/تموز 2026، متحدثًا عن «انتشار أمني غير كافٍ» و«موقف من السلبية» خلال الساعات الحاسمة للأزمة، في وقت كانت فيه الرباط تركز على تأمين احتفالات عيد العرش.
وبحسب صحيفة «إل إندبندينتي» الإسبانية، التي اطلعت على التقرير المقدم إلى القاضية ماريا تاردون، فإن الاستخبارات الإسبانية ترى أن السلطات المغربية كانت على علم مسبق بالدعوات إلى عبور الحدود، لكنها لم تتخذ إجراءات حاسمة بالقدر الكافي لمنع تدفق أعداد كبيرة من المهاجرين إلى سبتة، الخاضعة للسيادة الإسبانية.
ولا يتهم التقرير المغرب بتنظيم عملية الدخول الجماعي، لكنه ينتقد طريقة استجابته، معتبرًا أن ضعف الانتشار الأمني خلال الساعات الأولى ساهم في تجاوز الوضع لقدرات الأجهزة المكلفة بضبط الحدود.
عيد العرش في صدارة الأولويات الأمنية
يربط التقرير، وفق الصحيفة الإسبانية، بين ضعف الانتشار الأمني المغربي في محيط سبتة وبين تركيز السلطات على تأمين احتفالات عيد العرش، التي تزامنت مع الذكرى السابعة والعشرين لاعتلاء الملك محمد السادس العرش.
وكان الملك موجودًا يوم 30 يوليو/تموز في قصره بمدينة المضيق، المعروفة في إسبانيا باسم «رينكون»، على مقربة من سبتة. ويرى المركز الوطني للاستخبارات الإسبانية أن السلطات المغربية أعطت الأولوية لتأمين الاحتفالات الرسمية، وهو ما انعكس على مستوى ضبط التحركات باتجاه الحدود.
وجاء في التقرير، بحسب «إل إندبندينتي»، أن هذا الوضع أتاح وصول أعداد كبيرة من المهاجرين إلى محيط المدينة من دون تدخل مغربي فعّال في البداية. ولم تبدأ السلطات، وفق التسلسل الزمني الوارد في الوثيقة، بتطبيق إجراءات أكثر حزمًا، شملت التوقيفات ونقل المهاجرين إلى مناطق داخل البلاد واستخدام وسائل الردع، إلا بعد بلوغ موجة الدخول ذروتها.
وتشير التقديرات الإسبانية إلى أن نحو 80 ألف شخص دخلوا سبتة خلال الأزمة، وهو رقم يعكس حجم الضغط الذي تعرضت له المدينة وأجهزتها الأمنية والخدماتية.
تحذير إسباني قبل ساعات من الأزمة
تكتسب خلاصات التقرير أهمية إضافية لأنها تأتي بعد نشر الحكومة الإسبانية وثائق استخباراتية وأمنية تتعلق بالتحذيرات التي سبقت موجة الدخول الجماعي.
ووفق الوثائق التي تناولتها وسائل إعلام إسبانية، تواصل المركز الوطني للاستخبارات يوم 29 يوليو/تموز مع نظيريه المغربيين، المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني والمديرية العامة للدراسات والمستندات، لإبلاغهما بوجود دعوات إلى محاولة دخول سبتة في اليوم التالي.
وتضمنت الرسالة، بحسب الصحيفة، تحذيرًا من «محاولات محتملة للدخول إلى سبتة خلال أسبوع عيد العرش». وكانت أجهزة الاستخبارات الإسبانية قد رصدت دعوات متداولة على شبكات التواصل الاجتماعي تحث على العبور عبر البحر أو السياج الحدودي، مع مشاركة آلاف الأشخاص في مجموعات مرتبطة بهذه التحركات.
ويرى التقرير أن السلطات المغربية كانت تدرك مسبقًا وجود وضع استثنائي واحتمال تصاعد محاولات العبور، بل كانت قد اتخذت خطوات لتعزيز جهازها الأمني. ومع ذلك، وصف المركز مستوى الانخراط المغربي في منع الأزمة والسيطرة عليها بأنه «غير منتظم للغاية»، وفق ما نقلته الصحيفة.
وتثير هذه المعطيات تساؤلات بشأن مدى استجابة الرباط للتحذير الإسباني، وما إذا كانت الأولويات الأمنية المرتبطة بالاحتفالات الرسمية قد أثرت في توقيت التدخل على الأرض.
تحرك مغربي بعد بلوغ موجة الدخول ذروتها
بحسب التسلسل الزمني الذي أوردته «إل إندبندينتي»، لم تبدأ الإجراءات المغربية الأكثر صرامة إلا بعد دخول أعداد كبيرة من المهاجرين إلى سبتة. وشملت التدابير احتجاز مجموعات من المهاجرين ونقلهم إلى مناطق داخل المغرب، إلى جانب تعزيز الانتشار الأمني على الطرق والمحاور المؤدية إلى الحدود.
وذكر التقرير أن القوات المغربية احتجزت، ابتداءً من بعد ظهر 30 يوليو/تموز، مجموعات من المهاجرين المنحدرين من دول إفريقيا جنوب الصحراء في مرتفعات منطقة الفنيدق، المعروفة في المصادر الإسبانية باسم «كاستييخوس»، بهدف منع تقدمهم نحو سبتة.
وتُستخدم هذه المنطقة، الواقعة قرب الحدود، محطةً لبعض المهاجرين الذين يصلون إلى شمال المغرب في انتظار فرصة للعبور إلى الأراضي الإسبانية. ووفق الوثيقة، ركزت الإجراءات المغربية على قطع طرق التقدم نحو الحدود ومنع وصول مجموعات جديدة إلى محيط المدينة.
وفي الأول من أغسطس/آب، أنشأت السلطات المغربية ما وصفه التقرير بـ«خلايا أزمة»، بعد اعتبار الوضع تحت السيطرة. وكان الهدف المعلن لهذه الترتيبات منع تكرار محاولة دخول جماعي جديدة، على غرار ما حدث في نهاية يوليو.
محاولة جديدة في أغسطس وطرد صحافيين إسبان
أشار التقرير أيضًا إلى محاولة عبور جديدة جرت في 15 أغسطس/آب، عندما نشرت السلطات المغربية انتشارًا أمنيًا مكثفًا لمنع الوصول إلى سبتة. وأظهرت الصور المتداولة أن غالبية المشاركين في المحاولة كانوا من مهاجري إفريقيا جنوب الصحراء، وفق ما أوردته الصحيفة الإسبانية.
وخلال تغطية الأحداث، طُرد صحافيون من هيئة الإذاعة والتلفزيون الإسبانية الرسمية «آر تي في إي» ووكالة الأنباء الإسبانية «إفي» من المنطقة التي انتشرت فيها القوات المغربية.
وأثارت الواقعة تساؤلات بشأن ظروف عمل الصحافيين وقدرتهم على متابعة التطورات الميدانية قرب الحدود. كما سلطت الضوء على القيود التي واجهها الإعلام الإسباني أثناء تغطية محاولات العبور والإجراءات الأمنية المغربية.
الرباط تسعى إلى حماية صورتها أمام أوروبا
لا يقتصر التقرير الاستخباراتي على تقييم الانتشار الأمني المغربي، بل يتناول أيضًا ما يعتبره أهدافًا سياسية وإعلامية لإدارة الأزمة.
وبحسب «إل إندبندينتي»، يرى المركز الوطني للاستخبارات الإسبانية أن السلطات المغربية تحركت على أكثر من مستوى لتفادي انتقادات أو إدانات من منظمات دولية، وللحفاظ على صورتها كشريك موثوق لإسبانيا والاتحاد الأوروبي في ملف الهجرة.
ونقل التقرير تقييمًا مفاده أن إدارة الأزمة استهدفت، من بين أمور أخرى، «التحكم في الرسالة» المتعلقة بالأوضاع الاجتماعية في شمال المغرب، بالتوازي مع الحفاظ على صورة الرباط بوصفها طرفًا ملتزمًا بالتعاون مع أوروبا للحد من تدفقات الهجرة غير النظامية.
كما أشار إلى قرار للبرلمان الأوروبي صدر في 17 سبتمبر/أيلول 2026، تناولته الوثيقة في سياق الحديث عن تحركات السلطات المغربية لتجنب الانتقادات الدولية.
وتعكس هذه القراءة الإسبانية تداخل ملف الهجرة مع العلاقات السياسية والأمنية بين مدريد والرباط، حيث يشكل التعاون الحدودي عنصرًا مهمًا في العلاقات الثنائية، إلى جانب ملفات التجارة والأمن والتنسيق الإقليمي.
أزمة سبتة تفتح باب التساؤلات حول التعاون الحدودي
تأتي هذه الخلاصات في وقت تواصل فيه السلطات القضائية الإسبانية التحقيق في ملابسات الدخول الجماعي إلى سبتة، بما في ذلك التحذيرات السابقة للأزمة، وحجم الاستعدادات الأمنية، وكيفية تعامل مختلف الأجهزة مع المعلومات المتاحة.
ويقدم التقرير الجديد رواية استخباراتية إسبانية تنتقد استجابة المغرب في الساعات الأولى، وتربطها بأولوية تأمين احتفالات عيد العرش. لكن هذه الخلاصات تظل تقييمًا صادرًا عن جهاز استخبارات إسباني، ولا تعني وحدها أن المسؤولية السياسية أو القانونية عن جميع ملابسات الأزمة قد حُسمت.
وفي المحصلة، تعيد القضية إبراز حساسية ملف الهجرة بين المغرب وإسبانيا، وتكشف كيف يمكن لتوقيت المناسبات الرسمية والاعتبارات الأمنية الداخلية أن يتقاطعا مع إدارة الحدود. كما تضع التعاون المغربي الإسباني أمام اختبار جديد، في ظل استمرار التحقيقات القضائية وتباين الروايات بشأن ما جرى في سبتة أواخر يوليو/تموز 2026.
اقرأ أيضاً
ملك إسبانيا في سبتة بعد أزمة الهجرة.. رسالة سيادة تختبر علاقة مدريد بالرباط
الهجرة تقسم أوروبا.. أزمة سبتة تكشف انقسام الاتحاد الأوروبي وتضع إسبانيا تحت الضغط
أزمة سبتة الحدودية.. الإعلام الجزائري يتهم المغرب بتوظيف الهجرة للضغط على إسبانيا وأوروبا

