وطن-في مشهد يعكس المخاطر التي يواجهها الصحافيون أثناء توثيق الاعتداءات في الأراضي الفلسطينية، تعرّضت المصوّرة الصحافية الأمريكية هايدي ليفين لهجوم عنيف من مستوطنين إسرائيليين في قرية أبو فلاح، شمال شرقي رام الله، بينما كانت توثّق اعتداءات على المزارعين الفلسطينيين خلال موسم قطف الزيتون.
وبحسب شهادة ليفين، أسقطها المهاجمون أرضاً وانهالوا عليها بالضرب والركل، حتى قالت إنها تلقت نحو 50 ركلة، كما انتزعوا معداتها الصحافية. ونُقلت المصوّرة، التي تعمل مع صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية، إلى المستشفى لتلقي العلاج، بعد تدخل زملائها الفلسطينيين وطواقم الإسعاف لمساعدتها.
ولم تكن ليفين، التي تمتلك خبرة طويلة في تغطية الحروب والأحداث في فلسطين، تراقب الاعتداءات من مسافة آمنة هذه المرة، بل أصبحت بنفسها هدفاً للهجوم أثناء أداء عملها الصحافي.
إصابات خطيرة ومعدات صحافية مسروقة
لم يقتصر الاعتداء على الضرب والركل؛ إذ انتزع المهاجمون كاميرات ليفين وهاتفها وممتلكاتها، وفق تقارير صحافية وشهادات عن الحادثة. كما أظهرت الفحوص الطبية خطورة الإصابات التي تعرضت لها، ومنها كسور في فقرات الظهر وأحد الأضلاع، إلى جانب جروح وإصابات أخرى استدعت تلقي العلاج وإجراء تدخل طبي.
وكانت المصوّرة ترتدي سترة واقية وخوذة تحملان علامات واضحة تدل على عملها الصحافي، ما يثير تساؤلات بشأن استهدافها رغم وضوح هويتها المهنية.
ووفق شهادات نقلتها وسائل إعلام، استمر الاعتداء عدة دقائق، قبل أن يتدخل صحافيون وموجودون في المكان لمساعدتها. وفي الوقت نفسه، تعرض مزارعون فلسطينيون لاعتداءات خلال محاولتهم قطف الزيتون، وسط تقارير عن إحراق أشجار وأراضٍ زراعية ورشق الحاضرين بالحجارة.
إدانات أمريكية ومطالب بالتحقيق
أثار الاعتداء ردود فعل أمريكية، إذ أدان السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي الهجوم، فيما طالب مسؤولون أمريكيون بالتحقيق ومحاسبة المتورطين. كما دعا وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إسرائيل إلى تكثيف جهودها لمنع عنف المستوطنين في الضفة الغربية.
وأعلنت السلطات الإسرائيلية فتح تحقيق في الحادثة، بينما طالبت صحيفة «واشنطن بوست» بإجراء تحقيق شامل ومحاسبة المسؤولين عن الاعتداء على مصوّرتها أثناء أداء عملها. لكن فتح التحقيق لا يعني، بحد ذاته، ضمان محاسبة المعتدين، في ظل انتقادات متكررة لسجل التعامل مع الاعتداءات التي ينفذها مستوطنون ضد الفلسطينيين.
موسم الزيتون يتحول إلى ساحة خوف للمزارعين
وقع الاعتداء في قرية أبو فلاح، شمال شرقي رام الله، خلال موسم قطف الزيتون، الذي يشكل مصدر رزق أساسياً لكثير من العائلات الفلسطينية. ويواجه المزارعون في مناطق مختلفة من الضفة الغربية صعوبات متزايدة في الوصول إلى أراضيهم وجني محاصيلهم، في ظل هجمات وتهديدات وحرائق تطال الأراضي الزراعية.
ووفق منظمة «يش دين» الحقوقية الإسرائيلية، سُجلت أكثر من 170 حادثة اعتداء مرتبطة بعنف المستوطنين منذ بدء موسم قطف الزيتون في 27 سبتمبر/أيلول، بحسب ما نقلته تقارير صحافية. وتسلط هذه الأرقام الضوء على اتساع المخاطر التي تواجه الفلسطينيين خلال موسم يعتمدون فيه على محصول الزيتون لتأمين دخلهم.
ولا يقتصر أثر هذه الاعتداءات على الخسائر المادية، بل يمتد إلى تقييد قدرة المزارعين على الوصول إلى أراضيهم، وإلى تصاعد المخاوف من تكرار الهجمات في ظل غياب حماية فعالة ومحاسبة رادعة.
عندما تصبح الكاميرا هدفاً
يتجاوز الاعتداء على هايدي ليفين حدود استهداف صحافية بعينها؛ فهو يسلط الضوء على المخاطر التي يواجهها الصحافيون والمصورون أثناء توثيق ما يجري في الأراضي الفلسطينية، خصوصاً عندما تكون الاعتداءات نفسها موضوع تغطيتهم.
فإذا كانت صحافية أمريكية تعمل مع صحيفة دولية كبرى، وترتدي معدات واضحة للتعريف بمهنتها، قد تعرضت لهذا المستوى من العنف، فإن ذلك يثير أسئلة أوسع بشأن سلامة الصحافيين الفلسطينيين والأجانب وقدرتهم على أداء عملهم دون تهديد أو اعتداء.
وتبقى المحاسبة الفعلية على الهجوم، وضمان حماية الصحافيين والمزارعين، الاختبار الأهم أمام السلطات الإسرائيلية. فحرية الصحافة لا تتعلق فقط بحق الصحافي في حمل الكاميرا، بل بحق الجمهور في معرفة ما يحدث، وبألا يتحول توثيق الوقائع إلى سبب للعقاب والعنف.
اقرأ أيضاً
إرهاب المستوطنين يتصاعد.. إحراق دور عبادة ومنشآت ومطالب بفرض عقوبات دولية
رغم ارتدائها سترة الصحافة.. مستوطنون يعتدون على مصورة «واشنطن بوست» في الضفة الغربية

