وطن-يواجه المتحف البريطاني تساؤلات متزايدة بشأن إجراءات التدقيق التي سبقت قبوله رعاية الملياردير إيغور تولتشينسكي لمعرض «نسيج بايو» التاريخي، بعدما كشفت وثائق داخلية أن الفحص الذي أجراه المتحف لم يسجل «أي مخاوف» بشأنه، رغم تقارير عن تمويله مشروعاً علاجياً داخل مستوطنة إفرات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة.
وتثير القضية أسئلة بشأن مدى صرامة إجراءات التحقق من خلفيات الرعاة ومصادر تمويلهم، وما إذا كانت المؤسسات الثقافية البريطانية مطالبة بإعادة تقييم اتفاقات الرعاية عندما تظهر معلومات جديدة قد تؤثر في سمعتها أو تتعارض مع المعايير الأخلاقية التي تحكم عملها.
وبحسب صحيفة «ميدل إيست آي»، تكشف رسائل بريد إلكتروني داخلية حصلت عليها الصحيفة أن المفاوضات مع تولتشينسكي تقدمت خلال أكتوبر ونوفمبر 2025، في وقت كان فيه الملياردير يزور مستوطنة إفرات لافتتاح منشأة وُصفت بأنها مركز علاجي على شكل خيمة تقليدية، أو «يورت»، مخصصة لدعم جنود إسرائيليين وعائلاتهم.
وثائق داخلية تكشف تفاصيل فحص الراعي
أُفرج عن الرسائل والوثائق استجابة لطلب بموجب قانون حرية المعلومات تقدمت به حملة «كالتشر أنستيند»، المعنية بمساءلة المؤسسات الثقافية عن مصادر تمويلها وشراكاتها.
ورغم حجب أجزاء واسعة من الوثائق، فإن المواد المنشورة تكشف تسلسلاً زمنياً للجهود التي بذلها المتحف لتأمين الرعاية، وتوضح أن رئيس مجلس الأمناء السابق جورج أوزبورن لعب دوراً في تسهيل التواصل الأولي مع تولتشينسكي عبر صندوق التحوط «ميلينيوم مانجمنت» في نيويورك.
ففي 2 أكتوبر 2025، أرسل أوزبورن رسالة إلكترونية ربط فيها شارلوت أبليارد، مديرة التطوير في المتحف، بجهة اتصال لدى الصندوق. وأشارت الرسالة إلى اهتمام الصندوق بتوسيع علاقته بالمتحف، مع حجب أجزاء من النص تتعلق بطبيعة المشروع أو الفرصة المطروحة.
وبعد أربعة أسابيع، أبلغت أبليارد أوزبورن، في رسالة مؤرخة في 30 أكتوبر، بنتائج الفحص الذي أجراه فريق المتحف بشأن الصندوق وتولتشينسكي. ووصفت المخاوف المتعلقة بـ«ميلينيوم مانجمنت» بأنها متوسطة، لكنها اعتبرتها متناسبة مع حجم المؤسسة وطبيعة نشاطها في القطاع المالي.
أما تولتشينسكي، فقالت إن إجراءات التدقيق لم تكشف «أي مخاوف»، وطلبت من أوزبورن مراجعة الوثائق بسرعة حتى تتمكن من المضي قدماً في المفاوضات.
وبحسب «ميدل إيست آي»، رد أوزبورن بعد نحو 80 دقيقة بالموافقة على مواصلة الإجراءات. وفي 24 نوفمبر من العام نفسه، أبلغته أبليارد بأن تولتشينسكي وافق على رعاية معرض «نسيج بايو».
وتثير هذه المراسلات تساؤلات بشأن نطاق البحث الذي أُجري قبل قبول الرعاية، خصوصاً أن أجزاء من ملف التدقيق، بما فيها قسم عن مؤشرات المخاطر، ظلت محجوبة عن الجمهور.
زيارة مستوطنة إفرات تثير تساؤلات جديدة
تتركز إحدى أبرز نقاط الجدل على زيارة تولتشينسكي مستوطنة إفرات في 13 نوفمبر 2025، أي بعد نحو أسبوعين من الرسالة التي أشارت إلى خلو ملفه من المخاوف، وقبل الإعلان عن التوصل إلى اتفاق الرعاية.
ووفقاً للتقارير التي نقلتها «ميدل إيست آي»، شارك الملياردير في افتتاح منشأة علاجية داخل المستوطنة، وُصفت بأنها مساحة لدعم جنود إسرائيليين وعائلاتهم. كما نُسب إليه تشبيه المشروع بـ«القبة الحديدية الداخلية لإسرائيل»، في إشارة إلى منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلية.
وتقع إفرات ضمن كتلة غوش عتصيون الاستيطانية جنوب بيت لحم، في الضفة الغربية المحتلة. وتُعد المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير قانونية بموجب القانون الدولي، وفق الموقف الذي أكدته محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري بشأن الاحتلال الإسرائيلي.
ولا تثبت الوثائق المنشورة أن إدارة المتحف كانت على علم بزيارة تولتشينسكي إلى المستوطنة أثناء المفاوضات، أو أنها كانت تعرف تفاصيل التمويل المرتبط بالمشروع العلاجي. لكن توقيت الزيارة، مقارنة بمراحل التفاوض، أعاد فتح النقاش بشأن المعلومات التي شملها التدقيق ومدى كفايتها.
رعاية بنحو 5 ملايين جنيه إسترليني
تبلغ قيمة الرعاية التي قدمها تولتشينسكي لمعرض «نسيج بايو» نحو 5 ملايين جنيه إسترليني، وفق تقارير إعلامية بريطانية. ويُعد الاتفاق من أكبر صفقات رعاية المعارض في تاريخ المتحف البريطاني.
ويحظى المعرض بأهمية تاريخية كبيرة، إذ يقدم النسيج الشهير الذي يوثق أحداث الغزو النورماندي لإنجلترا عام 1066، ويُعرض في بريطانيا للمرة الأولى منذ قرون طويلة.
ولم يقتصر حضور الراعي على التمويل؛ فقد رُبط اسمه بالمعرض، وعُرضت صورة شخصية له داخل المتحف خلال فترة إقامته. وتمنح هذه المظاهر الراعي حضوراً عاماً واسعاً، ما يجعل التدقيق في خلفيته ومصالحه مسألة تتجاوز العلاقة المالية المباشرة إلى سمعة المؤسسة الثقافية نفسها.
ويؤسس تولتشينسكي شركة «وورلد كوانت»، المتخصصة في الاستثمار الكمي، كما أطلق نشاطاً استثمارياً في إسرائيل يركز على تقنيات متقدمة، بينها تقنيات مرتبطة بقطاع الدفاع، وفق تقارير صحفية.
انتقادات ومطالب بمراجعة اتفاق الرعاية
أثار الكشف عن صلات تولتشينسكي بالمشروع الموجود في إفرات انتقادات من منظمات معنية بمساءلة المؤسسات الثقافية، طالبت المتحف بمراجعة العلاقة معه في ضوء المعلومات الجديدة.
وقالت حملة «كالتشر أنستيند»، وفق ما نقلته «ميدل إيست آي»، إن على المتحف إعادة تقييم صلات الراعي والتصرف بما يتناسب مع التزاماته الأخلاقية، مشيرة إلى أن القضية تطرح تساؤلات حول مدى توافق الاتفاق مع المعايير المهنية المنظمة لقبول التبرعات والرعاية في المؤسسات المتحفية البريطانية.
كما دعا المركز الدولي للعدالة من أجل الفلسطينيين وزارة الثقافة والإعلام والرياضة البريطانية إلى معالجة المخاوف المثارة، وطالب بوضع قيود على التبرعات المقدمة من أفراد أو جهات تدعم المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية.
وفي السياق السياسي، دعا زاك بولانسكي، زعيم حزب الخضر البريطاني، إلى فتح تحقيق في الصفقة، بينما أثارت النائبة آنا سابين، المتحدثة باسم الثقافة في حزب الديمقراطيين الأحرار، القضية في البرلمان، متسائلة عن مدى توافق الرعاية مع سياسة الحكومة المتعلقة بالمستوطنات.
الحكومة البريطانية تحيل المسؤولية إلى أمناء المتحف
في رد مكتوب نُشر في 13 أكتوبر 2026، قال وزير الدولة بوزارة الثقافة والإعلام والرياضة إيان موراي إن وزيرة الثقافة ليزا ناندي لم تُجر تقييماً خاصاً لتداعيات التقارير المتعلقة بتولتشينسكي، لأن المتاحف الوطنية تتمتع باستقلال تشغيلي عن الحكومة، وتعود قرارات قبول التبرعات التجارية والخيرية إلى مجالس أمنائها.
وأضاف الوزير أن المتاحف الوطنية تعتمد نموذج تمويل مختلطاً يجمع بين الدعم العام والإيرادات الذاتية، وأن المتحف البريطاني يتعامل مع التبرعات وفق سياسته الخاصة بقبولها ورعاية المعارض. وأكد أن الحكومة لا تعتزم تغيير نهجها الحالي، الذي يترك هذه القرارات للمؤسسات المعنية.
ويضع هذا الرد المسؤولية الأساسية عن مراجعة الصفقة أمام مجلس أمناء المتحف، بدلاً من الحكومة، لكنه لا يحسم التساؤلات بشأن كفاية التدقيق الذي سبق توقيع الاتفاق، أو ما إذا كانت المعلومات التي ظهرت لاحقاً تستدعي مراجعة جديدة.
هل تسمح شروط العقد بإنهاء الرعاية؟
بحسب «ميدل إيست آي»، يتضمن عقد الرعاية بنوداً تتعلق بالتأثير المحتمل لأنشطة الراعي على سمعة المتحف، بما في ذلك الحالات التي تظهر فيها معلومات جديدة أو تقع أفعال مستقبلية قد تلحق ضرراً كبيراً بصورته.
وأشار جوليون موغام، مدير مشروع «غود لو بروجكت»، إلى أن هذه البنود تثير سؤالاً عملياً بشأن مدى استعداد المتحف لاستخدام صلاحياته إذا خلص إلى أن استمرار العلاقة قد يضر بسمعته.
لكن وجود بند يسمح بمراجعة اتفاق الرعاية أو إنهائه لا يعني، في حد ذاته، أن المتحف قرر اتخاذ هذه الخطوة، كما أن الوثائق المنشورة لا تثبت أن المؤسسة كانت تعرف بزيارة إفرات عند إبرام الاتفاق.
ولم يعلّق المتحف البريطاني على أسئلة الصحيفة بشأن القضية، كما لم تقدم وزارة الثقافة تعليقاً إضافياً. ولم ترد شركتا «وورلد كوانت» و«ميلينيوم مانجمنت» على طلبات التعليق التي أشارت إليها «ميدل إيست آي».
التمويل الثقافي تحت اختبار الشفافية
تسلط القضية الضوء على معضلة تواجه المتاحف الكبرى: الحاجة إلى تمويل خاص يتيح تنظيم معارض ضخمة وتوسيع فرص الوصول إليها، مقابل ضرورة ضمان أن تكون مصادر التمويل وشروط الرعاية متوافقة مع المعايير الأخلاقية وسمعة المؤسسة.
وفي حالة معرض «نسيج بايو»، لا ينصب الجدل على أهمية المعرض التاريخية، بل على الإجراءات التي سبقت قبول تمويله، وعلى كيفية تعامل المتحف مع معلومات قد تكون ذات صلة بتقييم الراعي.
وبينما تؤكد الحكومة البريطانية استقلال المتاحف في قرارات التمويل، تظل المسؤولية أمام مجلس أمناء المتحف البريطاني قائمة لتوضيح نطاق التدقيق الذي أُجري، وما إذا كانت المعلومات الجديدة تستدعي مراجعة الاتفاق. فالسؤال لم يعد يتعلق فقط بكيفية تمويل معرض تاريخي بارز، بل أيضاً بالمعايير التي تحكم قبول الأموال عندما تتقاطع الرعاية الثقافية مع قضايا سياسية وقانونية حساسة.
قد تعجبك
“تقنيات قتل عن بُعد في غزة”.. تحقيق حصري يكشف الوجه المظلم لرعاية المتحف البريطاني!
“اقصِف دون رادع”.. جندي إسرائيلي يكشف لـ”هآرتس” كواليس الأوامر المطلقة بقتل الغزيين!
“مقايضة سياسية خطيرة”.. كوسوفو التي أنقذها القانون الدولي تساعد إسرائيل على الانفلات منه!

