وطن-أصدر قاضٍ فيدرالي أمريكي أمراً قضائياً أولياً يقيّد إدارة الرئيس دونالد ترامب من اتخاذ إجراءات عقابية مدنية أو جنائية ضد منظمتين حقوقيتين أمريكيتين بسبب أنشطتهما المرتبطة بالمحكمة الجنائية الدولية، في قرار يعيد تسليط الضوء على الصراع بين العقوبات الأمريكية وحرية التعبير والعمل الحقوقي.
وقالت صحيفة «ميدل إيست آي» البريطانية إن القاضي جيسي فورمان، من المحكمة الفيدرالية للمنطقة الجنوبية في نيويورك، أصدر أمراً يحمي منظمة «الديمقراطية للعالم العربي الآن» (DAWN) و«تحالف دافعي الضرائب ضد الإبادة الجماعية» (TAAG) من إجراءات تستند إلى أنشطتهما التعبيرية والحقوقية المشمولة بالحماية الدستورية.
ورأى القاضي أن المنظمتين أظهرتا «احتمالاً قوياً للنجاح» في دعواهما المتعلقة بانتهاك التعديل الأول للدستور الأمريكي، الذي يكفل حرية التعبير. وأكد أن الحرمان من الحريات التي يحميها هذا التعديل، ولو لفترة وجيزة، يشكل ضرراً يتعذر إصلاحه.
ويأتي القرار وسط مواجهة قانونية متصاعدة بشأن العقوبات التي فرضتها إدارة ترامب على المحكمة الجنائية الدولية وبعض مسؤوليها، على خلفية تحقيقات تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بما في ذلك ملفات مرتبطة بإسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة.
دعوى بسبب مخاوف من الملاحقة والعقوبات
بحسب «ميدل إيست آي»، رفعت منظمة «الديمقراطية للعالم العربي الآن»، التي أسسها الصحفي السعودي الراحل جمال خاشقجي، الدعوى في يوليو الماضي بالاشتراك مع «تحالف دافعي الضرائب ضد الإبادة الجماعية».
وجاء التحرك القضائي بعدما أعربت المنظمتان عن مخاوفهما من أن يؤدي الأمر التنفيذي الذي أصدره ترامب إلى تعريض أنشطتهما الحقوقية لملاحقات قانونية. وازدادت هذه المخاوف، وفق الصحيفة، عقب مقال لوزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أعلن فيه استعداد واشنطن لتفكيك المحكمة الجنائية الدولية «حجراً حجراً».
وقالت المنظمتان إن التفسير الواسع الذي قد تتبناه الإدارة الأمريكية لمفهوم تقديم «خدمة» إلى جهة خاضعة للعقوبات يمكن أن يجعل أنشطة حقوقية معتادة سبباً للتحقيق أو الملاحقة المدنية والجنائية.
وتشمل هذه الأنشطة تقديم مذكرات قانونية إلى المحكمة الجنائية الدولية، ومشاركة المعلومات والأدلة، والتواصل مع منظمات حقوقية فلسطينية أو مع مسؤولين دوليين يعملون في ملفات حقوق الإنسان.
مذكرات بشأن انتهاكات محتملة في الأراضي الفلسطينية
أشار أمر المحكمة، وفق الصحيفة البريطانية، إلى أن منظمة DAWN قدمت مذكرات إلى المحكمة الجنائية الدولية بشأن ما وصفته بجرائم وانتهاكات مزعومة ارتكبها مسؤولون إسرائيليون في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فضلاً عن دور محتمل لمسؤولين أمريكيين في المساعدة والتحريض على تلك الأفعال.
واعتبرت المحكمة أن هذه الأنشطة لا تقتصر على محاولة التأثير في قرارات المحكمة الجنائية الدولية، بل تندرج أيضاً ضمن جهود التعبير والدعوة إلى احترام القانون الدولي، وبناء ضغط عام على الحكومات والمسؤولين.
وأكدت المنظمة، عقب صدور القرار، عزمها مواصلة عملها الحقوقي المرتبط بهذه الملفات.
وكانت DAWN قد حذرت من أن الخشية من العقوبات دفعت منظمات حقوقية إلى ممارسة الرقابة الذاتية، بما في ذلك الحد من أنشطتها المرتبطة بالمحكمة الجنائية الدولية وقطع بعض علاقاتها المهنية مع منظمات فلسطينية ومع المقررة الأممية فرانشيسكا ألبانيز.
ماذا يتضمن الأمر التنفيذي الذي أصدره ترامب؟
تعود خلفية النزاع إلى الأمر التنفيذي رقم 14203، الذي وقعه ترامب في فبراير 2025، وفتح الباب أمام فرض عقوبات على أشخاص أجانب يقدمون دعماً لتحقيقات المحكمة الجنائية الدولية المتعلقة بمواطنين أمريكيين أو إسرائيليين.
وبررت الإدارة الأمريكية هذه الإجراءات باعتبار تحقيقات المحكمة تهديداً للمصالح الأمريكية والإسرائيلية، وبأن المحكمة لا تملك، وفق موقف واشنطن، ولاية قضائية على مواطنين أمريكيين أو إسرائيليين في الظروف المعنية.
وبموجب السياسة الأمريكية، فرضت إدارة ترامب عقوبات على مسؤولين في المحكمة الجنائية الدولية، كما استهدفت منظمات حقوقية فلسطينية، بينها مؤسسة «الحق» ومؤسسة «الميزان» والمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، إضافة إلى المقررة الأممية فرانشيسكا ألبانيز.
وتقول المنظمات الحقوقية المعترضة إن توسيع نطاق العقوبات والقيود المرتبطة بها قد يؤدي إلى تجريم أنشطة مشروعة تتعلق بتوثيق الانتهاكات وتقديم المعلومات إلى الهيئات الدولية.
خلاف أمريكي قديم بشأن المحكمة الجنائية الدولية
على الرغم من أن الولايات المتحدة وقّعت نظام روما الأساسي المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية عام 2000 خلال رئاسة بيل كلينتون، فإنها لم تصادق عليه، ولم تصبح دولة طرفاً فيه.
ويرتبط الموقف الأمريكي، تاريخياً، بمخاوف من تعرض مواطنين ومسؤولين وعسكريين أمريكيين لملاحقات قضائية دولية، خصوصاً على خلفية العمليات العسكرية في أفغانستان والعراق.
لكن إدارة ترامب ربطت العقوبات بصورة مباشرة بمعارضة التحقيقات والإجراءات التي تستهدف إسرائيل، وهو ما أدى إلى تصاعد الخلاف مع منظمات حقوقية ترى أن هذه التدابير تهدد استقلال المؤسسات القضائية الدولية وحرية العمل الحقوقي.
وفي المقابل، تؤكد واشنطن اعتراضها على ما تعتبره تجاوزاً لاختصاص المحكمة وتهديداً لمصالحها ومصالح حلفائها.
القرار لا يلغي العقوبات المفروضة على المحكمة
على الرغم من أهمية الحكم، فإنه لا يعني إلغاء العقوبات الأمريكية المفروضة على المحكمة الجنائية الدولية أو على مسؤوليها والجهات الأخرى المستهدفة.
ويقتصر أثر الأمر القضائي الأولي، وفق التقرير، على حماية المنظمتين المدعيتين من إجراءات عقابية مرتبطة بأنشطتهما التعبيرية والحقوقية المشمولة بالحماية الدستورية، فيما تستمر المواجهة القانونية الأوسع بشأن شرعية سياسة العقوبات الأمريكية.
ونقلت الصحيفة عن محامي المنظمتين، جو بيس، قوله إن إجراءات الإدارة تمثل انتهاكاً للتعديل الأول، مؤكداً أن الحكومة لا تملك تحديد الموضوعات التي يجوز للأمريكيين مناقشتها فيما بينهم أو مع أطراف أجنبية.
وبذلك، يفتح القرار جبهة قضائية جديدة في الخلاف حول حدود السلطة التنفيذية الأمريكية، ومدى قدرتها على استخدام العقوبات في مواجهة الأنشطة الحقوقية المرتبطة بالقضايا الدولية.
اقرأ المزيد
واشنطن ترحب بانسحاب فنزويلا من المحكمة الجنائية الدولية وتطالب بتفكيكها..
دعوى في نيويورك ضد ترامب.. منظمات حقوقية تتحدى عقوبات واشنطن على المحكمة الجنائية الدولية

