وطن-كشفت ورقة بحثية إسرائيلية عن تحول لافت في التصورات الأمنية داخل إسرائيل بعد هجمات 7 أكتوبر، يقوم على التشكيك في استقرار الدول العربية، والنظر إلى اتفاقيات السلام باعتبارها ترتيبات مؤقتة لا يمكن التعويل عليها بصورة دائمة، وفق قراءة قدمها مسؤول استخباراتي إسرائيلي سابق.
وقال موقع «ميدل إيست آي» البريطاني إن تامير هايمان، المدير التنفيذي لمعهد دراسات الأمن القومي في جامعة تل أبيب والرئيس السابق لشعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، عرض في ورقة بحثية عشرة مبادئ غير معلنة قال إنها تساعد على تفسير توجهات السياسة الأمنية الإسرائيلية الراهنة.
وشدد هايمان على أن هذه المبادئ تمثل قراءة تحليلية ذاتية ومبالغاً فيها عمداً، وليست وثيقة رسمية تتبناها الحكومة الإسرائيلية، موضحاً أن الهدف منها هو فتح نقاش بشأن التحولات التي طرأت على مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي بعد هجمات 7 أكتوبر.
وتكتسب الورقة أهميتها من الأسئلة التي تطرحها بشأن مستقبل العلاقات مع الدول العربية، وحدود الرهان على اتفاقيات السلام، وموقع القضية الفلسطينية في الحسابات الإسرائيلية، فضلاً عن طبيعة التحالف مع الولايات المتحدة ومستقبل الديمقراطية داخل إسرائيل.
عشر قواعد غير معلنة للأمن الإسرائيلي
بحسب «ميدل إيست آي»، يرى هايمان أن التحول الجاري لا يقتصر على إعادة تقييم التهديدات العسكرية، بل يمتد إلى تصور إسرائيل لنفسها ولدول المنطقة، وإلى الأسس التي ينبغي أن تقوم عليها علاقاتها الخارجية.
وتنطلق بعض المبادئ التي يناقشها من نظرة متشككة إلى استقرار عدد من الدول العربية، إذ تصفها هذه الرؤية بأنها كيانات هشة تفتقر إلى هوية وطنية راسخة، وتتعامل معها باعتبارها تجمعات معرضة للانقسام والصراع الداخلي.
ووفق هذا التصور، تصبح التفاهمات السياسية واتفاقيات السلام عرضة للتشكيك المستمر، بدلاً من التعامل معها باعتبارها أصولاً استراتيجية يمكن البناء عليها لتعزيز الاستقرار الإقليمي.
لكن هايمان يطرح هذه الأفكار بوصفها ملامح لاتجاه أمني محتمل، لا باعتبارها عقيدة رسمية معلنة أو إجماعاً داخل المؤسسة الإسرائيلية.
هل أصبح ضعف الدول العربية جزءاً من الحسابات الإسرائيلية؟
من بين أكثر الأفكار إثارة للجدل في الورقة، بحسب الموقع البريطاني، اعتبار ضعف الدول العربية عاملاً قد يخدم المصالح الإسرائيلية، انطلاقاً من افتراض أن التعامل مع دول ضعيفة أو منقسمة أقل خطورة من التعامل مع دول مستقرة وقوية.
ويربط هذا التصور بين الحسابات الأمنية الإسرائيلية وبين استمرار التوترات في مناطق الاحتكاك، بما في ذلك الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة ومناطق داخل سوريا ولبنان.
كما يناقش دور المستوطنات والتجمعات المدنية في المناطق الحدودية، باعتبارها أدوات لإقامة وقائع ميدانية وسياسية يصعب تغييرها لاحقاً.
وتثير هذه المقاربة تساؤلات بشأن ما إذا كانت الأولوية الأمنية الإسرائيلية تتجه نحو بناء ترتيبات إقليمية مستقرة، أم نحو إدارة بيئة إقليمية مضطربة بما يتيح الحفاظ على التفوق العسكري وحرية التحرك.
السلام مع العرب.. من رصيد استراتيجي إلى مصدر للشك
تتمثل إحدى أبرز نقاط الورقة في التحول المحتمل في النظرة إلى السلام. فبدلاً من اعتباره وسيلة لتقليص التهديدات وتهيئة الظروف للاستقرار والازدهار، يشير هايمان إلى توجه ينظر إلى اتفاقيات السلام بوصفها ترتيبات تقنية ومؤقتة تحتاج إلى مراجعة متواصلة.
ويستحضر هذا التوجه مصطلح «الكونسبتسيا»، الذي ارتبط في النقاش الإسرائيلي بالافتراضات الأمنية والاستخباراتية التي أخفقت في توقع هجمات 7 أكتوبر.
وبحسب قراءة هايمان، قد تتحول الرغبة في تجنب الأخطاء السابقة إلى شك دائم في إمكان تحقيق سلام حقيقي، بحيث يُنظر إلى التفاهمات السياسية باعتبارها رهانات ساذجة أو قابلة للانهيار في أي لحظة.
ويحذر هذا الطرح من أن التشكيك في السلام قد يضعف مكانته داخل النقاش السياسي الإسرائيلي، خصوصاً مع تصاعد الخطاب الذي يقدم الأمن العسكري بوصفه أولوية تتقدم على التسويات السياسية.
الحرب الوقائية بوصفها أداة دائمة
تتناول الورقة أيضاً تصوراً للأمن القومي لا يتعامل مع الحرب باعتبارها استثناءً ينبغي إنهاؤه سريعاً، بل باعتبارها أداة يمكن اللجوء إليها بصورة متكررة لتحقيق مكاسب استراتيجية.
ويشير هايمان إلى أن هذا المنطق يمنح الحرب الوقائية مكانة متقدمة، على أساس أنها تتيح المبادرة إلى مواجهة التهديدات قبل تحولها إلى أخطار مباشرة، فيما يمكن تعديل مستوى التصعيد بحسب الظروف.
ويأتي هذا النقاش في ظل التداعيات الواسعة لحرب غزة، والتوترات على الجبهتين اللبنانية والسورية، والجدل بشأن مستقبل العلاقة مع الفلسطينيين والدول العربية.
غير أن تحويل الحرب إلى عنصر دائم في الحسابات الأمنية يثير أسئلة بشأن كلفتها الاقتصادية والاجتماعية، وتأثيرها على الاستقرار الداخلي، ومدى قدرتها على توفير أمن مستدام بدلاً من إنتاج أزمات جديدة.
شكوك في مستقبل التحالف مع الولايات المتحدة
تتطرق الورقة، وفق «ميدل إيست آي»، إلى نظرة متشائمة تجاه مستقبل الدور الأمريكي، إذ يفترض أحد المبادئ التي يناقشها أن واشنطن قد تتراجع عن التزاماتها تجاه إسرائيل في المستقبل.
ومن هذا المنطلق، يبرز تصور يدعو إلى تقليل الاعتماد على الولايات المتحدة وتعزيز الاستقلال الاستراتيجي الإسرائيلي، وهو ما يمثل تحولاً عن أحد الأعمدة التقليدية للعقيدة الأمنية الإسرائيلية، القائمة على الشراكة العسكرية والسياسية الوثيقة مع واشنطن.
ولا تقتصر المسألة على العلاقة الخارجية، إذ يربط هايمان هذا الاتجاه أيضاً بأولوية الهوية اليهودية للدولة على حساب بعض الاعتبارات الديمقراطية، محذراً من التداعيات المحتملة لهذا الترتيب على طبيعة النظام السياسي الإسرائيلي.
ويفتح هذا النقاش باباً واسعاً للتساؤل بشأن قدرة إسرائيل على الجمع بين تعريفها لنفسها بوصفها دولة يهودية وديمقراطية، في ظل سياسات قد تؤدي إلى تقييد الحقوق المدنية أو تعميق التمييز.
رفض الدولة الفلسطينية وتوسيع الاستيطان
وفقاً لما أورده الموقع البريطاني، تتضمن الرؤية التي يناقشها هايمان تشكيكاً في شرعية المشروع الوطني الفلسطيني، ورفضاً لفكرة الفصل السياسي بين إسرائيل وكيان فلسطيني مستقل.
وينعكس هذا التصور في دعم توسيع الاستيطان داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة وخارج الخط الأخضر، والتعامل مع الحدود المعترف بها دولياً باعتبارها غير حاسمة في تحديد المجال الذي تسعى إسرائيل إلى فرض سيطرتها الأمنية عليه.
وفي هذا الإطار، تُطرح ترتيبات تمنح الفلسطينيين والعرب الموجودين في المناطق المعنية حقوقاً إدارية أو محلية محدودة، من دون الوصول إلى سيادة وطنية كاملة.
وتعكس هذه الأفكار اتساع الهوة بين الرؤى التي تتمسك بحل الدولتين، وبين التيارات الإسرائيلية اليمينية والاستيطانية التي تدفع نحو فرض وقائع ميدانية جديدة وتتعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها مسألة سيطرة وأمن، لا قضية سياسية تتطلب تسوية متفقاً عليها.
تحذير من تحويل الشك في السلام إلى نبوءة تتحقق
لا تكتفي ورقة هايمان بعرض ملامح التحول الأمني، بل تطرح تساؤلات بشأن كلفته الاستراتيجية والأخلاقية على المدى الطويل.
ومن أبرز هذه المخاوف أن يؤدي التعامل مع اتفاقيات السلام باعتبارها أوهاماً مؤقتة إلى تقويضها فعلياً، وهو ما وصفه هايمان بخطر «النبوءة التي تحقق ذاتها»: أي أن الشك المستمر في الاتفاقيات قد يدفع الأطراف إلى سلوكيات تؤدي في النهاية إلى انهيارها.
كما يثير الطرح مخاوف بشأن تزايد الهجرة من إسرائيل، ولا سيما هجرة الكفاءات، وما يمكن أن يترتب على ذلك من آثار اقتصادية واجتماعية.
ويطرح هايمان كذلك سؤالاً بشأن مدى التوافق بين تقييد الحقوق المدنية للفلسطينيين داخل إسرائيل، الذين يشكلون نحو خمس السكان، وبين استمرار تقديم الدولة لنفسها بوصفها دولة يهودية وديمقراطية.
المستوطنون والمدنيون في خطوط المواجهة
تتناول الورقة أيضاً الاعتماد على المستوطنين والمدنيين في مواقع متقدمة داخل مناطق الاحتكاك، وتطرح تساؤلات بشأن ما إذا كان هذا التوجه يحمّل المدنيين مخاطر يفترض أن تتحمل المؤسسات العسكرية مسؤولية الحد منها.
ويرى هايمان أن استخدام المدنيين كوسيلة لتثبيت الوقائع الميدانية يثير تناقضاً بين وظيفة الدولة في حماية السكان وبين وضعهم في مناطق معرضة للصراع.
ويكتسب هذا النقاش أهمية في ظل التوسع الاستيطاني والتوترات الأمنية في المناطق الحدودية، حيث تتداخل الاعتبارات العسكرية مع الأهداف السياسية والجغرافية.
لوحة في تل أبيب تعكس التناقض بين الحرب والتسوية
جاءت هذه النقاشات بالتزامن مع حملات داخل إسرائيل تدعو إلى ترتيبات إقليمية جديدة. ففي 26 يونيو 2025، ظهرت في تل أبيب لوحة إعلانية لحملة «الائتلاف من أجل الأمن الإقليمي»، ضمت صور قادة عرب إلى جانب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وفق صورة نشرتها وكالة الصحافة الفرنسية.
وضمت اللوحة العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، والرئيس اللبناني جوزاف عون، والرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع، والرئيس الفلسطيني محمود عباس، والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، ورئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد. كما حملت اللوحة شعاراً بالعبرية يدعو إلى الانتقال من الحرب إلى التسوية، ويربط ذلك باتفاقيات أبراهام.
ويبرز هذا المشهد التباين بين الخطاب الذي يدعو إلى بناء تحالفات إقليمية جديدة، وبين التصور الأمني المتشكك في استدامة الاتفاقيات والتفاهمات مع الدول العربية.
ما الذي تكشفه الورقة عن إسرائيل بعد 7 أكتوبر؟
تتمثل أهمية ورقة هايمان في أنها تفتح نقاشاً حول اتجاهات التفكير الأمني الإسرائيلي، لكنها لا تثبت وحدها أن المبادئ التي تستعرضها أصبحت سياسة رسمية معتمدة لدى الحكومة أو المؤسسة الأمنية بأكملها.
ويحذر الطرح من أن إعادة تعريف الأمن على أساس الحرب المستمرة والشك في اتفاقيات السلام وتوسيع السيطرة الميدانية قد تحمل تداعيات تتجاوز ساحات المواجهة، لتطال العلاقات الإقليمية والاقتصاد والمجتمع وطبيعة النظام السياسي.
وبينما يرى أنصار التشدد الأمني أن صدمة 7 أكتوبر تستوجب مراجعة عميقة للمفاهيم السابقة، يطرح هايمان سؤالاً جوهرياً بشأن الثمن الذي قد تدفعه إسرائيل إذا تحولت هذه المراجعة إلى عقيدة تقوم على رفض التسويات والتعامل مع السلام بوصفه وهماً.
وهكذا، لا يقتصر الجدل الذي تثيره الورقة على مستقبل اتفاقيات السلام مع الدول العربية، بل يمتد إلى طبيعة الدولة الإسرائيلية نفسها، وحدود قوتها العسكرية، وعلاقتها بالولايات المتحدة، وإمكان التوصل إلى تسوية سياسية للقضية الفلسطينية.
اقرأ المزيد
بين الوعود وتحديات التطبيع: كيف تختبر هجمات الرياض التحالف الدفاعي بين ترامب ومحمد بن سلمان؟
الكويت في قطار التطبيع؟ يوسي شيلي يلمّح والواقع الكويتي يقول شيئاً آخر
إسرائيل تسعى لبيع أسلحة لدول الخليج.. هل يتحول التطبيع إلى تعاون عسكري؟
التطبيع لم يكن مطروحًا خلال مفاوضات النووي السعودي الأمريكي.. والاتفاق أصبح رهينة إسرائيل

