وطن-صعّدت السلطات التركية ضغوطها على الإعلام المعارض، بعد مداهمة مقر قناة «هالك تي في» في إسطنبول ووقف بثها المباشر، في خطوة أثارت انتقادات بشأن حرية الصحافة واستقلال المؤسسات الإعلامية، وأعادت إلى الواجهة المخاوف من اتساع نطاق الرقابة والاعتقالات في البلاد.
وقالت صحيفة «ميدل إيست آي» البريطانية إن الشرطة داهمت مقر القناة، المعروفة بتغطيتها الناقدة للحكومة، أثناء بث مباشر، ما أدى إلى توقف برامجها الإخبارية وبثها عبر منصة «يوتيوب». وجاءت العملية بالتزامن مع تعيين إدارة جديدة للقناة، في إجراء وصفه منتقدون بأنه تدخل سياسي في مؤسسة إعلامية معارضة.
وترافقت المداهمة مع إجراءات قضائية وأمنية استهدفت أشخاصاً مرتبطين برئيس مجلس إدارة القناة، جعفر ماهير أوغلو، الذي يواجه اتهامات بالرشوة والتلاعب في المناقصات وغسل الأموال، وهي اتهامات ينفيها. وبحسب الصحيفة، أوقفت السلطات 11 شخصاً في إطار التحقيق، فيما صدرت أوامر توقيف بحق 17 آخرين.
ووصف ماهير أوغلو ما حدث بأنه «يوم مظلم لتركيا»، معتبراً أن ما يجري يمثل مساساً بحق الجمهور في الوصول إلى المعلومات. كما اتهم السلطات باستخدام القضاء لأهداف سياسية، مؤكداً أن الاتهامات الموجهة إليه لا أساس لها.
وتأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه تركيا توتراً سياسياً متصاعداً، على خلفية الإجراءات القضائية بحق شخصيات معارضة بارزة، وفي مقدمتها رئيس بلدية إسطنبول السابق أكرم إمام أوغلو، إلى جانب اتساع القيود المفروضة على وسائل الإعلام ومنظمات المجتمع المدني.
مداهمة القناة تثير مخاوف بشأن حرية الصحافة
تُعد «هالك تي في» من أبرز القنوات التلفزيونية التي تقدم تغطية ناقدة للحكومة التركية، وترتبط تاريخياً بالتيار المعارض، ولا سيما حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة في البلاد.
وبحسب «ميدل إيست آي»، أدى اقتحام مقر القناة إلى تعطيل البث في لحظة سياسية حساسة، ما أثار انتقادات من صحفيين ومنظمات معنية بحرية الإعلام، اعتبروا أن التدخل في إدارة مؤسسة إعلامية ووقف برامجها يثيران تساؤلات بشأن استقلال الصحافة وقدرة وسائل الإعلام على أداء دورها الرقابي.
ونقل التقرير عن ريكاردو غوتيريز، الأمين العام للاتحاد الأوروبي للصحفيين، وصفه الوضع بأنه «مقلق للغاية»، محذراً من أن توقيف الصحفيين وفرض القيود عليهم يبعث برسالة ترهيب إلى الوسط الإعلامي بأكمله.
ودعا غوتيريز السلطات التركية إلى إنهاء التدخل في إدارة القناة، والسماح باستئناف البث، وضمان قدرة الصحفيين على أداء عملهم من دون ضغوط.
وتتجاوز أهمية القضية مصير مؤسسة إعلامية واحدة؛ إذ إن وقف البث أو تغيير الإدارة في ظروف مثيرة للجدل قد يؤثر في تنوع التغطية الإخبارية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقضايا الفساد والمحاكمات والشخصيات السياسية المعارضة.
ما علاقة القضية بأكرم إمام أوغلو؟
ربط أوزغور أوزيل، رئيس حزب الشعب الجمهوري، بين مداهمة «هالك تي في» والقضية القضائية المتعلقة بأكرم إمام أوغلو، الذي كان يشغل منصب رئيس بلدية إسطنبول قبل سجنه على خلفية اتهامات تنفي المعارضة أن تكون منفصلة عن الصراع السياسي.
وأثار اعتقال إمام أوغلو جدلاً واسعاً داخل تركيا وخارجها، نظراً إلى موقعه في المعارضة وإلى حضوره السياسي، إذ يُنظر إليه بوصفه أحد أبرز منافسي الرئيس رجب طيب أردوغان المحتملين.
ويرى منتقدون للسلطات أن الإجراءات القضائية بحق شخصيات معارضة، إلى جانب الضغوط على المؤسسات الإعلامية التي تغطي قضاياها، قد تؤدي إلى تضييق المجال العام وتقليص فرص المنافسة السياسية المتكافئة.
في المقابل، تقدم السلطات التركية التحقيقات والإجراءات القضائية باعتبارها جزءاً من تطبيق القانون. ولذلك، فإن تقييم دوافع كل إجراء يتطلب التمييز بين الاتهامات الرسمية، والردود الصادرة عن المتهمين، والانتقادات السياسية التي تثيرها هذه القضايا.
وبحسب الصحيفة البريطانية، فإن تزامن التطورات المتعلقة بالقناة مع بدء مرحلة مهمة من دفاع إمام أوغلو عزز مخاوف المنظمات الصحفية من أن يؤدي تعطيل التغطية الإعلامية إلى الحد من قدرة الجمهور على متابعة القضايا ذات الأهمية العامة.
اعتقالات وحجب يطالان منظمات المجتمع المدني
لا تقتصر المخاوف المتعلقة بحرية التعبير في تركيا على وسائل الإعلام السياسية، بل تمتد إلى منظمات حقوقية ومهنية وصحية ومجموعات من المجتمع المدني.
وأشارت «ميدل إيست آي» إلى أن السلطات فرضت قيوداً على مئات الحسابات والروابط والمواقع الإلكترونية، في إجراءات شملت جهات تنتقد الحكومة أو تنشط في مجالات حقوق الإنسان وحرية الإنترنت.
ومن بين الجهات التي تناولها التقرير جمعية حرية التعبير في تركيا، المعروفة اختصاراً باسم «آي إف أو دي»، والتي ترصد حجب المواقع والمنصات الرقمية. كما طالت القيود حسابات مرتبطة بمبادرة «أكاديميون من أجل السلام»، وصحيفة «إيفرنسل» اليسارية، ومنظمة العفو الدولية في تركيا، وفق ما أوردته الصحيفة.
وامتدت الإجراءات، بحسب التقرير، إلى مؤسسات مهنية وصحية، من بينها جمعية الطب النفسي التركية، وجمعية التعليم والعلاج والبحوث الجنسية، ما أثار تساؤلات بشأن اتساع نطاق القيود الرقمية لتشمل جهات لا يقتصر نشاطها على العمل السياسي المباشر.
ويؤدي حجب الحسابات والمواقع إلى تقليص قدرة المؤسسات على نشر المعلومات والتواصل مع جمهورها، كما قد يحد من وصول المواطنين إلى مصادر متنوعة للمعلومات. وتزداد أهمية هذه المسألة عندما تطال القيود جهات تتابع أداء السلطات أو تقدم خدمات ومعلومات صحية وحقوقية.
«تسونامي الرقابة».. تحذيرات من اتساع التضييق
وصف يامان أكدنيز، مؤسس جمعية حرية التعبير في تركيا، الوضع بأنه يشهد تصعيداً متزايداً في القيود المفروضة على الإعلام والمجتمع المدني.
وقال، وفق ما نقلته «ميدل إيست آي»، إن موجة الرقابة تحولت إلى ما يشبه «تسونامي» خلال سبتمبر، ولم تعد تقتصر على الصحافة، بل امتدت إلى المنظمات المدنية وكل من يوجه انتقادات للحكومة.
وتعكس هذه التصريحات مخاوف أوساط حقوقية من أن يؤدي تراكم الاعتقالات والحجب والإجراءات القضائية إلى خلق بيئة تدفع الصحفيين والناشطين إلى ممارسة الرقابة الذاتية، خشية التعرض للملاحقة أو تعطيل أنشطتهم.
وفي المقابل، تقول السلطات التركية إن الإجراءات الأمنية والقضائية تستند إلى القوانين المعمول بها. غير أن الجدل الأساسي يتمحور حول مدى تناسب هذه الإجراءات مع المخالفات المزعومة، وشفافية التحقيقات، وضمان حق المتهمين في الدفاع، وحماية حرية التعبير والصحافة.
الإعلام المعارض في قلب الصراع السياسي التركي
تكشف قضية «هالك تي في» عن حجم التداخل بين الإعلام والصراع السياسي في تركيا، حيث أصبحت المؤسسات الصحفية والمنصات الرقمية جزءاً من المواجهة بين الحكومة والمعارضة.
ففي الوقت الذي تؤدي فيه وسائل الإعلام الناقدة دوراً في متابعة القضايا العامة ومساءلة المسؤولين، يمكن أن تؤثر الإجراءات الأمنية والقضائية في قدرتها على مواصلة عملها، ولا سيما عندما تتعلق التغطية بشخصيات معارضة أو تحقيقات تثير اهتماماً واسعاً.
وتزداد حساسية المشهد مع استمرار القضايا القضائية التي تطال شخصيات سياسية بارزة، وتصاعد الخلاف بشأن استقلال المؤسسات وحرية العمل الصحفي.
وبينما تنفي السلطات أن تكون إجراءاتها ذات دوافع سياسية، تحذر منظمات صحفية وحقوقية من أن اتساع نطاق المداهمات والحجب قد يضعف التعددية الإعلامية ويقيد النقاش العام.
وفي المحصلة، لا تتعلق تداعيات مداهمة «هالك تي في» بمصير قناة تلفزيونية فحسب، بل تمتد إلى أسئلة أوسع بشأن حدود تدخل السلطات في المؤسسات الإعلامية، وضمان استقلال القضاء، وحق المجتمع في الوصول إلى المعلومات. وستظل طريقة التعامل مع القضية، ومدى السماح للقناة باستئناف عملها، ومآلات التحقيقات والقيود الرقمية، مؤشرات مهمة على مستقبل حرية الصحافة والمجتمع المدني في تركيا.
اقرأ المزيد
فضيحة صندوق الـ17 مليار دولار تهز تركيا وتتحول إلى أزمة سياسية لأردوغان..
مداهمات واسعة في تركيا تستهدف مجتمع الميم.. عشرات الموقوفين تحت شعار “حماية الأسرة”
اعتقال الكوميدي دنيز غوكتاش بعد عرض ساخر عن أردوغان.. وقضية جديدة تهز حرية التعبير في تركيا

