وطن-حذر صندوق النقد الدولي من أن تصاعد الحروب في الشرق الأوسط وتفاقم اضطرابات أسواق الطاقة يهددان بتعميق الفجوة الاقتصادية بين دول العالم، في وقت تواجه فيه الاقتصادات الهشة ضغوطاً متزايدة ناجمة عن ارتفاع تكاليف الطاقة والغذاء، وتسارع التحولات التكنولوجية، وتداعيات التغير المناخي.
وبحسب ما أورده موقع «ميدل إيست آي»، تزامنت التحذيرات مع صدور تقرير الصندوق بشأن آفاق الاقتصاد العالمي خلال الاجتماعات الاقتصادية والمالية المنعقدة في بانكوك، حيث ناقش مسؤولون دوليون انعكاسات الصراعات الإقليمية والتوترات التجارية على النمو والاستقرار الاقتصاديين.
ويرى الصندوق أن الأزمات المتزامنة لا تؤثر في جميع الدول بالقدر نفسه؛ إذ تمتلك الاقتصادات الغنية موارد أكبر لاحتواء الصدمات وتأمين احتياجاتها، بينما تواجه الدول منخفضة الدخل صعوبات أكبر في توفير الطاقة والغذاء وتمويل الاستثمارات الضرورية لمواكبة التحولات العالمية.
الحروب وأزمة الطاقة توسعان الفجوة بين الاقتصادات
تأتي الحرب على إيران والتوترات في منطقة الخليج، إلى جانب الحرب الإسرائيلية على غزة، في مقدمة العوامل التي تزيد الضغوط على الاقتصاد العالمي، وسط مخاوف من استمرار اضطراب إمدادات النفط والغاز وارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل.
ونقل «ميدل إيست آي» عن صندوق النقد الدولي تحذيره من أن الدول الأكثر فقراً والاقتصادات المعتمدة على استيراد الطاقة ستكون أكثر عرضة لتداعيات هذه التطورات، خصوصاً عندما تفتقر إلى الاحتياطيات المالية والقدرة على منافسة الاقتصادات الكبرى في تأمين الإمدادات المحدودة.
وفي السياق نفسه، قال أجاي بانغا، رئيس البنك الدولي، خلال الاجتماعات المنعقدة في بانكوك، إن الدول باتت تتعامل مع أمن الطاقة باعتباره جزءاً أساسياً من أمنها القومي، في ظل ما تفرضه الصراعات من مخاطر على أسواق النفط والغاز.
وبحسب وكالة «رويترز»، جاءت تصريحات بانغا وسط مخاوف من ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء وتجدد الضغوط التضخمية، بما قد ينعكس على القدرة الشرائية للأسر ويزيد الأعباء المالية على الحكومات.
اقتصادات خليجية تواجه مخاطر الانكماش
في الشرق الأوسط، أشار صندوق النقد الدولي إلى تعرض صادرات النفط والغاز في البحرين والعراق والكويت وقطر لاضطرابات مرتبطة بالحرب على إيران، متوقعاً تراجعاً اقتصادياً حاداً في بعض هذه الدول خلال العام الجاري، وفق ما أورده التقرير.
أما السعودية، فتواجه بدورها تحديات مرتبطة بالاضطرابات الإقليمية وتأثيراتها المحتملة على النشاط الاقتصادي والاستثمارات والسياحة. وأوضح الصندوق أن توقعاته للاقتصاد السعودي أُعدت قبل الهجمات الأخيرة التي طالت مطار الرياض ومواقع أخرى، ما يعني أن الأرقام المنشورة لا تعكس بالضرورة كامل تداعيات التطورات اللاحقة.
ووفق التوقعات الواردة في التقرير، قد ينكمش الاقتصاد السعودي بنسبة 3.3% خلال العام الجاري، قبل أن يحقق نمواً بنسبة 7.9% في عام 2027. وتظل هذه التقديرات مرتبطة بالافتراضات والظروف التي استند إليها الصندوق عند إعداد توقعاته.
وأشار «ميدل إيست آي» إلى أن الهجمات التي أعلن الحوثيون تنفيذها خلال الأسبوع قد تزيد الضغوط على المملكة، لا سيما في ظل مساعيها إلى تنويع مصادر الدخل وتوسيع قطاع السياحة ضمن خططها الاقتصادية.
ونقل الموقع عن مقيمين أجانب في الرياض مخاوف بشأن مستوى الأمان في ظل التصعيد، في حين تثير التطورات الإقليمية تساؤلات أوسع بشأن تأثير المخاطر الأمنية على حركة السفر والاستثمار والأنشطة الاقتصادية.
الذكاء الاصطناعي يهدد استقرار سوق العمل
لا تقتصر التحديات التي تواجه الاقتصاد العالمي على الحروب وأزمة الطاقة؛ إذ حذر صندوق النقد الدولي أيضاً من أن التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى تحولات واسعة في سوق العمل، مع تفاوت قدرة الدول على الاستفادة من التقنيات الجديدة.
وقالت كريستالينا جورجييفا، المديرة العامة للصندوق، إن الذكاء الاصطناعي قد يؤثر، بمرور الوقت، في طبيعة نحو 40% من الوظائف حول العالم، سواء من خلال تعزيز إنتاجية العاملين أو تغيير المهارات المطلوبة أو تقليص بعض الوظائف وإلغائها.
ويثير هذا التحول مخاوف خاصة في الدول النامية التي تفتقر إلى البنية التحتية الرقمية والاستثمارات والمهارات اللازمة لمنافسة الاقتصادات المتقدمة في القطاعات التكنولوجية.
وقد يؤدي تفاوت الاستفادة من الذكاء الاصطناعي إلى توسيع الفجوة في الإنتاجية والدخل بين الدول، فضلاً عن زيادة التباينات داخل المجتمعات نفسها، إذا لم تواكب سياسات التعليم والتدريب والحماية الاجتماعية التغيرات التي يشهدها سوق العمل.
النفط والأسمدة والتغير المناخي تزيد الضغوط
تتزامن الاضطرابات الجيوسياسية مع ارتفاع تكاليف الديزل والأسمدة، وهما عنصران أساسيان في النقل والزراعة وإنتاج الغذاء. وقد تنتقل هذه الزيادات إلى المستهلكين عبر ارتفاع تكاليف الإنتاج والشحن وأسعار السلع الأساسية.
كما حذر خبراء من مخاطر ظاهرة «إل نينيو» المناخية، التي قد تسهم في زيادة درجات الحرارة وحدوث موجات حر شديدة في مناطق مختلفة من العالم، بما يهدد الصحة العامة والإنتاج الزراعي ويزيد الضغط على شبكات الكهرباء والمياه.
وفي حال استمرار هذه العوامل بالتزامن، قد تجد الحكومات نفسها أمام تحديات متشابكة تتطلب تمويلاً إضافياً للتعامل مع ارتفاع تكاليف المعيشة، ودعم الفئات الأكثر هشاشة، وحماية القطاعات الاقتصادية المتضررة.
وقالت سيلفانا تنريرو، كبيرة الاقتصاديين في صندوق النقد الدولي، إن استمرار الصراع في الشرق الأوسط لفترة طويلة قد يزيد الضغوط التضخمية ويبطئ النمو العالمي. وأشارت إلى أن الاقتصاد العالمي أظهر قدرة على الصمود، لكن هذه القدرة تقترب من حدودها.
النمو العالمي يصمد لكن مخاطر التضخم تتزايد
إلى جانب صراعات الشرق الأوسط، يواجه الاقتصاد العالمي تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية والسياسات التجارية الأميركية، بما في ذلك الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والتي تزيد حالة عدم اليقين بشأن التجارة والاستثمار وتكاليف الاستيراد.
وقال رئيس البنك الدولي، وفق ما نقلته «رويترز»، إن النمو العالمي أظهر مرونة أكبر مما كان متوقعاً، حتى في ظل اضطرابات إمدادات الطاقة وإغلاق إيران مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس الاستهلاك العالمي من النفط وفق التقديرات المتداولة.
لكن هذه المرونة لا تعني أن الاقتصادات قادرة على امتصاص الصدمات المتلاحقة إلى أجل غير محدود، خصوصاً إذا استمرت أسعار الطاقة مرتفعة أو اتسعت دائرة النزاعات التجارية والعسكرية.
وبحسب التوقعات الواردة في تقرير صندوق النقد الدولي، يُنتظر أن ينمو الاقتصاد العالمي بنسبة 3.1% خلال العام الجاري، قبل أن يرتفع معدل النمو إلى 3.4% في عام 2027. كما يُتوقع أن يبلغ التضخم 4.7% هذا العام، ثم يتراجع إلى 4.1% في العام المقبل.
غير أن هذه المؤشرات الإجمالية لا تعكس التفاوت في الأداء بين الاقتصادات؛ إذ يمكن أن تحقق بعض الدول مكاسب من قطاعات معينة، بينما تواجه دول أخرى انكماشاً وارتفاعاً في الأسعار وتراجعاً في مستويات المعيشة.
الدول الفقيرة في مواجهة فاتورة الأزمات
حذر صندوق النقد الدولي من أن الدول منخفضة الدخل، خصوصاً المعتمدة على واردات النفط والتي تفتقر إلى قطاعات تكنولوجية تنافسية، تواجه خطراً متزايداً يتمثل في اتساع فجوات الدخل بينها وبين الاقتصادات الأكثر تقدماً.
وتزداد صعوبة الوضع عندما تضطر الحكومات إلى إنفاق مبالغ أكبر على استيراد الطاقة والغذاء، في وقت تكون فيه قدرتها على الاقتراض محدودة، وتواجه فيه الأسر ضغوطاً متزايدة لتغطية نفقات السكن والنقل والمواد الأساسية.
كما أن ارتفاع تكاليف الإنتاج قد يحد من قدرة الشركات على التوسع والتوظيف، بينما يهدد التضخم بتقليص القيمة الفعلية للأجور والمدخرات، ولا سيما لدى الفئات ذات الدخل المحدود.
وتشير هذه التطورات إلى أن آثار الأزمات العالمية لا تتوقف عند حدود الدول التي تشهد الحروب، بل تمتد عبر التجارة وأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد، لتصل إلى اقتصادات بعيدة جغرافياً عن مناطق النزاع.
اقتصاد عالمي أكثر انقساماً
ترسم تحذيرات صندوق النقد الدولي صورة لاقتصاد عالمي تتداخل فيه المخاطر العسكرية والتجارية والمناخية والتكنولوجية. وفي حين تتمتع بعض الدول بالموارد اللازمة للتكيف مع هذه التحولات، تواجه الاقتصادات الأضعف احتمال تراجع النمو وارتفاع الأسعار واتساع التفاوت الاجتماعي.
ويعتمد مسار الاقتصاد العالمي خلال المرحلة المقبلة على تطورات الصراعات، واستقرار إمدادات الطاقة، والسياسات التجارية، وقدرة الحكومات على حماية الفئات الأكثر تضرراً من التضخم والتحولات في سوق العمل.
وفي ظل هذه الظروف، لا يتمثل التحدي في الحفاظ على معدلات النمو العالمية فحسب، بل أيضاً في الحد من اتساع الفجوة بين الدول وضمان ألا تتحمل الاقتصادات الأقل قدرة على المواجهة النصيب الأكبر من تكلفة الأزمات المتلاحقة.
اقرأ المزيد
هل تحوّل اليمن إلى ساحة صدام سعودي إماراتي؟ حرب اتهامات على منصات التواصل
إسرائيل تروّج لوثائقي يحاكي «نازا» لعرض روايتها عن حرب غزة وما يُوصف بالإبادة الجماعية
تصاعد الحرب بين السعودية والحوثيين يشرّد 130 ألف يمني ويعمّق أزمة الجوع في اليمن
انهيار القطاع الصحي في اليمن مع اتساع القتال.. أطفال بلا أسرّة ومستشفيات على حافة الإغلاق
مدينة الأبيض السودانية بعد فك الحصار.. مدينة تحاول الحياة تحت تهديد مسيّرات الدعم السريع

