وطن-لم تعد الخلافات بين السعودية والإمارات محصورة في التنافس السياسي والاقتصادي أو تباين الحسابات الإقليمية، بل امتد السجال بين أنصار البلدين إلى منصات التواصل الاجتماعي، حيث تحولت الهجمات الأخيرة التي استهدفت السعودية إلى مناسبة لتبادل الاتهامات والتشكيك في مواقف الحليفين السابقين، وسط عودة اليمن إلى واجهة التوتر بين الرياض وأبوظبي.
وبين منشورات فُهمت على أنها شماتة في الضربات التي طالت السعودية، وردود سعودية اتهمت الإمارات بدعم الحوثيين، اتسعت المواجهة الكلامية لتعيد فتح ملفات شائكة تتعلق بالحرب اليمنية والنفوذ الإقليمي ومستقبل العلاقة بين البلدين.
منشورات مثيرة للجدل وردود تتجاوز حدود العتاب
بدأ جانب من السجال بتغريدات ومنشورات على منصة «إكس»، اعتبرها متابعون تلميحات بالشماتة في السعودية عقب الهجمات الأخيرة التي استهدفت منشآت ومطارات في المملكة. وسرعان ما انتقلت التعليقات من انتقاد مواقف محددة إلى تبادل اتهامات حادة بين حسابات سعودية وإماراتية.
وفي مقابل الأصوات التي انتقدت ما عدّته استغلالاً للهجمات السعودية لتصفية الحسابات السياسية، دافع مغرّدون إماراتيون عن دور بلادهم في اليمن، مستحضرين مشاركة الإمارات في الحرب وجهود جنودها، إلى جانب ما يقولون إنها مساهمات في الإغاثة وإعادة الإعمار.
لكن الردود السعودية لم تقتصر على التشكيك في نيات بعض الحسابات الإماراتية، بل امتدت إلى اتهامات أكثر خطورة بشأن دور أبوظبي في الصراع اليمني، بما في ذلك مزاعم دعم الحوثيين بالمال والسلاح. وتظل هذه الاتهامات، ما لم تسندها أدلة مستقلة وواضحة، في إطار السجال المتداول على المنصات الرقمية، ولا يصح التعامل معها باعتبارها حقائق مثبتة لمجرد تداولها على نطاق واسع.
اليمن.. من التحالف العسكري إلى تضارب المصالح
لا يمكن فهم حدة السجال الحالي من دون العودة إلى الخلافات التي تراكمت بين الرياض وأبوظبي خلال سنوات الحرب اليمنية. فقد شارك البلدان في التحالف العسكري الذي تدخل في اليمن عام 2015 دعماً للحكومة المعترف بها دولياً، لكن أولوياتهما ومقارباتهما السياسية والعسكرية لم تتطابق دائماً.
ومع مرور السنوات، تباينت حسابات الطرفين بشأن القوى اليمنية المحلية وترتيبات الحكم في الجنوب. فبينما واصلت السعودية دعم الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، دعمت الإمارات المجلس الانتقالي الجنوبي وقوى أخرى في جنوب البلاد، ما أوجد مصالح متنافسة داخل المعسكر المناهض للحوثيين.
وتصاعدت هذه التباينات في أواخر عام 2025، عندما اتسع نفوذ القوات المرتبطة بالمجلس الانتقالي الجنوبي في مناطق استراتيجية، قبل أن تستعيد القوات المدعومة من السعودية مواقع خلال هجوم مضاد في يناير 2026. كما أعلنت الإمارات سحب ما تبقى من قواتها من اليمن في ذلك الشهر، وفقاً لإحاطة بحثية صادرة عن مكتبة مجلس العموم البريطاني.
وتوضح هذه التطورات أن التنافس السعودي الإماراتي في اليمن لا يرتبط فقط بالمواقف الإعلامية، بل يتصل أيضاً بتصورات مختلفة لمستقبل الدولة اليمنية، وشكل السلطة في الجنوب، والقوى المحلية التي ينبغي أن يكون لها دور في التسوية السياسية.
اتهامات بدعم الحوثيين.. ما الذي تثبته الوقائع؟
من أبرز ما يعكس حدة السجال اتهام حسابات سعودية للإمارات بمساندة الحوثيين، وهي اتهامات تتطلب تدقيقاً خاصاً بالنظر إلى خطورتها السياسية والأمنية. فالمعلومات الموثقة عن الخلافات بين البلدين تشير إلى تنافسهما على دعم أطراف يمنية مختلفة، لا إلى ثبوت تقديم الإمارات دعماً عسكرياً للحوثيين. وقد دعمت أبوظبي المجلس الانتقالي الجنوبي وقوى محلية أخرى، في حين دعمت الرياض الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً. أما الحوثيون، فتشير تقارير دولية إلى تلقيهم دعماً من إيران.
وكانت الإمارات قد رفضت، في بيان رسمي صدر في ديسمبر 2025، اتهامات بضلوعها في توجيه أطراف يمنية إلى تنفيذ عمليات تهدد أمن السعودية أو استهداف حدودها، مؤكدة رفضها أي أعمال تمس أمن المملكة.
وبذلك، فإن الخلافات الحقيقية والموثقة بين الرياض وأبوظبي بشأن اليمن لا تكفي وحدها لإثبات الاتهامات المتداولة بشأن دعم الحوثيين. ويتطلب التحقق من هذه المزاعم أدلة محددة، لا الاكتفاء بمنشورات متداولة أو تفسيرات سياسية متبادلة.
هل انتقل الخلاف من الكواليس إلى المواجهة العلنية؟
تكشف حدة الخطاب على منصات التواصل عن تراجع مساحة المجاملة بين أنصار البلدين، لكنها لا تعني بالضرورة أن كل ما ينشر يعكس موقفاً رسمياً من الحكومتين. فالمحتوى المتداول قد يعبّر عن أفراد أو حسابات مؤثرة أو أطراف تسعى إلى تأجيج الخلاف، ولا يمكن اعتباره تلقائياً دليلاً على تحول رسمي في السياسة الخارجية.
ومع ذلك، فإن تراكم الخلافات حول اليمن، إلى جانب التنافس على النفوذ الإقليمي والاقتصادي، يجعل السجال الحالي أكثر من مجرد مشادة إلكترونية عابرة. فالمواقف المتباينة من القوى اليمنية، وتضارب المصالح على الأرض، يوفران خلفية سياسية تساعد على تفسير سرعة انتشار الاتهامات وحدتها.
ويبقى التحدي في التمييز بين الخلافات الموثقة والحملات الرقمية التي تضخمها، خصوصاً عندما تتحول الاتهامات إلى أحكام عامة على بلد أو شعب بأكمله.
اليمن يدفع ثمن صراع النفوذ
في نهاية المطاف، يعود اليمن إلى قلب الخلاف السعودي الإماراتي، بعدما كان ساحة لتحالف عسكري جمع البلدين في مواجهة الحوثيين، قبل أن تتباعد حساباتهما بشأن القوى المحلية ومستقبل البلاد.
وبينما تتبادل الحسابات على منصات التواصل الاتهامات والتلميحات، يظل اليمنيون الأكثر تضرراً من استمرار الحرب وتعدد القوى المتنافسة على الأرض. كما أن تصاعد التوتر بين داعمين إقليميين لطرفي المعادلة اليمنية قد يزيد تعقيد فرص التوصل إلى تسوية سياسية مستقرة.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس ما إذا كان السجال الإلكتروني سيستمر فحسب، بل ما إذا كانت الخلافات بشأن اليمن ستبقى ضمن حدود التنافس السياسي، أم ستنعكس بصورة أوسع على العلاقة بين الرياض وأبوظبي. وحتى تتضح الصورة، تبقى المنشورات المتداولة مؤشراً على احتدام الخطاب، لا دليلاً كافياً بمفردها على اندلاع مواجهة رسمية جديدة بين البلدين.
اقرأ المزيد
الحوثيون يحذرون من استخدام المطارات السعودية عقب هجوم الرياض الأخير..
«أذرع إيران أم طموحات سلطة؟».. تعرف على الحوثيين وأهدافهم التي ترعب الملاحة الدولية
الحوثيون يعلنون استهداف الرياض.. اضطرابات واسعة في مطارات السعودية باستثناء مكة والمدينة
هل عادت الإمارات إلى حرب اليمن من بوابة «ألوية العمالقة»؟ معركة الساحل تكشف صراع النفوذ

