وطن-أثارت مداهمة منزل النائبة الديمقراطية إلهان عمر في العاصمة الأميركية واشنطن جدلاً سياسياً واسعاً، بعدما نفذ عناصر اتحاديون عملية تفتيش فجر الاثنين 12 أكتوبر/تشرين الأول، في إطار تحقيق جنائي قالت السلطات إنه يتعلق بملفات الهجرة الخاصة بالنائبة، وذلك قبل أسابيع قليلة من انتخابات التجديد النصفي المقررة في 3 نوفمبر/تشرين الثاني.
وتأتي العملية في وقت تشهد فيه العلاقة بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب وإلهان عمر، المعروفة بانتقاداتها الحادة لسياساته، توتراً مستمراً، ما دفع عدداً من الديمقراطيين إلى التشكيك في دوافع المداهمة وتوقيتها، والتحذير من احتمال استخدام أجهزة إنفاذ القانون في مواجهة الخصوم السياسيين.
تحقيق في أوراق الهجرة يعود إلى طفولة إلهان عمر
أفادت تقارير إعلامية أميركية بأن عناصر من وحدة تحقيقات الأمن الداخلي التابعة لوزارة الأمن الداخلي نفذوا عملية التفتيش في منزل عمر بواشنطن، بموجب مذكرة قضائية حصلت عليها وزارة العدل.
وأكدت الوزارة أن العملية تأتي في إطار تحقيق اتحادي مستمر، من دون الكشف عن جميع تفاصيله. ونقلت شبكة «فوكس نيوز» عن مصادر مطلعة أن التحقيق يتعلق بشبهات احتيال مرتبطة بأوراق الهجرة التي استُكملت عندما كانت عمر طفلة، وأن والدها الراحل كان قد تولى تعبئة تلك الوثائق.
ولم تُعلن السلطات، حتى الآن، نتائج نهائية تثبت ارتكاب النائبة مخالفة جنائية، كما لم تتضح جميع جوانب التحقيق أو الأدلة التي تستند إليها الجهات المختصة. وكان توم هومان، المسؤول عن ملف الحدود في إدارة ترامب، قد تحدث في سبتمبر/أيلول عن وجود تحقيق جنائي مستمر يتعلق بعمر. وأفادت تقارير بأن وزارة العدل تشارك في التحقيق الذي تقوده وحدة تحقيقات الأمن الداخلي.
إلهان عمر: لن أُسكت أمام محاولات الترهيب السياسي
ردت إلهان عمر على المداهمة عبر منصة «إكس»، مؤكدة أنها بخير، ومعتبرة أن العملية تمثل محاولة لاستهداف الخصوم السياسيين وتوظيف أجهزة إنفاذ القانون ضدهم. وقالت النائبة إن ترامب استهدفها، على مدى سنوات، بما وصفته بالأكاذيب وحملات التشويه، مضيفة أن ما جرى يمثل تصعيداً جديداً في حملة الترهيب السياسي التي تتهمه بقيادتها، ومشددة على أنها لن تسمح بإسكاتها.
وبحسب تقارير إعلامية، شوهد عناصر اتحاديون يغادرون المنزل حاملين صناديق ومعدات إلكترونية، في حين لم تكشف السلطات علناً عن طبيعة المواد التي جرى ضبطها أو مدى ارتباطها المباشر بموضوع التحقيق.
لماذا أثار توقيت المداهمة جدلاً سياسياً؟
تزامنت المداهمة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، التي ستحدد موازين القوى داخل مجلس النواب وتجدد ثلث مقاعد مجلس الشيوخ الأميركي. وأثار هذا التوقيت تساؤلات لدى ديمقراطيين ومراقبين بشأن تأثير التحقيق على المشهد الانتخابي، خصوصاً في ظل المواجهة السياسية الطويلة بين عمر وترامب.
واستحضر منتقدون ما حدث خلال انتخابات عام 2016، حين أعلن مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي آنذاك جيمس كومي، قبل أيام من التصويت، إعادة النظر في التحقيق المتعلق باستخدام هيلاري كلينتون خادماً خاصاً للبريد الإلكتروني. وقد أثار ذلك القرار جدلاً واسعاً بشأن تأثير خطوات الأجهزة الاتحادية في خيارات الناخبين.
لكن توقيت المداهمة، بمفرده، لا يثبت أن التحقيق تحرك بدوافع انتخابية، كما أن وجود مذكرة تفتيش قضائية لا يحسم الجدل بشأن ملابسات القضية أو سلامة جميع إجراءاتها. وتبقى معرفة الأساس القانوني الكامل للعملية والأدلة التي جمعتها السلطات ضرورية لتقييمها.
ديمقراطيون يتهمون إدارة ترامب باستهداف خصومها
أثارت العملية ردود فعل غاضبة بين عدد من المشرعين الديمقراطيين، الذين رأوا فيها تصعيداً مقلقاً في استخدام السلطات الاتحادية ضد شخصية منتخبة ومعروفة بمعارضتها للرئيس. ووصف النائب الديمقراطي رو خانا استهداف الأميركيين المسلمين، ومن بينهم امرأة مسلمة تشغل مقعداً في الكونجرس، بأنه أمر مقلق، داعياً الأميركيين إلى التعبير عن رفضهم لأي استهداف غير عادل.
كما انتقد النائب الديمقراطي غريغ كاسار إدارة ترامب، معتبراً أن توظيف أجهزة إنفاذ قوانين الهجرة في مواجهة الخصوم السياسيين يثير مخاوف جدية بشأن استقلال المؤسسات الحكومية. من جهتها، وصفت النائبة براميلا جايابال المداهمة بأنها خطوة مثيرة للاشمئزاز، وربطتها بما تعتبره استهدافاً متكرراً لإلهان عمر وللأميركيين من أصول صومالية.
في المقابل، لم تُعلن السلطات أن العملية تستند إلى دوافع سياسية، وقالت وزارة العدل إنها نُفذت بموجب مذكرة تفتيش قضائية وفي إطار تحقيق اتحادي قائم. ويظل الفصل بين الاتهامات السياسية والوقائع القانونية رهناً بما ستكشفه التحقيقات والإجراءات اللاحقة.
من لاجئة صومالية إلى واحدة من أبرز الوجوه التقدمية
وصلت إلهان عمر إلى الولايات المتحدة لاجئة من الصومال عام 1995، ثم حصلت على الجنسية الأميركية عام 2000. وانتُخبت للمرة الأولى عضوة في مجلس النواب عام 2018، ممثلةً ولاية مينيسوتا، لتصبح من أبرز الشخصيات المسلمة ذات الأصول الصومالية في السياسة الأميركية.
وعُرفت عمر بمواقفها التقدمية وانتقاداتها لسياسات ترامب، ولا سيما في ملفات الهجرة وحقوق الأقليات والسياسة الخارجية. كما واجهت هجمات متكررة من الرئيس وأنصاره، شملت التشكيك في خلفيتها ومسار حصولها على الجنسية.
ومن بين الادعاءات التي تكررت في الخطاب السياسي ضدها مزاعم بشأن زواجها من شقيقها لأغراض تتعلق بالهجرة، وهي اتهامات نفتها عمر. ولا ينبغي التعامل مع هذه المزاعم بوصفها حقائق مثبتة ما لم تدعمها أدلة موثوقة ونتائج قانونية معلنة.
خطاب ترامب بشأن الصوماليين يعيد ملف الهجرة إلى الواجهة
تأتي القضية أيضاً في سياق خطاب متشدد تبناه ترامب تجاه المهاجرين الصوماليين في ولاية مينيسوتا، حيث يعيش عدد كبير من أبناء الجالية الصومالية الأميركية.
وكان ترامب قد أدلى بتصريحات مهينة بحق الصوماليين، ودعا إلى عودة بعضهم إلى بلدهم، كما شكك في قدرة الصومال على إدارة شؤونها. وأثارت هذه التصريحات انتقادات من مدافعين عن حقوق المهاجرين وشخصيات سياسية اعتبرتها تحريضية.
كذلك اتخذت إدارة ترامب خطوات لتشديد سياسات الهجرة، بما في ذلك إنهاء وضع الحماية المؤقتة لفئات من الصوماليين المقيمين في الولايات المتحدة. وتثير هذه الإجراءات مخاوف لدى أفراد الجالية بشأن مستقبل إقامتهم، في ظل استمرار عدم الاستقرار والأزمات الإنسانية في الصومال.
ما الذي قد يحدث في المرحلة المقبلة؟
لا تزال تفاصيل التحقيق المرتبط بملفات الهجرة غير مكتملة، ولم تُعلن السلطات جميع الأدلة أو النتائج التي قد تحدد مساره القانوني. ولذلك، فإن المداهمة لا تعني في حد ذاتها ثبوت ارتكاب إلهان عمر جريمة، كما لا تكفي الاتهامات السياسية وحدها لإثبات أن العملية استهدفتها بسبب مواقفها.
غير أن القضية مرشحة لمزيد من التصعيد السياسي مع اقتراب انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني، في ظل الانقسام الحاد بين الجمهوريين والديمقراطيين بشأن الهجرة وصلاحيات أجهزة إنفاذ القانون وحدود استخدام مؤسسات الدولة.
وبين التحقيق الجنائي والاتهامات المتبادلة، باتت مداهمة منزل إلهان عمر اختباراً جديداً للثقة في استقلال المؤسسات الأميركية، وللقدرة على الفصل بين تطبيق القانون والصراع السياسي في موسم انتخابي شديد الحساسية.
اقرأ المزيد
إلهان عمر في دائرة تحقيق جنائي أميركي جديد وسط تصاعد المواجهة مع ترامب

