وطن-قد يبدو مدح الطفل أمرًا بسيطًا، سواء كان ذلك بكلمة تشجيع بعد إنجاز رسم جميل، أو بالثناء على نتيجة مدرسية جيدة، أو بالاحتفاء بإنجاز صغير داخل المنزل. لكن بعض الأطفال لا يستجيبون للمديح بالطريقة التي يتوقعها الأهل؛ فقد يبتسمون سريعًا ثم يغيّرون الموضوع، أو يبدأون الحديث عن لعبة مفضلة، أو ينتقلون فجأة إلى موضوع آخر.
ولا يعني هذا السلوك بالضرورة أن الطفل يرفض التشجيع أو لا يقدّر كلمات والديه، بل قد يعكس شعوره بالخجل أو عدم الارتياح عندما يصبح محور الاهتمام، أو ببساطة عدم معرفته بكيفية الرد على عبارات الثناء.
وأشارت مجلة «سانتي إي ناتيرال» الفرنسية إلى أن استجابة الأطفال للمديح تختلف من طفل إلى آخر، تبعًا لطباعهم وطريقة فهمهم لكلمات التقدير والاهتمام التي يتلقونها من المحيطين بهم.
المديح ليس دائمًا تجربة مريحة للطفل
بالنسبة إلى كثير من الآباء، يمثل الثناء وسيلة طبيعية لإسعاد الطفل وتعزيز ثقته بنفسه. لكن الطفل لا يزال في مرحلة تعلّم كيفية فهم آراء الآخرين والتعامل معها، ولذلك قد يمنحه المديح شعورًا بالتقدير، بينما يجعله في بعض الأحيان يشعر بالحرج أو بأنه أصبح تحت أنظار الجميع.
وقد يفضّل بعض الأطفال التشجيع الهادئ والمحدد بدلًا من عبارات الإطراء الكبيرة التي تُقال أمام الآخرين. كما قد يجد الطفل صعوبة في تقبّل الثناء لأنه لا يعرف ما الذي ينبغي أن يقوله، أو لأنه يخشى أن يبدو متفاخرًا إذا أظهر سعادته بكلمات المديح.
وتشير أبحاث في علم النفس إلى أن أثر الثناء في دافعية الأطفال يتوقف جزئيًا على طريقة صياغته وفهم الطفل له. فعندما يكون المديح صادقًا ومحددًا، ويُبرز الجهد أو المثابرة، يمكن أن يساعد الطفل على إدراك قدراته وتطويرها. أما الثناء المبالغ فيه أو المرتبط بصفات عامة، فقد يجعل بعض الأطفال أكثر انشغالًا بالحفاظ على الصورة التي رسمها الآخرون عنهم.
فعلى سبيل المثال، تختلف عبارة «أنت أذكى طفل في الصف» عن قول «لقد بذلت جهدًا واضحًا لفهم هذا التمرين». فالعبارة الأولى تركز على صفة عامة قد يشعر الطفل بأنه مطالب بإثباتها باستمرار، بينما تسلط الثانية الضوء على جهده وقدرته على التعلم.
عندما يتحول الثناء إلى ضغط نفسي
قد يشعر الطفل الذي يحظى بمديح كبير بعد فوزه في مسابقة مدرسية بالسعادة في البداية، لكن تكرار وصفه بأنه موهوب واستثنائي قد يجعله يشعر لاحقًا بأنه مطالب بتحقيق النجاح نفسه في كل مرة. وهنا يمكن أن يتحول الثناء من وسيلة للتشجيع إلى مصدر للضغط، خصوصًا إذا بدأ الطفل يربط قيمته الشخصية بإنجازاته أو باعتراف الآخرين بتفوقه.
وتناولت دراسة نُشرت عام 2017 العلاقة بين المديح المبالغ فيه وتقدير الذات لدى الأطفال، ووجدت ارتباطات بين بعض أشكال الثناء الزائد وتغيرات لاحقة في نظرة الأطفال إلى أنفسهم، مع اختلاف النتائج بحسب مستوى تقدير الذات لديهم. كما بحثت الدراسة العلاقة بين الإطراء المبالغ فيه وظهور سمات نرجسية لدى بعض الأطفال.
لكن هذه النتائج لا تعني أن المديح يؤدي حتمًا إلى مشكلات نفسية، ولا أن كل طفل يغيّر الموضوع بعد سماع الثناء يشعر بالضغط. بل تؤكد أهمية الانتباه إلى طبيعة الكلمات المستخدمة، ومدى ملاءمتها للطفل، والطريقة التي يتفاعل بها معها.
والأهم أن يشعر الطفل بأن محبة والديه لا تتوقف على تفوقه أو نجاحه، وأنه يستطيع ارتكاب الأخطاء والمحاولة مجددًا دون أن يفقد تقديرهما له.
لماذا يخشى بعض الأطفال قبول المجاملة؟
يتعلم الأطفال كيفية استقبال المديح من البيئة التي ينشؤون فيها. ففي بعض الأسر، يُشجَّع الطفل على التواضع الشديد، وقد يفهم أن إظهار سعادته بالثناء نوع من الغرور أو التباهي. لذلك قد يقلل من قيمة إنجازه أو يغيّر الموضوع حتى يتجنب الشعور بالحرج.
وقد تناولت أبحاث حول فهم الأطفال للتواضع واستجابتهم للمجاملات الطريقة التي يفسرون بها نظرة الآخرين إليهم. فمع التقدم في العمر، يبدأ الطفل في التفكير ليس فقط في معنى المديح، بل أيضًا في الانطباع الذي قد يتركه ردّه لدى المحيطين به.
وقد يتساءل الطفل ضمنيًا: هل سأبدو مغرورًا إذا قبلت هذا الكلام؟ وهل ينبغي أن أقلل من أهمية ما فعلته حتى أبدو متواضعًا؟ وعندما لا يعرف كيف يتصرف، قد يكون تغيير الموضوع أسهل بالنسبة إليه من الرد مباشرة.
ومع ذلك، لا ينبغي تفسير هذا السلوك وحده على أنه دليل على ضعف الثقة بالنفس. فقد يكون الطفل واثقًا من قدراته، لكنه خجول أو لا يحب أن يكون مركز الاهتمام.
كيف يمدح الآباء أطفالهم دون إحراجهم؟
إذا كان الطفل يغيّر الحديث كلما تلقى مجاملة، فلا داعي إلى مطالبته بتفسير رد فعله في اللحظة نفسها، أو سؤاله بلهجة انتقادية عن سبب عدم قدرته على تقبّل المديح. فقد تزيد هذه الأسئلة شعوره بالحرج، لأنها تجعل طريقة استجابته نفسها موضع مراقبة. ومن الأفضل اعتماد عبارات تشجيع واضحة ومعتدلة تركز على الجهد والسلوك، بدلًا من المبالغة في وصف شخصية الطفل أو قدراته.
ومن الأمثلة على ذلك:
-
بدلًا من قول «أنت مذهل في كل شيء»، يمكن القول: «أعجبني اهتمامك بتفاصيل الرسم».
-
بدلًا من «أنت أذكى طفل في الصف»، يمكن القول: «لقد اجتهدت كثيرًا في حل المسألة».
-
بدلًا من «أنت أفضل من إخوتك»، يمكن القول: «لاحظت أنك ساعدت أخاك اليوم، وكان ذلك تصرفًا جميلًا».
ومن المهم أيضًا تجنب المقارنات مع الإخوة أو زملاء المدرسة، حتى عندما تكون المقارنة إيجابية. فربط قيمة الطفل بتفوقه على الآخرين قد يجعله أكثر انشغالًا بالمنافسة، بدلًا من التركيز على التعلم والتطور الشخصي.
وإذا انتقل الطفل إلى موضوع آخر بعد سماع الثناء، فيمكن للأهل احترام رغبته وعدم الإصرار على إبقائه في دائرة الاهتمام. أما إذا تكرر الأمر بصورة لافتة، فيمكن فتح حوار هادئ معه في وقت مناسب، بعيدًا عن لحظة المديح، مثل سؤاله: «هل تشعر بالخجل عندما نمدحك، أم أنك تفضّل أن نشجعك بطريقة مختلفة؟».
وقد تكون إجابته بسيطة؛ فربما يشعر بالخجل، أو لا يعرف ماذا يقول، أو لا يحب أن تتجه الأنظار إليه. وليس من الضروري أن يكون وراء هذا السلوك سبب نفسي عميق.
متى ينبغي أن ينتبه الأهل إلى سلوك الطفل؟
إن تغيير الموضوع بعد سماع المديح لا يُعد، بمفرده، علامة على وجود مشكلة. والأهم هو الانتباه إلى الصورة العامة لسلوك الطفل ومشاعره في المواقف المختلفة.
فإذا كان يعبّر باستمرار عن شعوره بأنه غير كفء، أو يقلل من قيمة إنجازاته، أو يخاف بشدة من ارتكاب الأخطاء، أو يتجنب تجربة أنشطة جديدة خوفًا من خيبة أمل الآخرين، فقد يكون من المفيد التحدث معه لفهم ما يشعر به. وإذا أثرت هذه المخاوف بوضوح في حياته اليومية أو علاقاته أو دراسته، يمكن طلب المشورة من مختص في صحة الطفل النفسية.
أما إذا اقتصر الأمر على الخجل العابر أو عدم الارتياح للمجاملات المباشرة، فقد يكفي تعديل أسلوب التشجيع ومنح الطفل مساحة للتعبير عن نفسه بطريقته.
في النهاية، لا يتعلق مدح الأطفال بعدد عبارات الإعجاب التي يسمعونها، بل بصدقها وملاءمتها. فالتشجيع المفيد هو الذي يساعد الطفل على تقدير جهده والتعلم من أخطائه، ويمنحه الشعور بالأمان حتى عندما لا ينجح، ويؤكد له أن محبة والديه لا ترتبط بنتيجة مدرسية أو موهبة استثنائية أو إنجاز معين.
قد يعجبك
الرعب الليلي عند الأطفال: ما الذي يحتاج الوالدان لمعرفته..
10 عادات غريبة تكشف ذكاء الأطفال وتفوقهم المبكر وتثير دهشة المحيطين بهم..
الأطفال الانطوائيون يكتسبون 8 صفات نادرة في مرحلة البلوغ وفق عالمة النفس جيسيكا ريبيرو
لماذا يقلد الطفل والديه؟ دراسات تكشف أسرار الذاكرة واللغة قبل عمر 18 شهراً

