وطن-في يونيو/حزيران 2026، أعلن المصارع المحترف السابق والممثل الأمريكي تايلر ماين، المعروف بأداء شخصية «سابرتوث» في سلسلة أفلام «إكس مين»، إصابته بسرطان الثدي عبر مقطع مصور نشره على حسابه في إنستغرام. ولم يكن الإعلان مجرد كشف عن تشخيص طبي، بل سلط الضوء على مرض لا يزال كثيرون يعتقدون أنه يصيب النساء وحدهن.
وبحسب صحيفة «بسيكولوخيا إي منتي» الإسبانية، أقر ماين بأنه شعر بالحرج في البداية ورغب في إخفاء إصابته، كما روى أن بعض الأطباء لم يرجحوا احتمال إصابته بسرطان الثدي في البداية، بينما أصرت زوجته على إزالة الكتلة التي ظهرت في صدره.
وتكشف هذه التجربة جانباً من المعاناة التي يواجهها الرجال المصابون بهذا المرض؛ فإلى جانب تحديات العلاج، قد يضطر المريض إلى مواجهة الخجل والعزلة ونقص المعلومات الموجهة إليه، في ظل خطاب صحي واجتماعي يربط سرطان الثدي بالنساء في المقام الأول.
ورغم أن سرطان الثدي لدى الرجال أقل شيوعاً بكثير منه لدى النساء، فإن ندرته لا تعني استحالة الإصابة به أو جواز تجاهل علاماته. كما أن تأخر الانتباه إلى الأعراض، والحرج من طلب المساعدة، قد يزيدان صعوبة التعامل مع المرض.
كم رجلاً يصاب بسرطان الثدي؟
سرطان الثدي لدى الرجال غير شائع، لكنه يمثل واقعاً طبياً موثقاً. وتشير بيانات مجموعة «جيكام» الإسبانية لأبحاث سرطان الثدي إلى أن الرجال يشكلون نحو 1.5% من حالات سرطان الثدي المشخصة سنوياً في إسبانيا. وللمقارنة، قدّرت الجمعية الإسبانية للأورام الطبية عدد حالات سرطان الثدي الجديدة بين النساء في إسبانيا خلال عام 2026 بنحو 38,318 حالة، ما يوضح الفارق الكبير في معدلات الإصابة بين الجنسين.
ووفق بيانات المعهد الوطني للإحصاء في إسبانيا التي أوردتها الصحيفة، توفي 6,518 شخصاً بسبب سرطان الثدي في البلاد عام 2023، وكان أقل من مئة منهم من الرجال. لكن التحدي لا يتعلق بعدد الحالات فقط، بل بموعد اكتشاف المرض أيضاً. فبحسب مجموعة «جيكام»، ترتفع احتمالات تشخيص الرجال بسرطان الثدي في مراحل متقدمة بنسبة 49% مقارنة بالنساء.
ويرتبط ذلك جزئياً بغياب برامج الفحص السكاني المخصصة للرجال، إلى جانب ضعف الوعي بإمكانية إصابتهم بالمرض. ونتيجة لذلك، قد لا يثير ظهور كتلة في الصدر أو تغير في الحلمة القلق الكافي لدى الرجل، أو قد يتردد في استشارة الطبيب بسبب الحرج. ومع ذلك، لا يمكن إرجاع التأخر في التشخيص إلى عامل واحد؛ إذ تتداخل عوامل الوعي والوصول إلى الرعاية الصحية وطبيعة الأعراض والوصمة الاجتماعية.
لماذا يشعر الرجال بالخجل من سرطان الثدي؟
تتمثل إحدى أبرز العقبات في النظرة الاجتماعية التي تصنف سرطان الثدي على أنه «مرض نسائي». وعندما يتلقى رجل هذا التشخيص، قد يشعر بأن المرض لا يهدد صحته فحسب، بل يمس أيضاً صورته عن نفسه والكيفية التي يعتقد أن الآخرين ينظرون بها إليه.
وأشارت الصحيفة الإسبانية إلى مراجعة بحثية نُشرت عام 2016، أعدها الباحثون كيري كوينسي وإيان ويليامسون وسو وينستانلي، وشملت ثماني دراسات نوعية تضمنت شهادات 92 رجلاً مصاباً بسرطان الثدي.
وأظهرت الشهادات أن كثيراً من المشاركين وصفوا المرض بأنه مرتبط بالنساء، وأن بعضهم اختار بعناية الأشخاص الذين يمكنه إخبارهم بالتشخيص، بينما شعر آخرون بأن الإصابة أثرت في الطريقة التي ينظر بها إليهم المحيطون بهم.
وظهرت مفارقة لافتة في أن بعض الرجال طالبوا بزيادة الوعي بسرطان الثدي الذكوري، لكنهم في الوقت نفسه تجنبوا مجموعات الدعم المتاحة خوفاً من المساس بصورتهم عن الرجولة. وهكذا، قد تتحول محاولة إخفاء المرض إلى سبب إضافي للعزلة. لكن الباحثين أشاروا إلى أن هذه النتائج مستمدة من دراسات محدودة، ولذلك لا يمكن تعميمها على جميع الرجال المصابين بسرطان الثدي.
وفي ألمانيا، تناول مشروع بحثي يُعرف باسم «إن-مالي» الوصمة المرتبطة بالمرض، من خلال مقابلات معمقة مع 27 رجلاً واستبيانات شملت مئة مصاب. ووفق ما أوردته الصحيفة، رصد الباحثون مظاهر للوصمة تمثلت في تعليقات أو تصورات تمس الرجولة والهوية الجنسية، إلى جانب نقص المعرفة بإمكانية إصابة الرجال بسرطان الثدي. كما برزت هذه المشكلات في بعض البيئات الصحية ومواقع العمل، ما دفع الباحثين إلى الدعوة لتطوير مواد توعوية ولغة طبية لا تفترض أن كل مصاب بسرطان الثدي امرأة.
وتظهر آثار هذه النظرة في تفاصيل قد تبدو بسيطة، مثل اقتصار بعض المنشورات ومجموعات الدعم على النساء، أو شعور الرجل بأنه غريب داخل أماكن الفحص والعلاج. وعندما لا يجد المريض من يتحدث معه عن تجربته، قد يصبح الاحتفاظ بالتشخيص سراً وسيلة لحماية نفسه من الإحراج، لكنها قد تحرمه أيضاً من الدعم الذي يحتاج إليه.
كيف يؤثر المرض في الصحة النفسية؟
لا يمر جميع الرجال المصابين بسرطان الثدي بمستويات مرتفعة من القلق أو الاكتئاب، لكن بعضهم يعاني ضيقاً نفسياً مرتبطاً بالمرض، وصورة الجسد، والخوف من المستقبل، ونقص المعلومات الخاصة بحالته. وتناولت دراسة بريطانية نُشرت عام 2006 في مجلة «جورنال أوف كلينيكال أونكولوجي» مستويات الضيق النفسي لدى 161 رجلاً مصاباً بسرطان الثدي، مستخدمة استبيانات لقياس القلق وأعراض الاكتئاب والضيق المرتبط بالسرطان وصورة الجسد وأساليب التكيف.
وأظهرت النتائج أن 6% من المشاركين عانوا قلقاً سريرياً، و1% ظهرت لديهم أعراض اكتئاب سريرية، في حين سجل 23% مستويات مرتفعة من الضيق المرتبط بالسرطان، شملت أعراضاً مثل الأفكار المتكررة عن المرض أو محاولة تجنب ما يذكّر به. كما ارتبطت صورة الجسد السلبية والتكيف القائم على التجنب والخوف وعدم اليقين والحاجة إلى معلومات خاصة بالرجال بمستويات أعلى من الضيق النفسي.
لكن الدراسة كانت مقطعية، أي إنها قاست المشاركين في نقطة زمنية واحدة، ولذلك لا تثبت أن هذه العوامل تسبب الضيق النفسي أو تحدد اتجاه العلاقة بينها. كما أن نتائجها لا تعكس بالضرورة واقع جميع المرضى اليوم.
وتكتسب صورة الجسد أهمية خاصة لدى بعض المصابين، إذ قد تتطلب الجراحة إزالة أنسجة من الثدي وترك ندبة واضحة على الصدر. وقد يثير ذلك شعوراً بالحرج في مواقف يومية، مثل السباحة أو ممارسة الرياضة أو تبديل الملابس في الأماكن العامة.
ولا يعني ذلك أن كل رجل سيعاني المشكلة نفسها، لكن من المهم الاعتراف بأن التغيرات الجسدية قد تكون مصدراً حقيقياً للضيق، وأن الدعم النفسي يمكن أن يساعد على التعامل معها.
علامات سرطان الثدي عند الرجال التي لا ينبغي تجاهلها
يمتلك الرجال أنسجة ثديية، وإن كانت أقل تطوراً من أنسجة الثدي لدى النساء، ولذلك يمكن أن ينشأ فيها ورم سرطاني. وقد تظهر الإصابة في صورة كتلة أو تورم في الصدر، أو تغير في شكل الحلمة، أو إفرازات غير طبيعية، أو تغيرات في الجلد المحيط بها.
ولا تعني هذه العلامات بالضرورة وجود سرطان، إذ يمكن أن تنتج عن حالات أخرى، لكن ظهور كتلة جديدة أو تغير غير معتاد يستدعي تقييماً طبياً، خصوصاً إذا استمر أو ازداد. ومن المهم ألا يفترض الرجل أن الكتلة غير خطيرة لمجرد أنها ظهرت في صدره، أو أن يؤجل الاستشارة بسبب الشعور بالحرج. فالتقييم الطبي هو الطريق إلى تحديد السبب واتخاذ الخطوة المناسبة.
ولا ينبغي الخلط بين الوعي بالأعراض وبين إجراء فحوصات عشوائية؛ إذ يحدد الطبيب الفحوصات اللازمة وفق الأعراض والفحص السريري والتاريخ الصحي للمريض.
نقص الأبحاث والمعلومات المخصصة للرجال
تعتمد نسبة كبيرة من المعرفة الطبية المتعلقة بسرطان الثدي على دراسات أُجريت على النساء، بينما ظل الرجال ممثلين بدرجة محدودة في كثير من الأبحاث والتجارب السريرية. وللمساهمة في سد هذه الفجوة، أطلقت مجموعة «جيكام» أول سجل وطني في إسبانيا لسرطان الثدي لدى الرجال، بمشاركة 54 مستشفى، ويضم بيانات نحو 800 رجل، وفق المعلومات التي أوردتها الصحيفة.
ويمكن أن يساعد هذا النوع من السجلات على تحسين فهم خصائص المرض لدى الرجال، وتطوير المعرفة المتعلقة بالتشخيص والعلاج والتجربة النفسية والاجتماعية للمصابين. كما أن زيادة التمثيل في الأبحاث لا تقتصر أهميتها على الجانب الطبي، بل قد تسهم في إنتاج مواد توعوية أكثر ملاءمة، وتوفير معلومات واضحة عن الأعراض وخيارات العلاج والدعم المتاح.
كيف يمكن تقليل العزلة ومواجهة الوصمة؟
لا توجد طريقة واحدة تناسب جميع المرضى، لكن المعلومات الصحيحة والدعم الاجتماعي والنفسي قد تساعد على تخفيف الشعور بالوحدة، وتجعل التعامل مع التشخيص أكثر وضوحاً.
وتشمل الخطوات المفيدة الحصول على معلومات طبية موثوقة ومخصصة للرجال، وطرح الأسئلة على الفريق المعالج بشأن التشخيص والعلاج والآثار الجانبية، والاستعانة بشخص موثوق عند الحاجة إلى الدعم.
وقد يكون التواصل مع رجال مروا بالتجربة نفسها مفيداً أيضاً. ففي إسبانيا، تعمل جمعية مرضى سرطان الثدي الذكوري «إنفي» على رفع الوعي بالمرض وربط المصابين ببعضهم، بما يتيح مساحة لتبادل الخبرات بعيداً عن الشعور بأن المصاب حالة نادرة لا يفهمها أحد.
ومن المهم كذلك عدم إهمال الآثار النفسية للتغيرات الجسدية أو العلاج. فإذا أصبح القلق أو الحزن يؤثران في النوم أو العمل أو العلاقات اليومية، فقد تساعد الاستعانة بمختص في علم النفس الأورامي على التعامل مع هذه المشاعر.
أما الأسرة والأصدقاء، فيمكنهم المساعدة من خلال الاستماع دون إصدار أحكام، وتجنب التعليقات الساخرة عن الصدر أو الرجولة، وعدم التقليل من مخاوف المريض بحجة أن المرض نادر لدى الرجال.
وفي الوقت نفسه، يظل من حق المصاب الاحتفاظ بخصوصيته واختيار من يشاركه التشخيص. فالهدف ليس إجباره على الإفصاح، بل ضمان ألا يتحول الصمت إلى حاجز يمنعه من الحصول على الدعم والرعاية.
سرطان الثدي عند الرجال.. المرض لا يعرف الصور النمطية
تكشف تجربة الرجال المصابين بسرطان الثدي أن التحدي لا يبدأ عند ظهور الورم ولا ينتهي عند تلقي العلاج. فإلى جانب المخاوف الصحية، قد يواجه المصاب أفكاراً اجتماعية راسخة تجعل الحديث عن المرض أمراً محرجاً، وتدفعه أحياناً إلى إخفاء ما يمر به.
ولا تزال الأبحاث المتعلقة بالتجربة النفسية والاجتماعية لهؤلاء المرضى محدودة، لكن الدراسات والشهادات المتاحة تشير إلى أهمية رفع الوعي، وتوفير معلومات تشمل الرجال بوضوح، وتطوير مساحات دعم لا تجعل المريض يشعر بأنه خارج المشهد.
وكن المهم معرفة أن سرطان الثدي ليس مرضاً خاصاً بالنساء، وأن ظهور كتلة أو تغير غير معتاد في صدر الرجل يستحق التقييم الطبي دون تأخير. فالتحدث عن المرض لا ينتقص من الرجولة، وطلب المساعدة ليس علامة ضعف، بل خطوة ضرورية لحماية الصحة والحصول على الرعاية المناسبة.
اقرأ المزيد
سرطان قد يبدأ بأعراض بسيطة.. أطباء يكشفون أبرز العلامات
طبيب أورام يكشف نمطاً غذائياً شائعاً لدى 80% من مرضى سرطان القولون..
ليست مجرد التهابات عابرة! 5 أعراض مبكرة لسرطان عنق الرحم تتجاهلها الكثير من النساء..
دراسة تحذر: تناول الأطعمة فائقة المعالجة أكثر من 3 مرات أسبوعياً يزيد خطر سرطان القولون والمستقيم

