وطن-يضع ملف الطاقة الحرب الروسية الأوكرانية أمام منعطف جديد، في ظل تقارير عن تحركات أمريكية لتخفيف القيود المفروضة على الوقود الروسي، بالتزامن مع ضغوط يمارسها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لوقف الهجمات على مصافي النفط الروسية.
وإذا تأكدت تفاصيل القرار الواردة في التقارير، فقد يمنح تخفيف القيود موسكو فرصة لتوسيع عائداتها من صادرات الطاقة، في وقت تواجه فيه الموازنة الروسية ضغوطاً مرتبطة بتمويل الحرب. وفي المقابل، قد يزيد القرار الخلاف بين واشنطن وكييف، خصوصاً إذا لم يقترن بوقف متبادل للهجمات التي تستهدف منشآت الطاقة في البلدين.
وبحسب ما أوردته وكالة «إفي» الإسبانية، فإن التطورات الأخيرة تعكس تداخل الحسابات الاقتصادية مع مساعي التوصل إلى تسوية سياسية، بعدما تحولت مصافي النفط ومحطات الطاقة وطرق تصدير الوقود إلى أهداف مؤثرة في مسار الحرب.
الوقود الروسي يعود إلى قلب الحسابات الأمريكية
أفادت وكالة «إفي» بأن إدارة ترامب اتخذت خطوة تتعلق بالقيود المفروضة على الوقود الروسي، في تحرك قد يخفف الضغوط الاقتصادية على موسكو. غير أن نطاق القرار وطبيعته القانونية والسلع التي يشملها تحتاج إلى التحقق من النصوص الرسمية الأمريكية، إذ تختلف القيود المفروضة على النفط والغاز والفحم، كما تختلف الإجراءات المتعلقة بالاستيراد عن العقوبات المالية والتجارية الأوسع.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة بالنسبة إلى روسيا، التي تعتمد على صادرات الطاقة مورداً رئيسياً للعملة الأجنبية والإيرادات العامة. ويمكن لأي تخفيف فعلي للقيود أن يوسع فرص البيع أو يقلل تكاليف المعاملات، لكن حجم المكاسب المحتملة يتوقف على شروط القرار، واستجابة الأسواق، ومواقف الدول المستوردة، واستمرار القيود الأخرى.
وتشير المادة التي نشرتها «إفي» إلى أن موسكو تواجه ضغوطاً مالية متزايدة بسبب الإنفاق العسكري وتراجع بعض عائدات الطاقة. وإذا صحت الأرقام المتعلقة بانخفاض الإيرادات وارتفاع العجز، فإن تخفيف القيود قد يمنح الحكومة الروسية هامشاً إضافياً لإدارة النفقات، من دون أن يعني ذلك انتهاء التحديات الاقتصادية التي تواجهها.
ميزانية الحرب تضغط على الاقتصاد الروسي
تحتاج روسيا إلى موارد مالية كبيرة لمواصلة عملياتها العسكرية، في وقت تتزايد فيه أهمية الإنفاق الدفاعي داخل الموازنة العامة. ويؤدي استمرار الحرب إلى زيادة الضغط على المالية العامة، خصوصاً عندما يتزامن الإنفاق العسكري المرتفع مع تباطؤ النشاط الاقتصادي وارتفاع تكاليف الإنتاج.
ووفق الأرقام الواردة في تقرير «إفي»، تراجعت عائدات روسيا من صادرات المحروقات، فيما ارتفع العجز العام عن المستويات المستهدفة. لكن هذه الأرقام تحتاج إلى مراجعة البيانات الرسمية وتحديد الفترة الزمنية التي تغطيها، قبل اعتمادها في تقدير الأثر الاقتصادي للقرار الأمريكي.
وتعتمد قدرة موسكو على الاستفادة من أي تخفيف للعقوبات على عوامل متعددة، منها حجم الصادرات الممكنة، وأسعار النفط، وتكاليف النقل والتأمين، وشروط الدفع، ومدى التزام الشركات والدول الأخرى بالقيود القائمة.
لذلك، فإن رفع بعض القيود، إن ثبت رسمياً، لا يعني بالضرورة عودة صادرات الطاقة الروسية إلى مستوياتها السابقة، لكنه قد يغير حسابات المشترين ويمنح الكرملين مساحة أوسع للمناورة الاقتصادية.
هل يقلل القرار فرص التوصل إلى وقف إطلاق النار؟
يثير تخفيف القيود الاقتصادية تساؤلات حول تأثيره في موقف موسكو من المفاوضات. فكلما توافرت لروسيا موارد مالية إضافية، قد تتراجع بعض الضغوط التي تدفعها إلى تقديم تنازلات، إلا أن العلاقة بين الإيرادات النفطية وقرارات الحرب ليست آلية، ولا تكفي وحدها للتنبؤ بموقف الكرملين.
وبحسب «إفي»، أشار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى أنه سيبحث موعد استئناف المفاوضات الثلاثية المتوقفة. ويظل تحديد المسار المقبل مرتبطاً بمواقف الطرفين، وشروط أي اتفاق محتمل، والضمانات الأمنية والسياسية التي يمكن أن يتضمّنها.
وفي الوقت نفسه، تستمر الهجمات المتبادلة على البنية التحتية للطاقة، بما يجعل هذا القطاع إحدى أهم أدوات الضغط في الحرب. فاستهداف المصافي ومحطات الكهرباء لا يقتصر أثره على القدرات العسكرية، بل يمتد إلى الاقتصاد وحركة النقل والإمدادات والأسعار.
زيلينسكي يعترض على الضغوط الأمريكية
أثار التوجه الأمريكي، وفق الرواية التي أوردتها «إفي»، اعتراضات أوكرانية، في ظل مخاوف كييف من أن يؤدي تخفيف القيود على الطاقة الروسية إلى دعم قدرة موسكو على مواصلة الحرب.
وترى أوكرانيا أن وقف هجماتها على المصافي والمنشآت النفطية الروسية يجب أن يقابله التزام مماثل من روسيا بوقف استهداف البنية التحتية للطاقة الأوكرانية. أما الاكتفاء بوقف أحادي الجانب، فقد يمنح الطرف الآخر فرصة للحفاظ على منشآته ومصادر دخله، بينما تظل المنشآت الأوكرانية معرضة للهجمات.
وتتقاطع هذه الخلافات مع تباينات أوسع بشأن طريقة إنهاء الحرب، إذ تسعى واشنطن إلى الدفع نحو تسوية، بينما تشدد كييف على ضرورة ألا تؤدي الترتيبات المقترحة إلى إضعاف موقفها العسكري أو تقويض أمنها على المدى الطويل.
ضغوط ترامب على كييف لوقف استهداف المصافي
نقل موقع «أكسيوس» الأمريكي، وفق ما أوردته وكالة «إفي»، أن ترامب حاول إقناع زيلينسكي في مناسبات عدة بوقف الهجمات الأوكرانية على مصافي النفط الروسية. وفي المقابل، طالبت كييف بوقف روسي للهجمات على منشآت الطاقة الأوكرانية.
ويكشف هذا الخلاف عن اختلاف في تقدير أثر الضربات على قطاع الطاقة. فبالنسبة إلى أوكرانيا، تمثل المصافي الروسية أهدافاً اقتصادية يمكن أن تقلل قدرة موسكو على تمويل الحرب أو ترفع كلفة استمرارها. أما إدارة ترامب، فترى، وفق التصريحات المنقولة في التقرير، أن هذه الهجمات قد تؤثر في أسواق الطاقة العالمية وتزيد الضغوط الاقتصادية على المستهلكين والقطاعات الزراعية الأمريكية.
وتعكس هذه المواقف صعوبة التوصل إلى هدنة للطاقة من دون اتفاق واضح يحدد الأهداف المشمولة، وآليات التحقق من الالتزام، وطريقة التعامل مع أي خرق محتمل.
تصريحات ترامب تزيد التوتر مع زيلينسكي
تجاوزت الخلافات الجانب العسكري والاقتصادي، بعدما نُسب إلى ترامب توجيه انتقادات حادة للرئيس الأوكراني، وصلت إلى التشكيك في استمراره في منصبه.
وتزيد مثل هذه التصريحات من حساسية العلاقة بين واشنطن وكييف، في وقت تعتمد فيه أوكرانيا على الدعم العسكري والمالي الغربي لمواجهة القوات الروسية. كما تثير مخاوف بشأن مدى استمرار التنسيق بين الطرفين حول شروط وقف إطلاق النار ومستقبل الدعم الأمريكي.
وتتداخل هذه الخلافات مع سجال سياسي أقدم بين ترامب وزيلينسكي، يعود إلى التوترات التي شهدتها العلاقات الأمريكية الأوكرانية خلال الولاية الأولى لترامب، حين برزت قضية هانتر بايدن وأنشطته التجارية في أوكرانيا ضمن الخلافات السياسية الأمريكية الداخلية.
ومع ذلك، فإن تفسير المواقف الحالية من خلال الخلافات الشخصية وحدها لا يكفي، إذ تحكمها أيضاً حسابات الأمن القومي وأسعار الطاقة وشروط التسوية مع روسيا.
أوكرانيا تواصل استهداف منشآت الطاقة الروسية
في المقابل، تشير التقارير التي أوردتها «إفي» إلى استمرار الهجمات الأوكرانية بعيدة المدى على أهداف روسية، من بينها منشآت مرتبطة بقطاع النفط. وتقول كييف إن هذه العمليات جزء من استراتيجية تهدف إلى الضغط على القدرات الاقتصادية والعسكرية الروسية.
وتمنح الهجمات التي تستهدف المصافي أو محطات الضخ أو مرافق التخزين أو النقل أثراً يتجاوز الضرر المباشر، إذ قد تؤدي إلى تعطيل الإنتاج أو التصدير ورفع تكاليف الإصلاح والتشغيل. لكن أثر كل هجوم يختلف بحسب حجم المنشأة المتضررة ومدة توقفها والقدرة على تحويل الإنتاج إلى مرافق أخرى.
وتحتاج تفاصيل الهجمات المحددة، بما فيها المواقع والتواريخ وحجم الأضرار، إلى التحقق من مصادر مستقلة، خصوصاً أن الطرفين يعلنان بصورة متكررة عن عمليات عسكرية يصعب تقييم نتائجها فوراً.
استمرار الضربات يضع هدنة الطاقة أمام اختبار صعب
تتمثل إحدى العقبات الرئيسية أمام وقف الهجمات في انعدام الثقة بين موسكو وكييف. فكل طرف يخشى أن يتيح وقف الضربات للطرف الآخر إعادة تأهيل منشآته أو تعزيز قدراته من دون تقديم تنازلات مقابلة.
وتحتاج أي هدنة للطاقة إلى شروط محددة تشمل المنشآت المدنية المستهدفة، وآليات مراقبة مستقلة، وطريقة توثيق الخروقات، وإجراءات التعامل معها. كما أن الاتفاق على وقف استهداف منشآت الطاقة لا يعني تلقائياً التوصل إلى وقف شامل لإطلاق النار، إذ تبقى الملفات العسكرية والأراضي والضمانات الأمنية موضع خلاف.
وفي هذا السياق، تصبح مواقف الولايات المتحدة وأوروبا مؤثرة في فرص التوصل إلى تفاهم، لكن نجاح أي مبادرة سيعتمد في النهاية على قبول الطرفين بها واستعدادهما للالتزام بشروطها.
ماذا يعني تخفيف القيود على الطاقة الروسية؟
إذا تأكد تخفيف القيود الأمريكية على الوقود الروسي، فقد تكون له تداعيات على ثلاثة مستويات رئيسية. أولاً، قد تستفيد روسيا من توسيع فرص تصدير الطاقة أو تسهيل المعاملات التجارية، ما يتيح لها موارد إضافية لتمويل الموازنة. لكن حجم هذا الأثر سيظل مرتبطاً بنطاق القرار وبقية القيود المفروضة على موسكو.
ثانياً، قد يؤثر القرار في أسواق النفط والوقود، وإن كان اتجاه الأسعار لا يتحدد بقرار سياسي واحد، بل يتأثر أيضاً بالعرض العالمي والطلب ومستويات المخزون وتكاليف النقل والتطورات الجيوسياسية.
ثالثاً، قد يزيد القرار التوتر بين واشنطن وكييف إذا اعتبرت الحكومة الأوكرانية أن التسهيلات الاقتصادية تمنح روسيا مكاسب من دون مقابل أمني أو سياسي.
وفي المحصلة، يضع ملف الطاقة الأطراف أمام معادلة معقدة: فبين رغبة واشنطن في دفع المفاوضات إلى الأمام، وسعي موسكو إلى حماية مواردها الاقتصادية، وإصرار كييف على وقف متبادل للهجمات، يظل مستقبل الهدنة مرتبطاً بما إذا كانت التفاهمات ستترجم إلى التزامات قابلة للتحقق، أم ستبقى الطاقة أداة إضافية في حرب الاستنزاف.
اقرأ المزيد
مراسل دنماركي في روسيا يحذر من تصاعد التهديد الروسي: خطر هجوم على أوروبا قد يصل إلى 90%
هجوم المسيّرات على موسكو.. روسيا تعلن إسقاط أكثر من 1600 مسيّرة
ترامب يعلن تقدماً نحو قاعدة عسكرية أميركية دائمة في بولندا.. رسالة جديدة إلى روسيا

