وطن-أثار مشروع عقد بين التلفزيون العام الفرنسي «فرانس تلفزيون» وشركة بيانات إسرائيلية موجة من القلق داخل المؤسسة الإعلامية، بعدما تبيّن أن الاتفاق كان يمكن أن يمنح الشركة إمكانية الوصول إلى بيانات ملايين المشاهدين، في وقت تستعد فيه فرنسا لانتخابات رئاسية وتشريعية مقررة عام 2027.
وبحسب تحقيق نشره موقع «ميديابار» ونقله «ميدل إيست آي»، كانت شركة «تيريفيك» الإسرائيلية ستتولى جمع وتحليل بيانات جمهور برنامج سياسي بارز يُعرض على قناة «فرانس 2»، قبل أن تتراجع إدارة «فرانس تلفزيون» عن المشروع بشكل سريع بعدما أُبلغت بأن «ميديابار» يستعد لنشر تحقيق حول تفاصيل الاتفاق والمخاطر المرتبطة به.
ولا يتعلق الجدل، وفق التحقيق، بالجوانب التقنية لجمع بيانات الجمهور فقط، بل يمتد إلى أبعاد أمنية وسياسية، في ظل صلات تربط أحد المساهمين في الشركة الإسرائيلية برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وهو ما زاد من حساسية المشروع داخل المؤسسة الفرنسية.
بيانات جمهور التلفزيون العام في قلب الجدل
تُعد «فرانس تلفزيون» أكبر مجموعة تلفزيونية عامة في فرنسا، كما تمثل قنواتها مجتمعة واحدة من أكبر مصادر الوصول إلى الجمهور في البلاد. ووفق النتائج السنوية التي أوردتها المادة المصدرية، بلغت حصة المجموعة من مشاهدة التلفزيون في فرنسا 29.4% خلال عام 2025.
وأثار ذلك مخاوف لدى عدد من العاملين داخل المؤسسة من أن يؤدي منح شركة أجنبية صلاحية جمع وتحليل بيانات الجمهور إلى مخاطر تتجاوز مجرد قياس نسب المشاهدة، خصوصاً إذا شملت البيانات مؤشرات يمكن استخدامها لاستنتاج التوجهات السياسية للمستخدمين.
ووفق «ميديابار»، كانت إدارة «فرانس تلفزيون» قد دفعت باتجاه تكليف شركة «تيريفيك» بقياس وتحليل جمهور برنامج «لحظة الحقيقة» على قناة «فرانس 2». وتأسست الشركة الإسرائيلية عام 2021، وتقدم نفسها باعتبارها وكالة متخصصة في التسويق وقياس الجمهور، فيما يعرض موقعها شراكات مع شركات تكنولوجية كبرى مثل «غوغل» و«تيك توك» و«ميتا» و«لينكد إن».
صلات بمسؤولين إسرائيليين
وتزداد حساسية الملف بسبب هوية بعض الشخصيات المرتبطة بالشركة. فقد ذكرت صحيفة «هآرتس» أن مؤسس «تيريفيك»، إسرائيل غرينتز، يرأس أيضاً شركة ناشئة تحمل اسم «نيغ» ومتخصصة في التسويق السياسي.
أما المساهم الآخر في الشركة، وفق المصدر نفسه، فهو ناتان إيشل، الذي شغل منصب مدير مكتب بنيامين نتنياهو بين عامي 2010 و2012، ولا يزال، بحسب التقارير الإعلامية، من الشخصيات المقربة من رئيس الوزراء الإسرائيلي وزوجته سارة نتنياهو.
وبحسب «ميديابار»، كانت إدارة «فرانس تلفزيون» على علم بمخاطر المشروع منذ مراحله الأولى، فيما وجهت تحذيرات عدة إلى مسؤولين داخل المؤسسة. إلا أن الموقع نقل عن مصادره أن الرد كان يتمثل في رغبة الإدارة في مواصلة المشروع، مع الإشارة إلى أن القرار جاء من «مستويات عليا».
مخاوف من استخدام البيانات في التأثير السياسي
كان من المقرر، وفق التحقيق الفرنسي، أن تستمر أدوات الشركة الإسرائيلية في العمل خلال فترة الحملة الرئاسية المقبلة، وهو ما رفع مستوى القلق بشأن إمكانية استخدام البيانات لتوجيه رسائل سياسية وإعلانية مخصصة إلى المستخدمين وفق ميولهم واهتماماتهم.
وتقوم التقنية التي وصفتها «ميديابار» على دمج بيانات يتم جمعها من أدوات تتبع مدمجة في تطبيقات تطورها الشركة بالتعاون مع عملائها. وبحسب التحقيق، يمكن لمثل هذه الأدوات أن تساعد في رسم صورة عن اهتمامات المستخدمين وتوجهاتهم، بما في ذلك مؤشرات مرتبطة بمواقفهم السياسية.
وهنا تكمن إحدى أكثر نقاط الجدل حساسية، إذ يخشى منتقدو المشروع من إمكانية تحويل بيانات المشاهدين إلى أداة لاستهدافهم برسائل سياسية مصممة وفق سلوكهم الرقمي، بما قد يفتح الباب أمام أشكال جديدة من التأثير في الناخبين خلال موسم انتخابي.
ولا يعني ذلك، في حد ذاته، أن البيانات كانت ستُستخدم فعلاً للتدخل في الانتخابات، لكنه يفسر، بحسب المادة المصدرية، سبب اعتبار الوصول المحتمل إلى هذه البيانات مسألة أمنية وسياسية تتجاوز حدود قياس الجمهور التقليدي.
فرنسا سبق أن واجهت اتهامات بحملات تضليل مرتبطة بإسرائيل
ويأتي الجدل حول شركة «تيريفيك» في سياق أوسع من المخاوف الفرنسية بشأن التدخلات الرقمية الأجنبية والتأثير في النقاش السياسي عبر الإنترنت.
فبحسب المادة المصدرية، أعلن وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز في وقت سابق من العام أن السلطات ستتخذ إجراءات قانونية بعد الكشف عن حملة تضليل نُسبت إلى شركة إسرائيلية تحمل اسم «بلاك كور»، واستهدفت مرشحين من اليسار خلال الانتخابات البلدية التي جرت في مارس.
كما نقل «ميديابار» عن آن صوفي ديفير، نائبة رئيس وكالة «فيجينوم» الفرنسية المكلفة بمكافحة التضليل الإلكتروني، قولها أمام البرلمان إن شركة خاصة مقرها إسرائيل ومتخصصة في بيع خدمات لزعزعة الاستقرار عبر الإنترنت استهدفت مرشحين ينتقدون السياسات الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية.
وبحسب الموقع الفرنسي، لم تتمكن الوكالة من تحديد الجهة التي مولت تلك الحملة، إلا أن القضية ساهمت في زيادة المخاوف بشأن استخدام شركات خاصة وأدوات رقمية للتأثير في النقاش العام الفرنسي، ولا سيما في الملفات ذات الحساسية السياسية والخارجية.
انتخابات 2027 تزيد حساسية الملف
وتزداد حساسية هذه القضية مع اقتراب الانتخابات الفرنسية المقررة عام 2027، في وقت يشهد فيه المشهد السياسي في البلاد تحولات وتنافساً حاداً بين القوى السياسية المختلفة.
وتشير المادة المصدرية كذلك إلى تقارب متزايد خلال السنوات الأخيرة بين الحكومة الإسرائيلية وحزب «التجمع الوطني» الفرنسي، الذي يمثل أحد أبرز القوى اليمينية المتطرفة في البلاد، فيما أظهرت استطلاعات رأي مختلفة تصدر الحزب في بعض المراحل.
وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن أي وصول لشركة أجنبية إلى بيانات جمهور مؤسسة إعلامية عامة على نطاق واسع يمكن أن يتحول إلى قضية سياسية وأمنية حساسة، حتى في حال عدم ثبوت استخدام تلك البيانات فعلياً للتأثير في الانتخابات.
إلغاء العقد لا ينهي الأسئلة
ورغم أن «فرانس تلفزيون» تراجعت سريعاً عن العقد المقترح مع «تيريفيك»، فإن القضية لم تغلق النقاش حول حماية بيانات الجمهور داخل المؤسسات الإعلامية العامة.
فالمسألة تتجاوز الاتفاق المحدد، بحسب ما تثيره المعطيات الواردة في التحقيق، إلى سؤال أوسع يتعلق بالحدود التي ينبغي أن تفرضها المؤسسات العامة عند الاستعانة بشركات أجنبية في مجالات جمع بيانات الجمهور وتحليل السلوك الرقمي، خصوصاً عندما تكون البيانات قابلة للاستخدام في استنتاج التوجهات السياسية.
ومع اقتراب الاستحقاق الانتخابي الفرنسي لعام 2027، تبدو حماية بيانات الجمهور وتحسين الرقابة على الشركات التي تتولى تحليلها جزءاً متزايد الأهمية من النقاش حول أمن الانتخابات والتدخلات الرقمية. أما المخاوف المتعلقة بإمكانية استخدام هذه البيانات لأغراض سياسية، فتبقى في إطار التحذيرات والسيناريوهات التي أثارها التحقيق، ولا تثبت بحد ذاتها وقوع تدخل انتخابي أو استخدام فعلي للبيانات في هذا الاتجاه.
اقرأ المزيد
فرنسا.. مراهق يفقد يده بانفجار قنبلة للشرطة خلال احتجاجات طلابية
تقرير حقوقي: فرنسا وافقت على 35 صفقة عسكرية جديدة لإسرائيل رغم انتقادات ماكرون لحرب غزة
«كل البنوك يملكها اليهود».. التسريبات التي زلزلت اليمين المتطرف في فرنسا!

