وطن-حذّر تقرير أعدّه فريق داخل وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية من احتمال تفاقم الانقسامات الداخلية في إسرائيل وصولاً إلى اضطرابات واسعة أو صراع أهلي، في ظل تصاعد التوترات السياسية والاجتماعية، وأزمة تجنيد اليهود المتدينين المتشددين، وتنامي عنف المستوطنين، إلى جانب التداعيات النفسية والاجتماعية للحرب على الجنود الإسرائيليين العائدين من جبهات القتال.
وبحسب ما أوردته صحيفة «ميدل إيست آي»، نقلاً عن موقع «دروب سايت نيوز»، فإن التقرير أُعد في أغسطس من قبل وحدة «الخلية الحمراء» داخل وكالة الاستخبارات المركزية، وهي وحدة مكلفة بتقديم تحليلات بديلة وتحدي الفرضيات السائدة داخل أجهزة الاستخبارات. وحمل التقرير عنوان «التصدع من الداخل»، وركّز على مجموعة من العوامل التي يرى معدوه أنها قد تهدد تماسك المجتمع الإسرائيلي في مرحلة سياسية شديدة الحساسية، بالتزامن مع اقتراب الانتخابات المقررة في 27 أكتوبر.
أزمة تجنيد الحريديم.. شرارة خلاف داخل الائتلاف
وضع التقرير أزمة تجنيد اليهود المتدينين المتشددين، المعروفين باسم «الحريديم»، في مقدمة الملفات القابلة لتفجير الخلافات داخل إسرائيل. فمنذ عقود، استفادت قطاعات واسعة من هذه الفئة من إعفاءات تسمح لطلاب المدارس الدينية بالتفرغ للدراسة في المعاهد التلمودية «اليشيفوت»، في حين يخضع معظم الإسرائيليين الآخرين للخدمة العسكرية.
لكن الحرب على غزة، إلى جانب العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان وسوريا وإيران، رفعت الحاجة إلى قوات إضافية، خصوصاً مع استدعاء أعداد كبيرة من جنود الاحتياط. ووفق التقرير، أدى استمرار إعفاء الحريديم من الخدمة إلى تحويل القضية من ترتيب سياسي قديم إلى رمز لما تعتبره قطاعات من المجتمع الإسرائيلي توزيعاً غير متكافئ للأعباء خلال الحرب.
وأدى الخلاف حول التجنيد إلى زيادة الضغوط على حكومة بنيامين نتنياهو، كما عمّق التوتر داخل المعسكر اليميني نفسه، وسط تساؤلات حول قدرة رئيس الوزراء الإسرائيلي على الحفاظ على دعم حزبي «شاس» و«يهدوت هتوراه»، وهما من أبرز حلفائه السياسيين.
وبحسب «ميدل إيست آي»، أخفقت حكومة نتنياهو في أكثر من مناسبة في تمرير تشريعات تنظم تجنيد الحريديم، بينما جرى توقيف عشرات الشبان بتهمة التهرب من الخدمة العسكرية. وأثارت هذه الاعتقالات احتجاجات دعمتها الأحزاب الدينية المتشددة، ما عكس اتساع الخلاف حول واحدة من أكثر القضايا حساسية داخل الائتلاف الحاكم.
جنود الاحتياط والسلاح.. عامل آخر يثير المخاوف
لم تتوقف المخاوف التي تناولها التقرير عند أزمة التجنيد، بل امتدت إلى الآثار التي خلفتها سنوات الحرب على عشرات الآلاف من الجنود الإسرائيليين الذين عادوا أو سيعودون إلى الحياة المدنية بعد خدمتهم في جبهات القتال.
وأشار التقرير، وفق ما نقله «دروب سايت نيوز»، إلى أن جنود الاحتياط يستطيعون الاحتفاظ بأسلحتهم في منازلهم، بينما أصبح ظهور البنادق الهجومية في الأماكن العامة أكثر اعتياداً داخل إسرائيل.
ويرى معدو التقرير أن هذا الواقع قد يزيد احتمالات العنف الداخلي في حال تفاقمت الأزمات السياسية أو الاقتصادية، ولا سيما مع تراكم الضغوط النفسية المرتبطة بالقتال، وتصاعد الاستقطاب بين التيارات الدينية والعلمانية، وبين اليمين الإسرائيلي وخصوم نتنياهو السياسيين.
عنف المستوطنين والضفة الغربية يزيدان الضغط
وتناول التقرير كذلك تصاعد عنف المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة والقدس الشرقية باعتباره أحد مصادر التوتر التي يمكن أن تؤثر في الاستقرار الداخلي الإسرائيلي.
وبحسب ما أوردته «ميدل إيست آي»، فإن معدي التقرير وضعوا هذه التطورات إلى جانب ارتفاع أسعار الغذاء وزيادة تكاليف الإنفاق العسكري، باعتبارها ضغوطاً إضافية على المجتمع والاقتصاد الإسرائيليين.
وتتزامن هذه العوامل مع حالة سياسية شديدة الاستقطاب، في وقت تزداد فيه صعوبة التوفيق بين متطلبات الحرب، والضغوط الاقتصادية، والخلافات الاجتماعية المتراكمة.
انتخابات مفتوحة على احتمالات عدة
ويشير التقرير إلى أن الانتخابات الإسرائيلية المقبلة قد لا تنتج بالضرورة أغلبية واضحة لأي من المعسكرين الرئيسيين. ووفق ما نقلته الصحيفة، فإن استطلاعات الرأي تشير إلى احتمال عدم تمكن معسكر نتنياهو أو الكتل المعارضة له من الوصول إلى عتبة 61 مقعداً اللازمة لتشكيل حكومة في الكنيست.
وبحسب «دروب سايت نيوز»، أجرى معدو التقرير محاكاة لعدد من السيناريوهات التي يمكن أن تتطور فيها الضغوط الحالية إلى أزمة داخلية أوسع. ومن بين الاحتمالات التي جرى تناولها تراجع استثمارات شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي الأجنبية أو تقليص عمليات التوظيف داخل إسرائيل، إضافة إلى احتمال إحجام حكومات في المنطقة عن مواصلة مسارات التطبيع أو تعليق بعض العلاقات القائمة مع إسرائيل.
ولا يقدم التقرير، بحسب المصدر، هذه السيناريوهات باعتبارها أحداثاً مؤكدة، وإنما كاحتمالات يمكن أن تزيد الضغط على المجتمع والمؤسسات الإسرائيلية إذا تزامنت مع أزمات سياسية واجتماعية أخرى.
توترات دينية وعلمانية تعكس عمق الانقسام
وتظهر مظاهر الاستقطاب أيضاً في الحياة اليومية داخل إسرائيل، إذ شهدت القدس احتجاجات من جانب متدينين متشددين على تشغيل مقهى «كافيه بسيمتا» يوم السبت، باعتبار أن ذلك يتعارض مع قدسية يوم الراحة الأسبوعي لدى اليهود المتدينين.
وفي المقابل، نظم ناشطون علمانيون احتجاجاً مضاداً دعماً للمقهى، في مشهد يعكس جانباً من الخلاف المتزايد بين التيارات الدينية والعلمانية حول طبيعة المجال العام داخل إسرائيل.
ويرى التقرير أن مثل هذه الخلافات تكتسب أهمية أكبر عندما تتزامن مع أزمة سياسية وحرب طويلة الأمد وضغوط اقتصادية واجتماعية متراكمة.
الفلسطينيون داخل إسرائيل.. زاوية غائبة عن التقرير
وفي ملاحظتها على التقرير، أشارت «ميدل إيست آي» إلى أنه ركز بصورة أساسية على الانقسامات داخل المجتمع اليهودي الإسرائيلي، من دون أن يمنح حيزاً مماثلاً للتوترات المرتبطة بالمواطنين الفلسطينيين داخل إسرائيل، الذين يشكلون نحو خمس السكان ويواجهون، بحسب الصحيفة، أشكالاً من التمييز البنيوي في مجالات مختلفة.
وفي السياق نفسه، ذكرت الصحيفة أن سياسياً فلسطينياً يحمل الجنسية الإسرائيلية انسحب من الانتخابات البرلمانية المقبلة بعد أن ألمحت المحكمة العليا الإسرائيلية إلى احتمال استبعاده من الترشح، بينما ألغت المحكمة قرارات حظر كانت قد طالت أربعة أحزاب أخرى تمثل مواطنين فلسطينيين في إسرائيل.
تحذير من مرحلة أكثر هشاشة
ويخلص التقرير، وفق ما نقلته المصادر، إلى أن اجتماع الأزمات السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية قد يضع المؤسسات الإسرائيلية أمام اختبار صعب في قدرتها على احتواء الخلافات الداخلية.
وبين أزمة تجنيد الحريديم، وتصاعد عنف المستوطنين، والآثار النفسية للحرب على الجنود، والاستقطاب بين المتدينين والعلمانيين، وعدم وضوح نتائج الانتخابات المقبلة، تبدو إسرائيل أمام مرحلة سياسية واجتماعية شديدة الحساسية.
ومع ذلك، فإن الحديث عن «انهيار داخلي» أو احتمال اندلاع صراع أهلي يظل، في إطار التقرير، تحذيراً استخباراتياً مبنياً على سيناريوهات واحتمالات، وليس توقعاً مؤكداً لما ستؤول إليه الأوضاع.
وتأتي أهمية هذه التحذيرات من كونها ترسم صورة لمجتمع يواجه في الوقت نفسه تداعيات الحرب، وأزمة توزيع أعباء الخدمة العسكرية، واستقطاباً سياسياً ودينياً متزايداً، وهي عوامل قد تصبح أكثر تأثيراً إذا فشلت المؤسسات السياسية في احتواء الخلافات المتراكمة.
اقرأ المزيد
محاضر إسرائيلي متهم بالتخطيط لقتل مئات الفلسطينيين وتهجيرهم.. خطة من 72 مهاجماً
أكبر نقابة تمريض في العالم تقطع علاقاتها مع شركة «تيفا» الإسرائيلية للأدوية..
لابيد يحذر من تآكل المعايير الأخلاقية في إسرائيل مع تصاعد خطاب قتل الفلسطينيين

