وطن-كشفت وسائل إعلام إسرائيلية عن قضية جنائية مثيرة للجدل تتعلق بمحاضر في الرياضيات بجامعة بار إيلان، تتهمه النيابة الإسرائيلية بالتخطيط لتنفيذ هجمات جماعية ومنسقة ضد فلسطينيين ومواطنين عرب داخل إسرائيل وفي الأراضي الفلسطينية المحتلة، بهدف قتل أعداد كبيرة منهم ودفع آخرين إلى مغادرة مناطقهم قسراً.
وأفادت النيابة، وفق لائحة الاتهام التي نشرتها وسائل إعلام إسرائيلية، بأن المحاضر، وهو في الستينيات من عمره ومن سكان بتاح تكفا، أمضى سنوات في إعداد خطة وصفها الادعاء بأنها مفصلة ومنظمة، قبل توقيفه في سبتمبر الماضي. ولا يزال اسم المتهم خاضعاً لأمر حظر نشر صادر عن المحكمة.
خطة من 72 مهاجماً في 12 خلية
بحسب لائحة الاتهام، وضع المحاضر تصوراً لتشكيل مجموعة تضم 72 مهاجماً يهودياً، بمن فيهم هو نفسه، على أن يتم تقسيمهم إلى 12 خلية، تضم كل واحدة ستة أشخاص.
وكانت الخطة، وفق النيابة، تقوم على تنفيذ هجمات متزامنة في عدد من المدن المختلطة والتجمعات العربية والبدوية، باستخدام أسلحة نارية وفؤوس ومطارق.
وقالت النيابة إن الهدف لم يكن تنفيذ هجوم منفرد، وإنما شن عمليات متزامنة بهدف إيقاع عدد كبير من الضحايا وإثارة حالة من الذعر، بما يدفع السكان العرب والفلسطينيين إلى الفرار.
وتشير إحدى التغطيات إلى أن الوثائق التي أعدها المتهم قدرت عدد القتلى المحتملين بما بين 600 و700 شخص، وهي أرقام واردة في الخطة المزعومة وليست حصيلة فعلية.
خطة تحمل اسم «أييت»
أطلق المتهم، بحسب لائحة الاتهام، اسم «أييت» على مخططه، وهو اختصار لعبارة عبرية تعني «الأمة ستنفذ الترانسفير»، في إشارة إلى فكرة تهجير الفلسطينيين.
وتقول النيابة إن المتهم بدأ العمل على الخطة في فبراير 2023، متأثراً، بحسب ادعائها، بأحداث العنف التي شهدتها المدن المختلطة في إسرائيل عام 2021، ثم كثف العمل عليها بعد هجوم 7 أكتوبر 2023 والحرب التي اندلعت بعده.
ووفق الادعاء، كان الهدف النهائي دفع مواطنين عرب في إسرائيل، إلى جانب بدو وفلسطينيين في القدس الشرقية والضفة الغربية، إلى مغادرة مناطقهم والتوجه إلى الأردن أو لبنان أو قطاع غزة.
استطلاع ميداني لتجمع بدوي
وتقول النيابة إن المتهم لم يكتفِ بكتابة الخطة، بل انتقل إلى مرحلة الاستطلاع الميداني، وبحسب لائحة الاتهام، أجرى جولات في محيط بلدة طوبا الزنغرية البدوية في شمال إسرائيل، ودرس طرق الوصول إليها والمسارات التي يمكن استخدامها لتنفيذ هجوم عليها.
وتعتبر النيابة هذه التحركات دليلاً على انتقال المخطط المزعوم من مرحلة التصور النظري إلى الإعداد العملي. كما اتهمته النيابة بأنه أمضى نحو عام ونصف في محاولة العثور على أشخاص مستعدين للمشاركة في الخطة، غير أن أياً ممن حاول تجنيدهم لم يوافق، بحسب الادعاء.
محاولة تجنيد موشيه فيغلين
وتتضمن القضية جانباً آخر يتعلق بالسياسي الإسرائيلي اليميني المتطرف السابق في الكنيست موشيه فيغلين، وبحسب لائحة الاتهام، حاول المحاضر الوصول إلى فيغلين بهدف إقناعه بالمشاركة في المخطط والمساعدة في العثور على مشاركين آخرين.
وتقول النيابة إنه حضر فعاليات شارك فيها فيغلين وحاول ترتيب لقاء معه، قبل أن ينتقل، بعد عدم تلقيه استجابة، إلى توجيه تهديدات وابتزاز السياسي الإسرائيلي.
وأفادت التغطيات بأن فيغلين وأعضاء في حزب «زيهوت» أبلغوا الشرطة بالتهديدات، وهو ما ساهم في توسيع التحقيق في القضية.
اتهامات خطيرة وطلب للإبقاء عليه في السجن
وجهت النيابة إلى المحاضر اتهامات تتعلق بالتحضير لتنفيذ عمل إرهابي، والابتزاز بالتهديد، وعرقلة سير العدالة. وطلب الادعاء إبقاءه قيد الاعتقال حتى انتهاء الإجراءات القضائية، معتبراً أن طبيعة الخطة والأيديولوجية المنسوبة إليه تجعله، بحسب موقف النيابة، خطراً على الجمهور. وفي المقابل، طلب المتهم خلال جلسة قضائية الإفراج عنه ووضعه قيد الإقامة الجبرية.
وبحسب التقارير الإسرائيلية، قال أمام المحكمة إنه أستاذ في جامعة بار إيلان وإن لديه امتحانات يحتاج إلى تصحيحها في المنزل، وتبقى هذه الاتهامات في إطار لائحة الاتهام إلى حين صدور حكم قضائي نهائي.
جامعة بار إيلان تعلق عمل المحاضر
من جهتها، أعلنت جامعة بار إيلان تعليق عمل المحاضر على خلفية القضية، وقالت إنها تنظر إلى الاتهامات بجدية شديدة، مؤكدة رفضها لمثل هذه الأفعال.
وأوضحت الجامعة أنها أوقفت المحاضر عن العمل إلى حين انتهاء الإجراءات القانونية، في انتظار ما ستخلص إليه المحكمة.
قضية تكشف مخاوف أوسع من عنف اليمين المتطرف
تأتي القضية في ظل تصاعد التوتر والعنف في الضفة الغربية والقدس الشرقية، حيث وثقت الأمم المتحدة خلال السنوات الأخيرة ارتفاعاً في هجمات المستوطنين ضد الفلسطينيين، شملت الاعتداءات الجسدية وتخريب الممتلكات وإحراق المنازل والمنشآت واستهداف الأراضي الزراعية.
وتشير أحدث بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إلى استمرار هذا الاتجاه خلال عام 2026؛ فقد وثق المكتب أكثر من 1300 هجوم نفذه مستوطنون وأدى إلى إصابات فلسطينيين أو أضرار في الممتلكات خلال الأشهر السبعة الأولى من العام، كما أدى عنف المستوطنين وقيود الوصول إلى نزوح أكثر من 2300 فلسطيني منذ بداية العام.
وفي تقرير صدر في الثاني من أكتوبر، وثق المكتب 53 هجوماً للمستوطنين خلال أسبوع واحد فقط، بين 22 و28 سبتمبر، وأسفرت تلك الهجمات عن إصابات أو أضرار في الممتلكات، فيما تواصلت عمليات هدم المنشآت الفلسطينية والتهجير في مناطق مختلفة من الضفة الغربية.
كما سبق أن وثقت الأمم المتحدة أرقاماً مرتفعة للقتلى الفلسطينيين في الضفة الغربية منذ 7 أكتوبر 2023، مع الإشارة إلى أن المسؤولية عن الوفيات موزعة بين عمليات للقوات الإسرائيلية وهجمات للمستوطنين وحالات لم يكن من الممكن تحديد منفذيها فوراً.
من مخطط على الورق إلى قضية أمام القضاء
تكتسب قضية محاضر بار إيلان أهميتها من طبيعة الاتهامات نفسها: الحديث، وفق النيابة، لا يتعلق بتصريحات سياسية أو أفكار مجردة، وإنما بخطة تضمنت تجنيد عشرات الأشخاص، وتقسيمهم إلى خلايا، واستطلاع مواقع مستهدفة ومحاولة تأمين مشاركين لتنفيذ هجمات متزامنة.
ومع ذلك، فإن عدم نجاح المتهم، وفق لائحة الاتهام، في تجنيد أي شخص للمشاركة في المخطط، إلى جانب توقيفه قبل تنفيذ الهجمات، يعني أن ما كشفته القضية حتى الآن يتعلق بخطة مزعومة وإجراءات تحضيرية، وليس بهجوم جماعي وقع بالفعل.
وتبقى الكلمة الأخيرة للقضاء الإسرائيلي في تحديد المسؤولية الجنائية للمتهم، بينما تفتح القضية في الوقت نفسه نقاشاً أوسع حول خطر العنف السياسي المنظم وخطاب التهجير، في ظل استمرار التوتر والعنف ضد الفلسطينيين في إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة.
اقرأ المزيد
لابيد يحذر من تآكل المعايير الأخلاقية في إسرائيل مع تصاعد خطاب قتل الفلسطينيين
خلف الحبتور ينتقد تصريحات بن غفير عن قتل الفلسطينيين ويتساءل عن جدوى السلام مع إسرائيل

