وطن-على الرغم من مرور أكثر من أربعة أشهر على خروجها من قطاع غزة، لا تزال غيداء كمال العبادسة تتعامل مع تفاصيل الحياة اليومية في أوروبا كما لو كانت مشاهد غير مألوفة. الحدائق، والمباني في وسط مدريد، والناس الذين يسيرون بلا عجلة، والمقاهي المفتوحة بهدوء؛ كلها أمور تبدو لها بعيدة عن مدينة تقول إن الحياة غادرتها تقريباً.
وقالت صحيفة إل باييس الإسبانية، في مقابلة أجرتها مع الكاتبة والمترجمة الغزية البالغة من العمر 24 عاماً في العاصمة الإسبانية مدريد، إن غيداء وصلت إلى أوروبا بعدما وثّقت منذ أكتوبر 2023 تفاصيل الجوع والنزوح والموت في غزة، وكتبت عن الحياة اليومية لسكان القطاع تحت القصف الإسرائيلي.
وتصف غيداء غزة اليوم بعبارات قاسية: «لا بيوت، لا طرق، لا مدارس، ومعظم المتاجر مدمّرة. كأنها مدينة أشباح أو مشهد من فيلم رعب». هذا الانطباع، كما نقلت الصحيفة الإسبانية، لم يتكوّن لديها من بعيد، بل من تجربة شخصية امتدت على مدار أشهر من الحرب، قبل أن تتمكن من مغادرة القطاع في مايو الماضي.
بدأت قصة غيداء مع الكتابة الميدانية بعد أن فقدت عملها كمترجمة في أكتوبر 2023، عقب هجمات حركة حماس وبداية القصف الإسرائيلي المكثف على قطاع غزة، والذي أسفر، بحسب ما أوردته إل باييس، عن مقتل ما لا يقل عن 70 ألف فلسطيني. في تلك الفترة، بدأت الشابة الغزية تكتب يومياتها، وتجري مقابلات لوسائل إعلام فلسطينية، وتوثق النزوح والجوع والخوف وفقدان الناس لأحبائهم.
وتقول غيداء إن الدافع الأساسي وراء عملها كان بسيطاً ومؤلماً في الوقت نفسه: «كنت أريد أن يعرف الناس خارج غزة ما يحدث. لم أستطع أن أبقى صامتة». لكنها تعترف بأنها كانت تخاف من أن تتحول بسبب عملها الصحفي والكتابي إلى هدف لإسرائيل، خاصة في ظل استهداف متكرر للصحفيين والعاملين في التوثيق داخل القطاع.
وبحسب صحيفة إل باييس، تعيش غيداء حالياً في جزيرة سردينيا الإيطالية، بعدما حصلت على منحة لدراسة ماجستير في اللسانيات. وهي تدرك، كما تقول، أنها محظوظة لأنها استطاعت الخروج من غزة، حيث لا يتمكن السكان من المغادرة إلا بأعداد محدودة جداً. غير أن شعورها بالأمان لا يكتمل، لأن عائلتها لا تزال في القطاع، تحت القصف والخوف والحاجة.
وتؤكد غيداء أن الحديث عن وقف إطلاق النار في غزة لا يطابق واقع عائلتها. فوفق ما نقلته الصحيفة الإسبانية، دخل اتفاق لوقف إطلاق النار حيز التنفيذ قبل نحو عام، لكن أكثر من 1400 فلسطيني قتلوا خلال هذه الفترة في هجمات إسرائيلية، استناداً إلى أرقام الأمم المتحدة. أما غيداء فتقول بوضوح: «لا يوجد وقف إطلاق نار في غزة. لا تصدقوا هذه الكذبة».
تتحدث الشابة يومياً مع والدتها، فتسمع أخبار القصف القريب، وتعيش على انتظار مكالمة أو رسالة تطمئنها إلى أن عائلتها ما زالت على قيد الحياة. تقول إنها لا تستطيع أن تشعر بأنها بخير، رغم وجودها في مكان آمن، لأن خوفها من فقدان عائلتها لا يفارقها.
وتقيم عائلتها في منطقة المواصي، داخل خيمة قديمة منذ يناير 2024، يعيش فيها 12 شخصاً. تصف غيداء الحياة هناك بأنها عصية على الوصف؛ برد قارس في الشتاء، وحر خانق في الصيف، وغياب للعمل ومصادر الدخل. وتضيف أن الأسرة تعيش على المساعدات والصدقات، بعدما انقطعت سبل الرزق، مشيرة إلى أن والدها، وكان معلماً، توفي بالسرطان خلال فترة القصف.
وكشفت صحيفة إل باييس أن عائلة غيداء اضطرت للنزوح أكثر من مرة منذ أكتوبر 2023. فقد غادروا منزلهم في خان يونس جنوب القطاع، ثم عادوا إليه، قبل أن يدمره القصف الإسرائيلي. وبعد ذلك نصبوا خيمتهم قرب الأنقاض، لكنهم أجبروا لاحقاً على المغادرة. ومنذ عام 2025 يقيمون في منطقة المواصي، حيث تقول غيداء إن القصف طال خياماً قريبة، وإن مواقع عسكرية إسرائيلية تقع على مسافة قريبة من المكان.
وعن مغادرتها غزة، تقول غيداء إن الأمر معقد. فهي لا تستطيع الشكوى، لأن كثيرين في القطاع يتمنون أن يكونوا في موقعها، لكنها تشعر بالوحدة وتعيش ألماً مستمراً بسبب عائلتها. والأصعب، كما تروي، أنها لا تستطيع العودة، لأنها وقّعت عند خروجها وثيقة إسرائيلية تتعهد فيها بعدم الرجوع إلى القطاع.
وفي كتاب «الكتاب الأسود لغزة»، الذي شاركت فيه إلى جانب عدد من الكتّاب الشباب من القطاع، وثّقت غيداء كيف تحول حيّها في نوفمبر 2023 إلى هدف عسكري. وقالت، بحسب ما أوردته إل باييس، إن صاروخين سقطا على المنطقة، فظنّ السكان أن النهاية قد حانت. وتشدد على أن من كانوا في المكان مدنيون، بينهم نساء وأطفال صغار، وقد قُتل عدد منهم.
ومن أكثر المقاطع إيلاماً في شهادتها داخل الكتاب قولها: «لا أعرف إن كنت سأبقى حية حتى نهاية الشهر. أصبح الجوع كائناً يعيش داخلي، يلتهمني ببطء وبلا رحمة». وتوضح غيداء أن هذه العبارة لم تكن مجازاً أدبياً، بل وصفاً مباشراً لمرحلة كان الناس يموتون فيها فعلاً بسبب نقص الطعام.
وتروي أن الأطفال كانوا يبكون من الجوع داخل الخيام، وأنها عاشت أياماً على الماء وبعض حبات الفول فقط. مرضت خلال تلك الفترة، وفقدت قدرتها على النهوض من شدة الضعف. ومع ذلك واصلت الكتابة، لأنها كانت ترى أن الصمت خيانة لتجربة يعيشها شعب كامل تحت الحصار والحرب.
وتشير غيداء، وفقاً لما نقلته صحيفة إل باييس، إلى أن المشي في شوارع غزة أصبح تجربة صادمة؛ فالطرقات تغيرت إلى حد أن السكان أنفسهم لم يعودوا يتعرفون على أماكنهم. مدارس مدمرة، بيوت ممسوحة، ومحلات مغلقة أو مهدمة، في مشهد يجعل المدينة، كما تقول، أقرب إلى ديكور خراب لا يشبه الحياة.
ولا يقتصر الخطر على القصف المباشر. فغيداء تتذكر يوماً ذهبت فيه إلى مكان للحصول على اتصال بالإنترنت، قبل أن يبدأ الجميع بالفرار بعد انتشار خبر عن نية قصف الموقع. في تلك اللحظة، شعرت أنها لا تملك مكاناً تلجأ إليه، ولا مساحة آمنة تعبّر فيها أو تلتقط أنفاسها.
وترى غيداء أن منع الصحافة الأجنبية من دخول غزة ساهم في عزل رواية السكان ومحاولة نزع الشرعية عنها. وقالت للصحيفة الإسبانية إن إسرائيل لم تكن لتستطيع التشكيك في رواية الصحفيين الأجانب بالطريقة نفسها التي تعاملت بها مع شهادات الفلسطينيين. كما أن الصحفيين الأجانب، بحسب رأيها، كانوا سيحصلون على نوع من الحماية من دولهم، وهو ما لم يتوفر للصحفيين والكتاب الفلسطينيين داخل القطاع.
وخلال وجودها في إسبانيا، قدمت غيداء كتابها «أسرى»، الذي يضم شهادات لمعتقلين ومعتقلات سابقين في السجون الإسرائيلية. وتقول إن فكرة الكتاب جاءت لأن كثيرين لا يعرفون ما يحدث داخل تلك السجون، مشيرة إلى شهادة صديقة لها من الضفة الغربية اعتُقلت بسبب منشور على مواقع التواصل الاجتماعي عبّرت فيه عن دعمها لغزة.
وبحسب ما أوردته إل باييس، كانت تلك الصديقة تعاني مشكلات في القلب ولديها طفلة صغيرة، لكن ذلك لم يشفع لها. وروت لغيداء تفاصيل يومياتها في السجن، من الحرمان من النوم لدفع المعتقلين إلى حافة الانهيار، إلى منعها من ارتداء الحجاب.
ورغم ابتعادها الجغرافي عن غزة، لا تزال غيداء ترغب في مواصلة الكتابة عن حياة أهل القطاع. لكنها خرجت بلا شيء تقريباً، واضطرت إلى ترك حاسوبها هناك. تقول إن الجامعة لا تستطيع توفير جهاز لها، وإن المنحة التي تعيش بها محدودة ولا تسمح بشراء واحد جديد.
ومع ذلك، لا يبدو أن المسافة قادرة على قطع صلتها بغزة. فالشابة التي خرجت من القطاع بعد أشهر من القصف والجوع والنزوح، ما زالت ترى أن مهمتها لم تنتهِ. تريد أن تواصل رواية الحكاية، ولو من بعيد، لأن أهل غزة، كما تقول، لا يحتاجون فقط إلى النجاة، بل إلى من يسمع صوتهم أيضاً.
اقرأ أيضاً
سفارتا إسرائيل في واشنطن ولندن تروجان لوثائقي مضاد لمواجهة اتهامات الإبادة الجماعية في غزة
غزة تحت النار.. واتفاقيات أبراهام تعود إلى الواجهة من بوابة نيويورك وكازاخستان
71.5 مليار دولار لإعادة إعمار غزة.. تقرير أممي يرصد انهيار الاقتصاد الفلسطيني

