وطن-بعد نحو عام على اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، لا يزال الفلسطينيون يواجهون صعوبة في الحصول على أبسط احتياجاتهم اليومية، في ظل استمرار القيود على دخول السلع إلى القطاع.
ولم تعد الأزمة تقتصر على مواد الإيواء أو الأدوية أو مستلزمات إعادة الإعمار، بل امتدت إلى أشياء تبدو عادية في أي حياة يومية، مثل مقعد مرحاض أو ولاعة أو مشبك شعر أو لعبة لطفل.
وبحسب تقرير لصحيفة «ميدل إيست آي» البريطانية من مدينة غزة، أعدته الصحفية مها الحسيني، فإن القيود المفروضة على دخول البضائع لم تتراجع بالقدر الذي نص عليه اتفاق وقف إطلاق النار المبرم في أكتوبر 2025، لتتحول بعض السلع المدنية إلى مواد نادرة وباهظة الثمن.
مقعد مرحاض يؤجل الخروج من الخيمة
بالنسبة إلى الفلسطينية ديمة عوض، البالغة من العمر 48 عاماً، أصبح العثور على مقعد مرحاض شرطاً أساسياً للانتقال من خيمتها إلى مكان أكثر أمناً قبل حلول الشتاء.
استأجرت عوض مرآباً صغيراً في غرب مدينة غزة، ونقلت إليه معظم أغراضها، لكنها لا تستطيع الانتقال إليه بسبب عدم وجود مرحاض مناسب.
وتقول، وفق ما نقلته «ميدل إيست آي»، إنها دفعت إيجار المرآب قبل نحو عشرة أيام، وظلت تبحث لمدة أسبوعين عن مقعد مرحاض بسعر يمكنها تحمله، من دون أن تتمكن من العثور على قطعة جديدة بسعر مناسب.
وتتراوح أسعار مقاعد المراحيض، وفق التقرير، بين 1500 و2000 شيكل، أي ما يقارب 486 إلى 648 دولاراً.
وتعيش عوض مع ابنها الوحيد بعدما انفصلت عن زوجها، الذي غادر قطاع غزة لتلقي العلاج خلال الحرب. وهي تحاول الانتقال من الخيمة قبل حلول الشتاء، بعدما عانت من مياه الأمطار في العام السابق.
وتقول إن إيجار المرآب يبلغ نحو 600 شيكل شهرياً، وهو مبلغ تعتبره أقل كلفة من استئجار شقة، لكنها فوجئت بأن تجهيز مرحاض قد يكلفها أكثر من الإيجار نفسه.
سلع مدنية تدخل في دائرة القيود
بحسب التقرير، ترتبط أزمة السلع في غزة بنظام طويل من القيود الإسرائيلية على دخول ما تصفه إسرائيل بالمواد «مزدوجة الاستخدام»، أي المواد التي يمكن استخدامها لأغراض مدنية أو عسكرية.
وشملت هذه القيود، وفق المادة، مواد البناء ومضخات المياه والصرف الصحي والمعدات الكهربائية والمولدات وبعض الأجهزة الطبية والكراسي المتحركة والعكازات وغيرها من المستلزمات.
وخلال الحرب التي بدأت في أكتوبر 2023، تشددت القيود على حركة البضائع والمساعدات إلى القطاع، قبل أن ينص اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025 على تسهيل تدفق المساعدات وتخفيف القيود.
لكن التقرير يشير إلى أن سكان غزة ما زالوا يواجهون صعوبة في الحصول على عدد كبير من السلع، بما فيها مواد الإيواء وإعادة الإعمار والأدوية، إلى جانب احتياجات يومية لا تبدو مرتبطة بأي استخدام عسكري.
ويصف عاملون في مجال الإغاثة هذا الوضع بأنه أشبه بـ«قائمة شبحية» للسلع الممنوعة، في ظل عدم وجود قائمة واضحة ومحدثة يستطيع السكان والتجار معرفة ما يُسمح بإدخاله وما يُمنع.
ولاعة واحدة لعشرات الأشخاص
ولا تتوقف الأزمة عند مواد البناء أو المستلزمات الطبية، فحتى الولاعة أصبحت سلعة نادرة في بعض مناطق غزة. وينقل التقرير عن عماد سرساوي، وهو أب فلسطيني يبلغ من العمر 45 عاماً ونازح من حي الشجاعية، أن لديه ولاعة يستعيرها سكان المخيم عندما يحتاجون إلى إشعال النار للطهي.
ويقول سرساوي إن امتلاك ولاعة أصبح في حد ذاته نوعاً من الثراء، بعدما وصل سعر الولاعة الواحدة، وفق روايته، إلى نحو 90 شيكلاً، أي قرابة 29 دولاراً.
ويشير إلى أن العثور عليها في الأسواق أصبح صعباً، وأن بعض السلع تختفي من السوق لأشهر، بينما لا يعرف السكان متى يمكن أن تعود. هذه التفاصيل الصغيرة تعكس جانباً آخر من الأزمة: فالحياة اليومية لا تتعطل فقط بسبب نقص الطعام والدواء، وإنما أيضاً بسبب اختفاء الأدوات التي يحتاجها الناس لتدبير حياتهم العادية.
حتى ألعاب الأطفال أصبحت نادرة
الأزمة امتدت كذلك إلى ألعاب الأطفال، ويقول سرساوي إنه لم يشترِ لأطفاله أي لعبة منذ بداية الحرب، وإن أبناءه كانوا يطلبون منه اللعب، لكنه كان يخبرهم بأن عليهم الانتظار حتى انتهاء الحرب.
وبحسب التقرير، ما زالت الألعاب من السلع التي يصعب إدخالها إلى غزة، فيما تبيع بعض المتاجر ما تبقى لديها من مخزون قديم بأسعار مرتفعة.
ويقول سرساوي إنه لا يستطيع شراء كرة مطاطية صغيرة بمئة شيكل، لأن هذا المبلغ، بالنسبة إلى عائلته، يكفي لتأمين الطعام لمدة يومين.
ويضيف أن الحديث عن «الكماليات» يصبح مختلفاً في ظروف الحرب والنزوح، لأن السكان لا يفتقدون الأساسيات فقط، بل يجدون أنفسهم محرومين أيضاً من أشياء بسيطة كانت جزءاً طبيعياً من حياتهم.
قيود تفتقر إلى الوضوح
يشير التقرير إلى أن نظام القيود المفروض على السلع الداخلة إلى غزة يظل معقداً وغير واضح بالنسبة إلى التجار والمنظمات الإنسانية.
ووفق المادة، لم تُنشر قائمة شاملة ومحدثة للمواد المصنفة ضمن «مزدوجة الاستخدام» منذ عام 2017، رغم اتساع نطاق المواد التي تواجه قيوداً على دخولها.
ويعني ذلك، بالنسبة إلى السكان، أن الحصول على بعض الاحتياجات قد يتحول إلى رحلة طويلة وغير مضمونة، سواء تعلق الأمر بإصلاح منزل أو تجهيز حمام أو توفير بطارية أو شراء مستلزمات للأطفال.
وفي قطاع يعيش آثار الدمار والنزوح، تصبح هذه التفاصيل أكثر أهمية، لأنها ترتبط بمحاولة استعادة الحد الأدنى من الحياة الطبيعية.
مشبك شعر بعشرة أضعاف سعره
حتى المستلزمات الشخصية للنساء لم تسلم من أزمة النقص، وتروي الصحفية الفلسطينية بيداء عثمان أنها اضطرت إلى التنقل بين محافظتين بحثاً عن مشبك شعر، قبل أن تجده بسعر يزيد بنحو عشرة أضعاف عن سعره المعتاد.
وبحسب ما نقلته «ميدل إيست آي»، كان سعر المشبك قبل الحرب نحو 4 شواكل، أي ما يقارب 1.3 دولار، بينما أصبح يباع بنحو 45 شيكلاً، أي حوالي 14.5 دولاراً.
بالنسبة إلى امرأة تعيش في ظروف النزوح والعمل اليومي القاسي، لا يمثل مشبك الشعر مجرد قطعة تجميلية. فالحياة في الخيام والحرارة المرتفعة والطهي على الحطب تجعل بعض هذه الأدوات الصغيرة احتياجات عملية.
وتقول عثمان إن الأزمة لم تعد تتعلق فقط بعدم توفر الضروريات، بل أصبحت الأشياء البسيطة التي لم يكن أحد يفكر في أهميتها سابقاً صعبة المنال أيضاً.
كما تحدثت سجود حسن، وهي أخصائية علاج طبيعي فلسطينية في غزة، عن الأثر النفسي لهذا النقص، معتبرة أن فقدان القدرة على الحصول على أشياء يومية بسيطة يعزز شعور السكان بأن تفاصيل حياتهم لم تعد بأيديهم.
أزمة أكبر من نقص السلع
تكشف هذه الأمثلة جانباً إنسانياً من الأزمة التي يعيشها الفلسطينيون في غزة بعد عام على وقف إطلاق النار، فبالنسبة إلى سكان يحاولون الانتقال من الخيام إلى أماكن أكثر أمناً، قد يصبح مقعد مرحاض عائقاً أمام الانتقال. وبالنسبة إلى عائلة نازحة، قد تتحول ولاعة إلى سلعة يتشاركها عشرات الأشخاص. وقد يصبح مشبك شعر أو لعبة طفل سلعة باهظة يصعب العثور عليها.
وبذلك، لا تقاس أزمة غزة فقط بما ينقص الأسواق من الغذاء والدواء والوقود، وإنما أيضاً بما اختفى من التفاصيل الصغيرة التي تجعل الحياة اليومية ممكنة.
وبعد سنوات من الحرب والنزوح والدمار، يواجه الفلسطينيون تحدياً يتجاوز البقاء على قيد الحياة: محاولة استعادة حياة طبيعية، في وقت لا تزال فيه أبسط مستلزمات تلك الحياة بعيدة المنال.
اقرأ المزيد
«بودكاست غزة».. فلسطينيون يروون حياتهم وتجاربهم تحت الحرب والحصار
60 مدنيًا بنيران «كواد كابتر».. كيف تحولت المسيّرات الصغيرة إلى سلاح صامت في غزة؟
فيلسوف إسباني: إسرائيل “بقايا أسوأ ما في أوروبا”.. وغزة نقطة تحول حضارية
مقتل أطفال في غزة مع تكثيف إسرائيل هجماتها خلال الساعات الـ24 الماضية

