وطن-في 2 أكتوبر 2018، دخل الصحفي السعودي جمال خاشقجي القنصلية السعودية في إسطنبول للحصول على وثائق مرتبطة بزواجه، لكنه لم يخرج منها مرة أخرى. وبعد ساعات، تحولت القضية من اختفاء صحفي إلى واحدة من أكثر جرائم قتل الصحفيين إثارة للجدل في العصر الحديث، بعدما خلصت التحقيقات التركية والدولية إلى أن خاشقجي قُتل داخل القنصلية، فيما بقي مصير جثمانه أحد أكبر الألغاز المرتبطة بالقضية حتى اليوم.
كان خاشقجي قد دخل القنصلية في موعد محدد للحصول على وثيقة تثبت وضعه المدني تمهيداً للزواج من خطيبته التركية خديجة جنكيز، التي كانت تنتظره خارج المبنى. وتؤكد وثائق الأمم المتحدة أن خاشقجي دخل القنصلية في 2 أكتوبر ولم يُشاهد بعدها، بينما ظلت خطيبته تنتظره لساعات قبل أن تبلغ السلطات التركية باختفائه.
من الاختفاء إلى جريمة قتل داخل القنصلية
سرعان ما تحولت رواية الاختفاء إلى قضية قتل، بعدما بدأت السلطات التركية تكشف تفاصيل التحقيقات المتعلقة بما جرى داخل القنصلية. وفي تقريرها حول القضية، خلصت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالات الإعدام خارج نطاق القضاء إلى أن خاشقجي كان ضحية قتل متعمد، وأن هناك أدلة ذات مصداقية تستدعي مزيداً من التحقيق بشأن المسؤولية الفردية والأوامر التي سبقت العملية.
كما وثقت الأمم المتحدة وجود مؤشرات على التخطيط للعملية قبل وصول خاشقجي إلى القنصلية، مشيرة إلى أن معلومات حول موعد عودته إلى القنصلية كانت قد وصلت إلى جهات في الرياض قبل يوم مقتله. وتشير وثائق التحقيق الأممي إلى أن فريقاً سعودياً أمنياً كان قد أجرى قبل أيام عملية تفتيش للقنصلية بحثاً عن أجهزة مراقبة، بينما وصلت في يوم الجريمة مجموعة من المسؤولين السعوديين إلى إسطنبول.
أما التفاصيل الأكثر قسوة المتعلقة بكيفية قتل خاشقجي والتخلص من جثمانه، فقد وردت في التحقيقات والتقارير التركية والإعلامية، لكن التقرير الأممي لم يعتمد كل التفاصيل المتداولة باعتبارها حقائق مثبتة قضائياً.
أين الجثمان؟
بعد ثماني سنوات، لا تزال إحدى أكثر الأسئلة إلحاحاً في القضية مرتبطة بمصير جثمان خاشقجي، فقد أعلنت السلطات السعودية في وقت سابق روايات متعددة بشأن الجريمة، قبل أن تقر في النهاية بأن خاشقجي قُتل داخل القنصلية. أما مكان رفاته فلم يُعلن عنه بصورة موثوقة، وبقي مصيره النهائي غير محسوم علناً.
وهكذا تحولت قضية الجثمان إلى جزء أساسي من الأسئلة التي لا تزال تحيط بالجريمة: أين نُقل؟ ومن شارك في التخلص منه؟ وهل توجد معلومات لم تُكشف حتى الآن؟ كما تقول الأمم المتحدة إن السلطات السعودية لم تقدم إجابات كافية عن جميع عناصر القضية، بينما أكدت السعودية من جانبها أنها اتخذت إجراءات قضائية بحق عدد من المتهمين بالجريمة.
ماذا قالت الاستخبارات الأميركية عن محمد بن سلمان؟
في فبراير 2021، رفعت الولايات المتحدة السرية عن تقييم أعده مكتب مدير الاستخبارات الوطنية بشأن مقتل خاشقجي. وخلص التقييم الأميركي إلى أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان وافق على عملية في إسطنبول للقبض على جمال خاشقجي أو قتله.
واستند التقييم إلى ما وصفه التقرير بسيطرة ولي العهد على عملية صنع القرار في السعودية، إضافة إلى مشاركة مستشار بارز وأفراد من فريق الحماية الخاص به في العملية، وإلى تقييم الاستخبارات الأميركية لطبيعة السلطة التي كان يمارسها على أجهزة الأمن والاستخبارات. لكن التقييم الاستخباراتي الأميركي لا يمثل حكماً قضائياً، وهو تقدير صادر عن أجهزة الاستخبارات الأميركية استناداً إلى المعلومات المتاحة لها.
من يتحمل المسؤولية؟
هذه النقطة بقيت في قلب الجدل الدولي منذ عام 2018. فبينما حددت التحقيقات الدولية مسؤوليات وأدواراً مختلفة لأفراد شاركوا في العملية، ظلت مسألة المسؤولية السياسية العليا موضع خلاف بين الحكومات.
وضع التقييم الأميركي لعام 2021، محمد بن سلمان في مركز المسؤولية عن الموافقة على العملية، بينما نفت الحكومة السعودية أن يكون ولي العهد قد أصدر أمراً بقتل خاشقجي. أما الأمم المتحدة، فقد دعت إلى تحقيق مستقل وشفاف ومحاسبة جميع المسؤولين، مؤكدة أن طبيعة الجريمة وخطورتها تستوجب عدم الاكتفاء بمحاكمة منفذيها المباشرين.
ثماني سنوات.. والقضية لم تنتهِ
في 2 أكتوبر 2026، تمر ثماني سنوات كاملة على دخول جمال خاشقجي القنصلية السعودية في إسطنبول. ثماني سنوات تغيرت خلالها الكثير من المعطيات السياسية، وتحسنت العلاقات بين السعودية وعدد من الدول الغربية، وعادت الرياض إلى لعب أدوار دبلوماسية واقتصادية واسعة على الساحة الدولية. لكن قضية خاشقجي لم تختفِ بالكامل من المشهد. فهي لا تزال مرتبطة بأسئلة عن المسؤولية، ومصير الجثمان، وحدود مساءلة المسؤولين عن الجرائم التي تستهدف الصحفيين والمعارضين.
كان خاشقجي صحفياً وكاتباً، وأصبح في سنواته الأخيرة من أبرز المنتقدين لبعض سياسات القيادة السعودية. وقد تحول مقتله إلى قضية دولية تتجاوز شخصه، بعدما أثارت نقاشاً واسعاً حول سلامة الصحفيين، وحماية المعارضين، وحدود استخدام أجهزة الدولة خارج أراضيها.
جثمان غائب وقصة لم تُدفن
قد تُغلق أبواب القنصلية، وقد تتغير الروايات السياسية، وقد تمر السنوات وتتبدل التحالفات، لكن الأسئلة الأساسية في قضية خاشقجي لا تزال قائمة. أين جثمان جمال خاشقجي؟ ومن يتحمل المسؤولية النهائية عن العملية؟
وهل يمكن أن تُغلق قضية قتل لم تُكشف كل تفاصيلها للرأي العام، فيما لا تزال عائلة الضحية محرومة من معرفة المصير الكامل لجثمانه؟ بعد ثماني سنوات، لم يعد السؤال متعلقاً فقط بما حدث في ذلك اليوم داخل القنصلية، بل بما إذا كان المجتمع الدولي قادراً على ضمان ألا يتحول قتل صحفي إلى ملف سياسي تتراجع أهميته مع مرور الوقت. قُتل جمال خاشقجي في 2 أكتوبر 2018، لكن القضية التي خلفها وراءه لا تزال حاضرة، لأن بعض أسئلتها الأساسية لم تجد، حتى اليوم، إجابات علنية نهائية.
اقرأ المزيد
مهندس سعودي يعلن خروجه من المملكة: “حياتي في خطر”.. ماذا يعرف عن ملفات بن سلمان والقحطاني؟
«إنسانية في تبوك وصمت أمام أنقاض غزة».. مشهد الرعاية السعودية لركاب «فلاي دبي» يفجر سجال المعايير!

