وطن-تحولت صورة لركاب إسرائيليين يتلقون الرعاية بعد هبوط اضطراري لطائرة «فلاي دبي» في مدينة تبوك السعودية إلى مشهد واسع التداول، بعدما احتفت بها حسابات عربية وإسرائيلية باعتبارها صورة تجسد «الإنسانية» في موقف استثنائي.
لكن خلف الصورة سؤال آخر يتجاوز تفاصيل الرحلة نفسها: هل تتغير معايير الإنسانية عندما يكون الضحية إسرائيلياً،وتختفي كليا عندما يكون فلسطينياً أو يمنياً أو سودانياً أو إيرانياً؟
طائرة إسرائيلية تهبط اضطرارياً في تبوك
في 30 سبتمبر/أيلول 2026، تعرضت الرحلة «إف زد 1073» التابعة لشركة «فلاي دبي»، والمتجهة من دبي إلى تل أبيب، لحادث خطير أثناء التحليق، قبل أن تعلن حالة طوارئ وتهبط اضطرارياً في مطار الأمير سلطان بن عبد العزيز الدولي في تبوك.
وبحسب وزارة الداخلية السعودية، منحت السلطات الطائرة تصريح الهبوط الاضطراري، وهبطت بسلام وعلى متنها 174 راكباً وثمانية من أفراد الطاقم، فيما قُدمت الرعاية اللازمة لجميع الموجودين على متنها.
وتشير التقارير إلى أن الطائرة تعرضت لاضطراب خطير بعد وقوع مواجهة داخل قمرة القيادة، وأصيب قائد الطائرة ومساعده، بينما تمكنت الطائرة في النهاية من الوصول إلى تبوك بسلام. ولا تزال ملابسات الحادث قيد التحقيق. وبما أن الطائرة كانت متجهة إلى تل أبيب، كان غالبية الركاب من الإسرائيليين، وفق تقارير إعلامية عن الرحلة.
صورة إنسانية أثارت الاحتفاء
بعد الهبوط، انتشرت صور ومقاطع تظهر تقديم الرعاية للركاب في مطار تبوك، وتداولت حسابات عربية وإسرائيلية المشهد باعتباره لحظة لافتة، خصوصاً في ظل عدم وجود علاقات دبلوماسية رسمية بين السعودية وإسرائيل.
وبعيداً عن الموقف السياسي من السعودية أو إسرائيل، فإن تقديم الإسعاف والرعاية للمدنيين الذين وجدوا أنفسهم في حالة طوارئ هو في جوهره عمل إنساني طبيعي. فالإنسان يُنقذ لأنه إنسان. وهنا تحديداً تبدأ المسألة التي أثارت الجدل.
لماذا تصبح الإنسانية أكثر وضوحاً عندما يكون الضحية إسرائيلياً؟
السؤال ليس: لماذا ساعد السعوديون ركاب الطائرة؟ بل على العكس، مساعدة الإنسان في لحظة الخطر أمر يفترض أن يكون موضع تقدير، بصرف النظر عن جنسيته. لكن يتمثل السؤال الأوسع في أنه: لماذا تتحول مثل هذه الصور، عندما يكون الضحايا إسرائيليين، إلى رموز تتحدث عن «الإنسانية» والتعايش والسلام، بينما لا تحظى صور أخرى بالاهتمام نفسه عندما يكون الضحايا فلسطينيين؟
في الحقيقة، إن صورة واحدة في مطار تبوك يمكن أن تختصر في نظر البعض معنى الإنسانية. لكن ماذا عن صور الأطفال الفلسطينيين الذين يُنتشلون من تحت الأنقاض؟ ماذا عن المدنيين الذين يعيشون تحت القصف والنزوح؟ وماذا عن المرضى الذين يحتاجون إلى العلاج، والعائلات التي تبحث عن مأوى، والضحايا المدنيين في مناطق أخرى من الشرق الأوسط وأفريقيا؟
الإنسانية لا ينبغي أن تحمل جنسية
المفارقة التي يطرحها النص ليست في إنقاذ الإسرائيليين، بل في ازدواجية النظر إلى الضحية. وإذا كان إنقاذ إنسان إسرائيلي من الموت فعلاً إنسانياً يستحق الاحتفاء، فإن إنقاذ إنسان فلسطيني من الموت يجب أن يحمل القيمة الإنسانية نفسها.
وإذا كانت صورة المسعفين وهم يقدمون الرعاية لركاب الطائرة تستحق أن تُقدم بوصفها مشهداً إنسانياً، فإن صور الأطباء والمسعفين وهم يحاولون إنقاذ المدنيين في غزة أو السودان أو اليمن تستحق أيضاً أن تُرى من الزاوية الإنسانية ذاتها. فالإنسانية، في جوهرها، لا يفترض أن تتغير بتغير جواز السفر. ولا ينبغي أن يصبح تعاطف العالم مع الضحية مرتبطاً بجنسيتها أو هويتها السياسية.
من تبوك إلى السؤال الأكبر
قد تكون صورة تبوك بالفعل صورة إنسانية: طائرة تعرضت لحالة طارئة، وركاب احتاجوا إلى المساعدة، وسلطات محلية فتحت مطارها أمام الطائرة وقدمت الرعاية لمن كانوا على متنها. وهذا ما أكدته السلطات السعودية رسمياً. لكن تحويل هذه الصورة إلى معيار للإنسانية يفرض سؤالاً أكبر:
هل نقيس قيمة الحياة بالطريقة نفسها عندما يكون صاحبها إسرائيلياً، وفلسطينياً، ويمنياً، وسودانياً، وإيرانياً؟ إذا كانت الإجابة نعم، فإن الإنسانية لا تحتاج إلى جنسية. أما إذا أصبحت حياة إنسان أكثر جدارة بالتعاطف من حياة إنسان آخر بسبب هويته، فالمشكلة ليست في الصورة التي التُقطت في تبوك، بل في الطريقة التي نختار بها الصور التي نريد أن نراها.
اقرأ المزيد
«شجار بالسكاكين على ارتفاع 34 ألف قدم».. كواليس ليلة الرعب على طائرة «فلاي دبي»!
رحلة إلى تل أبيب تحولت إلى كابوس.. طعن داخل قمرة القيادة وطائرة تهبط في السعودية

