وطن-تتجه البرازيل، اليوم الأحد، إلى صناديق الاقتراع في انتخابات عامة شديدة الاستقطاب، يواجه فيها الرئيس اليساري لويس إيناسيو لولا دا سيلفا منافسه اليميني فلافيو بولسونارو، نجل الرئيس السابق جايير بولسونارو، في سباق يعيد إلى الواجهة الانقسام السياسي العميق الذي تعيشه أكبر دول أميركا الجنوبية.
ويشارك أكثر من 155 مليون ناخب في الانتخابات التي لا تقتصر على اختيار رئيس الجمهورية، بل تشمل أيضاً انتخاب الحكام وأعضاء مجلس الشيوخ ومجلس النواب والمجالس التشريعية للولايات. وفي حال عدم حصول أي مرشح رئاسي على أكثر من نصف الأصوات الصحيحة، يُجرى دور ثانٍ في 25 أكتوبر.
وتظهر أحدث استطلاعات الرأي المتاحة قبل التصويت تقارباً واضحاً بين لولا وفلافيو، وإن كانت النتائج تختلف باختلاف المؤسسات ومنهجيات القياس. ويشير متوسط استطلاعات نشرته «يو أو إل» إلى تقدم محدود للولا في الجولة الأولى، بينما أظهرت استطلاعات منفردة أخرى فارقاً قريباً من حدود الخطأ الإحصائي. وتبقى هذه الأرقام قياسات للرأي العام قبل الاقتراع وليست نتائج انتخابية.
اقتصادان ورؤيتان مختلفتان لدور الدولة
تدور إحدى أبرز معارك الانتخابات حول طبيعة الدور الذي يجب أن تؤديه الدولة في الاقتصاد. ويدافع لولا عن استمرار السياسات الاجتماعية والاستثمار الحكومي، مع التركيز على رفع الدخل وتحسين ظروف المعيشة ودعم قطاعات الإنتاج، في وقت تحاول فيه حكومته الحفاظ على مكاسب تراجع البطالة وتحسين بعض مؤشرات الدخل.
في المقابل، يقدم فلافيو بولسونارو برنامجاً يركز على تقليص حجم الجهاز الحكومي وإعادة هيكلة الإدارة العامة. وينص برنامجه الانتخابي على خفض عدد الوزارات بما لا يقل عن عشر وزارات، وتقليص الوظائف الإدارية والنفقات، إلى جانب مراجعات واسعة في القواعد التنظيمية والضريبية والعمالية بهدف تقليص ما يصفه البرنامج بالبيروقراطية التي تعرقل الاقتصاد.
ويضع برنامج فلافيو كذلك هدفاً لتحقيق نمو اقتصادي مستدام، مع الاعتماد بدرجة أكبر على الاستثمار الخاص، في حين يركز خطاب لولا على الجمع بين النمو والسياسات الاجتماعية والحفاظ على قدرة الدولة على تقديم الخدمات العامة.
وتأتي هذه المواجهة في وقت لا تزال فيه القدرة الشرائية والتضخم وأسعار المواد الغذائية من القضايا المؤثرة في النقاش الانتخابي. وتشير بيانات حديثة إلى أن القوة الشرائية للغذاء تحسنت مقارنة بعام 2022، لكنها لا تزال أقل من مستويات ما قبل جائحة كورونا، ما يجعل تكاليف المعيشة جزءاً أساسياً من حسابات الناخبين.
«6×1».. معركة جديدة حول سوق العمل
ويبرز ملف ساعات العمل بوصفه أحد أكثر الملفات حضوراً في الحملة. فقد جعل لولا من إنهاء نظام «6×1» ــ أي العمل ستة أيام مقابل يوم راحة واحد ــ إحدى القضايا الرئيسية في خطابه الانتخابي.
وتدعم الحكومة مساراً نحو أسبوع عمل من 40 ساعة من دون خفض الأجور، ضمن مشروع إصلاح يستهدف تغيير قواعد العمل الحالية. وقد وصلت القضية إلى مجلس الشيوخ بعد أن حصلت المقترحات المتعلقة بها على دعم واسع في مجلس النواب.
أما فلافيو بولسونارو، فلم يعلن في مقابلة انتخابية موقفاً نهائياً بشأن التصويت على إنهاء نظام «6×1»، لكنه دافع عن نموذج مختلف يقوم على «مرونة» أكبر في تحديد ساعات العمل، وهو موقف تتبناه حملته في مواجهة المقترح المدعوم من حكومة لولا.
وبذلك تحولت القضية إلى اختبار سياسي حول حدود تدخل الدولة في سوق العمل: هل تكون الأولوية لتقليص ساعات العمل وتحسين ظروف الموظفين، أم لمنح الشركات والعمال مساحة أكبر للتفاوض حول أنظمة العمل؟
الصحة والتعليم.. اتفاق على الأهداف واختلاف في الأدوات
ولا يقتصر التباين بين المرشحين على الاقتصاد وسوق العمل، إذ يمتد إلى الخدمات العامة، وفي مقدمتها الصحة والتعليم.
ويتمسك لولا بتعزيز النظام الصحي العام البرازيلي، المعروف باسم «نظام الصحة الموحد»، مع التركيز على الرعاية الصحية الأولية وتوسيع الخدمات الحكومية، إلى جانب الاستثمار في التعليم والتكوين التقني.
أما برنامج فلافيو فيعطي مساحة أكبر للتكنولوجيا في الخدمات العامة، بما في ذلك استخدام الأدوات الرقمية والذكاء الاصطناعي لتحسين إدارة المواعيد والخدمات الصحية، إلى جانب التوسع في نماذج تعليمية أكثر ارتباطاً بالانضباط والأمن.
وفي هذا الملف، يلتقي المرشحان في عدد من الأهداف العامة، مثل تقليص فترات انتظار المرضى وتوسيع التعليم بدوام كامل، لكنهما يقدمان وسائل مختلفة للوصول إليها.
الأمن والقضاء.. من الوقاية إلى تشديد العقوبات
يشكل الأمن أحد أكثر الملفات التي تميز خطاب فلافيو بولسونارو، الذي يقدم برنامجاً أكثر تشدداً تجاه الجريمة المنظمة. ويتضمن برنامجه إنشاء نحو 500 ألف مكان إضافي في السجون خلال أربع سنوات، وبناء خمسة سجون اتحادية جديدة شديدة الحراسة، إضافة إلى خفض سن المسؤولية الجنائية في حالات محددة وتشديد العقوبات على بعض الجرائم. كما يقترح تصنيف عصابات إجرامية كمنظمات «إرهاب مخدرات»، إلى جانب مقترحات أخرى تتعلق بالعقوبات والرقابة الأمنية.
أما لولا، فيتبنى مقاربة أكثر تركيزاً على العمل المؤسسي والتنسيق بين أجهزة الأمن والولايات، مع التركيز على الاستخبارات وتتبع التمويل غير المشروع للعصابات، واستخدام التكنولوجيا، وبرامج الوقاية والسياسات الاجتماعية إلى جانب الإجراءات الأمنية.
ويظهر الاختلاف هنا في طبيعة الأدوات المقترحة أكثر من اختلافهما حول تشخيص وجود أزمة أمنية واسعة مرتبطة بالجريمة المنظمة والعصابات التي توسعت شبكاتها المالية واللوجستية داخل البرازيل.
المرأة والمراهنات الإلكترونية في قلب الحملة
وتحظى قضايا النساء كذلك بمكانة بارزة في السباق الانتخابي. ويركز لولا على مكافحة العنف ضد النساء، وتعزيز مراكز الشرطة والخدمات المتخصصة، ودعم الاستقلال الاقتصادي للنساء.
وفي المقابل، يتضمن برنامج فلافيو إنشاء «المركز الوطني للمرأة»، الذي يجمع بين خدمات الحماية والتوجيه القانوني والدعم النفسي والصحي والتأهيل المهني، مع الاستفادة من الأدوات الرقمية في استقبال البلاغات وتقديم الخدمات.
كما تحولت المراهنات الإلكترونية إلى قضية انتخابية مهمة، خصوصاً مع الجدل حول تأثيرها في موازنات الأسر والديون. وقد جعل لولا حظر المراهنات الإلكترونية واستخدام الإعانات الاجتماعية في هذا النشاط جزءاً من خطابه في الأيام الأخيرة للحملة، في محاولة لمعالجة قضية أصبحت مرتبطة مباشرة بالدخل الأسري.
الأمازون والسياسة الخارجية
وفي السياسة الخارجية والبيئة، يتمسك لولا بخطاب يقوم على استقلال القرار البرازيلي وتعزيز حضور البلاد على الساحة الدولية، مع التركيز على حماية غابات الأمازون ومكافحة إزالة الغابات.
أما فلافيو بولسونارو، فيطرح تقارباً أكبر مع الولايات المتحدة، بالتوازي مع سياسات اقتصادية أكثر انفتاحاً على القطاع الخاص والاستثمارات الأجنبية.
ويأتي هذا الاختلاف في وقت تحمل فيه الانتخابات البرازيلية أبعاداً تتجاوز حدود البلاد، نظراً إلى حجم الاقتصاد البرازيلي وموقعها داخل أميركا الجنوبية ودورها في مجموعة «بريكس» وعلاقاتها مع الولايات المتحدة والصين والقوى الدولية الأخرى.
انتخابات تتجاوز اسم الرئيس
وبينما يخوض لولا معركة من أجل ولاية رئاسية رابعة غير متتالية، يخوض فلافيو بولسونارو أول سباق رئاسي له محاولاً نقل الإرث السياسي لعائلة بولسونارو إلى مرحلة جديدة. وقد أظهرت استطلاعات الأيام الأخيرة أن المنافسة متقاربة، من دون أن تسمح هذه البيانات وحدها بحسم النتيجة مسبقاً.
وتكتسب الانتخابات أهمية إضافية بسبب الانتخابات التشريعية المتزامنة معها، إذ سيختار البرازيليون أيضاً أعضاء مجلس النواب ومجلس الشيوخ وحكام الولايات. وبالتالي، فإن قدرة أي رئيس على تنفيذ برنامجه ستتأثر كذلك بموازين القوى داخل الكونغرس.
وفي المحصلة، تضع انتخابات البرازيل 2026 الناخبين أمام رؤيتين مختلفتين في عدد من الملفات: دور الدولة في الاقتصاد، مستقبل سوق العمل، السياسة الاجتماعية، مكافحة الجريمة، علاقة البرازيل بالقوى الدولية وحماية البيئة. وبينما يركز لولا على استمرار الدولة الاجتماعية والخدمات العامة، يطرح فلافيو تقليص الجهاز الحكومي وتشديد السياسة الأمنية وتوسيع مساحة القطاع الخاص.
أما النتيجة النهائية، فستتحدد بصندوق الاقتراع اليوم، وقد تنتقل المنافسة إلى جولة ثانية في 25 أكتوبر إذا لم يحصل أي مرشح على أكثر من نصف الأصوات الصحيحة.
اقرأ أيضاً
رجل نتنياهو في البرازيل.. لماذا تراهن إسرائيل على عودة بولسونارو؟
المحكمة العليا في البرازيل تأذن بالتحقيق مع نجل لولا دا سيلفا في شبهات فساد بتسويق القنب ..

