وطن-قررت الولايات المتحدة إعفاء مصر من شروط مرتبطة بحقوق الإنسان والديمقراطية بالنسبة إلى 320 مليون دولار من المساعدات العسكرية، ما سمح بالإفراج عن أموال كانت خاضعة لقيود بسبب المخاوف المتعلقة بسجل القاهرة الحقوقي.
وجاء القرار الذي وقعه وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في ظل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران والتوترات الأمنية المتصاعدة في المنطقة، إذ قالت وزارة الخارجية إن الإعفاء يصب في مصلحة الأمن القومي الأمريكي، مشيرة إلى أهمية التعاون الأمني الذي تقدمه مصر لواشنطن.
ويعيد القرار إلى الواجهة سؤالاً قديماً في السياسة الأمريكية تجاه مصر: إلى أي مدى يمكن أن تصمد الشروط المرتبطة بحقوق الإنسان عندما تتقاطع مع المصالح الأمنية والاستراتيجية لواشنطن؟
320 مليون دولار خارج القيود الحقوقية
وفق رسالة موجهة إلى عدد من لجان الكونغرس، قرر روبيو إعفاء 320 مليون دولار من تمويل المساعدات العسكرية الخارجية المخصص لمصر للسنة المالية 2025 من متطلب الحصول على شهادة مرتبطة بالشروط الحقوقية.
وتوضح المذكرة المصاحبة للقرار أن هذه الأموال اعتُبرت ضرورية لبرامج تتعلق بمكافحة الإرهاب وأمن الحدود ومنع الانتشار، أو أنها مهمة بصورة أخرى لمصالح الأمن القومي الأمريكي.
وأكدت وزارة الخارجية الأمريكية أن الإعفاء يعكس أهمية الحفاظ على التعاون الأمني مع القاهرة في ظل التحديات الأمنية الإقليمية الحالية.
وبالتالي، فإن القرار لا يعني إلغاء جميع الشروط الحقوقية المفروضة على المساعدات الأمريكية لمصر، وإنما استخدام صلاحية الإعفاء بالنسبة إلى مبلغ محدد من التمويل.
لماذا الآن؟
ربطت إدارة ترامب القرار بالدور الذي تقول واشنطن إن القاهرة أدته منذ بدء الحرب مع إيران.
وتصف المذكرة التي وقعها روبيو دور مصر بأنه كان «مفيداً» في أعقاب انطلاق العملية العسكرية الأمريكية ضد إيران، فيما لم تقدم وزارة الخارجية تفاصيل إضافية عن طبيعة هذا الدور في الوثيقة التي اطلعت عليها رويترز.
وأشارت تقارير أمريكية إلى أهمية التعاون المصري في ملفات أمنية وإقليمية، بما في ذلك مكافحة الإرهاب وأمن الحدود، في وقت تشهد فيه منطقة الشرق الأوسط اضطرابات واسعة.
كما لعبت القاهرة أدواراً في جهود الوساطة المتعلقة بأزمات المنطقة، وهو ما عزز أهميتها بالنسبة إلى واشنطن في ظل التصعيد الإقليمي.
مساعدات عسكرية تتجاوز مليار دولار سنوياً
تتمتع مصر منذ عقود بمكانة خاصة في منظومة المساعدات الأمريكية.
فبعد توقيع معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979، بدأت الولايات المتحدة بتقديم دعم كبير للقاهرة، ومنذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي تحصل مصر على نحو 1.3 مليار دولار سنوياً من المساعدات العسكرية الأمريكية.
وتُخصص المساعدات العسكرية الخارجية لتمكين الدول المستفيدة من شراء معدات وأسلحة أمريكية الصنع، ما يجعلها أيضاً جزءاً من العلاقة الاستراتيجية والعسكرية طويلة الأمد بين واشنطن والقاهرة.
لكن جزءاً من هذه المساعدات يخضع لقيود وشروط مرتبطة بحقوق الإنسان والديمقراطية، ويمكن للرئيس أو وزير الخارجية الأمريكي استخدام صلاحيات قانونية للإعفاء منها عندما ترى الإدارة أن ذلك يخدم مصالح الأمن القومي.
سابقة تتكرر في العلاقة بين واشنطن والقاهرة
هذه ليست المرة الأولى التي تستخدم فيها واشنطن هذا الاستثناء.
فقد سبق للإدارات الأمريكية أن حجبت أجزاء من المساعدات العسكرية المصرية بسبب المخاوف المرتبطة بحقوق الإنسان، خصوصاً بعد إطاحة الجيش بالرئيس المصري المنتخب محمد مرسي عام 2013.
وخلال إدارة الرئيس السابق جو بايدن، جرى في مناسبات عدة حجب جزء من التمويل العسكري بسبب سجل مصر الحقوقي.
لكن واشنطن استخدمت أيضاً صلاحية الإعفاء في الاتجاه المعاكس. ففي سبتمبر 2024، قررت إدارة بايدن تجاوز الشروط الحقوقية والإفراج عن كامل التمويل العسكري السنوي لمصر، في ظل الدور المصري في الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب في غزة.
وهكذا، يظهر أن الشروط الحقوقية ظلت جزءاً من أدوات السياسة الأمريكية تجاه القاهرة، لكن تطبيقها ارتبط في أوقات مختلفة بحسابات أمنية وسياسية أوسع.
حقوق الإنسان في مواجهة الحسابات الأمنية
يثير القرار الجديد انتقادات منظمات حقوقية، خصوصاً في ظل استمرار الانتقادات الموجهة إلى الحكومة المصرية بشأن الاعتقالات التعسفية والتعذيب وحرية التعبير.
وكانت منظمات حقوقية قد وجهت انتقادات متكررة إلى سجل مصر في مجال الحريات، فيما شهد هذا الأسبوع توقيف ستة صحفيين يعملون في منصة «متصدقش» المصرية المتخصصة في التحقق من المعلومات والصحافة الاستقصائية. واتهمتهم السلطات بنشر معلومات مضللة والعمل لصالح جماعة الإخوان المسلمين، بينما نفت المنصة هذه الاتهامات.
في المقابل، تؤكد الحكومة المصرية أنها تتخذ إجراءات لحماية حقوق الإنسان، فيما يشدد الرئيس عبد الفتاح السيسي على أهمية الاستقرار وتلبية الاحتياجات الأساسية للمواطنين.
أما الإدارة الأمريكية، فلم تقل إن ملف حقوق الإنسان لم يعد مهماً بالنسبة إليها. بل أوضحت وزارة الخارجية أن إدارة ترامب ستواصل طرح هذه القضايا في إطار الحوار الثنائي مع القاهرة بشأن مختلف ملفات العلاقات بين البلدين.
الأمن القومي يتقدم في لحظة إقليمية حساسة
من منظور واشنطن، يأتي القرار في سياق مختلف عن فترات سابقة، إذ تواجه المنطقة واحدة من أكثر مراحل عدم الاستقرار منذ سنوات، مع الحرب مع إيران وتداعياتها على الأمن والطاقة والملاحة والتحالفات الإقليمية.
وفي مثل هذه الظروف، تكتسب مصر أهمية إضافية بالنسبة إلى الولايات المتحدة بسبب موقعها الجغرافي ودورها الإقليمي وعلاقاتها الأمنية والعسكرية مع واشنطن.
ولهذا، قدمت الإدارة الأمريكية الإعفاء باعتباره إجراءً يخدم مصالح الأمن القومي، وليس باعتباره حكماً على الوضع الحقوقي في مصر.
لكن منظمات حقوق الإنسان تنظر إلى القرار من زاوية مختلفة، وترى أن استخدام الإعفاءات في ظل استمرار الانتهاكات يضعف قدرة الشروط الحقوقية على التأثير في سياسات القاهرة.
رسالة سياسية تتجاوز قيمة المبلغ
وبعيداً عن قيمة الـ320 مليون دولار نفسها، تحمل الخطوة دلالة سياسية أوسع في علاقة واشنطن بالقاهرة.
فالولايات المتحدة تقول منذ سنوات إن حقوق الإنسان جزء من حوارها مع مصر، وتربط جزءاً من مساعداتها العسكرية بشروط تتعلق بهذا الملف. وفي الوقت نفسه، تُظهر الممارسة السابقة أن هذه الشروط يمكن تعليقها عندما ترى الإدارة الأمريكية أن مصالحها الأمنية أو الاستراتيجية تتطلب ذلك.
وبذلك، لا يمثل قرار روبيو إلغاءً للسياسة الأمريكية المتعلقة بحقوق الإنسان في مصر، لكنه يقدم مثالاً جديداً على حدود تأثير هذه الشروط عندما تتعارض مع أولويات الأمن القومي الأمريكي.
وفي القاهرة وواشنطن معاً، يظل السؤال مطروحاً حول المدى الذي يمكن أن تصل إليه هذه المقايضة بين المصالح الأمنية والضغوط الحقوقية، خصوصاً مع استمرار الاضطرابات الإقليمية واعتماد الولايات المتحدة على مصر كشريك أمني مهم في المنطقة.
وفي نهاية المطاف، فإن مبلغ 320 مليون دولار لا يمثل سوى جزء من المساعدات العسكرية الأمريكية السنوية لمصر، لكن قرار الإفراج عنه يكشف بوضوح عن وزن الحسابات الاستراتيجية في تحديد كيفية تطبيق الشروط التي تربط واشنطن جزءاً من دعمها العسكري بالحقوق والحريات.
اقرأ المزيد
مصر تعتقل كامل فريق منصة «متصدقش».. اتهامات رسمية وإدانات حقوقية واسعة
«حراك أكتوبر البداية» في مصر.. إضرابات داخل السجون وتحركات احتجاجية في بدر
«جرّدوني من ملابسي وهددوني بالاغتصاب».. شهادة ولاء مصطفى تفتح ملف الانتهاكات داخل قسم شرطة مصري

